ترأّس متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس الياس عوده، صباح الأحد، قدّاس عيد العنصرة، في كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس- وسط بيروت.
وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى عوده عظة قال فيها: “أحبّائي، نعيّد اليوم لعيد العنصرة المقدّس، لحلول الرّوح القدس على الكنيسة، لميلاد الجماعة الجديدة الّتي افتداها المسيح بدمه، وملأها من حياته الإلهيّة. في هذا اليوم الخمسينيّ العظيم تمّ ما وعد به الرّبّ يسوع حين وقف في الهيكل قائلًا: “إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب. من آمن بي، فكما قال الكتاب، ستجري من بطنه أنهار ماء حيّ” (يو ٧: ٣٧-٣٨)، ويشرح الإنجيليّ أنّه قال هذا عن الرّوح القدس الّذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه. فيوم صعوده، بعد آلامه وقيامته، وعد الرّبّ يسوع تلاميذه بموعد الرّوح القدس (أع 1: 1) الّذي سيكمل عمل الإبن: “وأمّا المعزّي، الرّوح القدس الّذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلّمكم كلّ شيء ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم” (يو 14: 26).
منذ سقوطه، عطش الإنسان إلى الله. نقرأ في سفر المزامير: “كما يشتاق الأيّل إلى ينابيع المياه كذلك تشتاق نفسي إليك يا الله” (مز ٤١: ١). الأنبياء أيضًا تنبّأوا عن زمن يفيض فيه الرّوح على البشر. قال النّبيّ يوئيل: “وأفيض روحي على كلّ بشر” (يؤ ٢: ٢٨). أمّا حزقيال النّبيّ فقال: “وأعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل روحًا جديدةً في داخلكم، وأنزع قلب الحجر من لحمكم، وأعطيكم قلب لحم، وأجعل روحي في داخلكم، وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها” (36: 26 و27). في يوم العنصرة تحقّقت هذه النّبوءات، إذ امتلأ الرّسل من الرّوح القدس، وخرجوا يكرزون بالمسيح القائم، وصارت الكنيسة جسد المسيح الحيّ في العالم.
نقرا في سفر أعمال الرّسل أنّ الرّوح القدس حلّ كريح عاصفة، وظهرت ألسنة من نار استقرّت على كلّ واحد من التّلاميذ (أع٢: ١-١١). لم يكن هذا مجرّد حدث خارجيّ، بل كان إعلانًا أنّ الله نفسه قد سكن في الإنسان. النّار ترمز إلى التّنقية والاستنارة، والرّيح ترمز إلى قوّة الله الّتي تحيي الخليقة. وكما أنّ الله نفخ في آدم نسمة حياة فصار نفسًا حيّةً، هكذا نفخ الرّوح القدس في الكنيسة حياةً جديدةً، فجعل المؤمنين خليقةً جديدةً بالمسيح، مهمّتهم أن يشهدوا له: “ومتى جاء المعزّي الّذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحقّ الّذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضًا” (يو 15: 26 و27).
يقول القدّيس باسيليوس الكبير إنّ الرّوح القدس “يعيد الفردوس إلى الإنسان، ويهب التّبنّي، ويجعلنا شركاء الطّبيعة الإلهيّة”. لذلك، العنصرة ليست تذكارًا تاريخيًّا، بل سرّ حياتنا اليوميّة، لأنّ كلّ معمّد قد نال ختم موهبة الرّوح القدس وصار هيكلًا لله. لذا، يهتف الرّسول بولس: “أما تعلمون أنّكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم؟” (١كو ٣: ١٦).
من هنا، نفهم خطورة خطيئة التّجديف على الرّوح القدس. يقول الرّبّ يسوع إنّ “التّجديف على الرّوح القدس لن يغفر” (متّى ١٢: ٣١) والآباء يشرحون أنّ هذه الخطيئة ليست كلمةً عابرةً ينطق بها الإنسان في ضعفه، بل هي الإصرار الواعي والعنيد على مقاومة عمل الله ونسبته إلى الشّرّ، ورفض التّوبة حتّى النّهاية كما فعل الفرّيسيّون الّذين رأوا أعمال المسيح الإلهيّة لكنّهم قالوا إنّه يعمل بقوّة الشّياطين. لقد أغلقوا قلوبهم أمام النّور، لذلك صاروا غير قادرين على رؤية أعمال النّور.
يقول القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ إنّ التّجديف على الرّوح القدس هو “العناد الكامل ضدّ الحقّ بعدما يعلنه الله للإنسان”. لذا، ينبغي أن نخاف لا خوف العبيد بل خوف الأبناء، فنحفظ قلوبنا من القساوة والدّينونة والكبرياء الرّوحيّة، وألسنتنا من كلام التّجريح والإدانة، وحياتنا من السّقوط في حبائل الشّرّير. الإنسان قد يظنّ نفسه غيورًا على الإيمان، لكنّه في الحقيقة يحارب الرّوح القدس عندما يحتقر أخاه أو يدين خدّام الكنيسة أو يزرع الانقسامات والشّكوك والتّهم، ويروّج لأفكار مضلّلة.
إنّ أخطر ما يهدّد الحياة الكنسيّة أن يتحوّل بعض المؤمنين إلى قضاة على الآخرين، فيتكلّمون بسهولة على إخوتهم المعمّدين والمختومين بختم الرّوح القدس، متناسين أنّ الرّوح القدس يعمل في الكنيسة وفي البشر. كلّ إنسان معرّض للخطيئة لكنّ باب التّوبة مفتوح للجميع. ربّنا الّذي مات من أجل خلاص الإنسان لا يفرح بموت الخاطئ بل “يريد أن يخلّص جميع النّاس ويبلغوا إلى معرفة الحقّ” كما يقول بولس الرّسول (1 تيمو 2: 4). يقول أيضًا: “لا تطفئوا الرّوح” (١تس ٥: ١٩). كلّ كلمة إدانة، وكلّ تحريض، وكلّ احتقار لإنسان معمّد هو إطفاء لعمل الرّوح القدس. لقد علّمنا الآباء أن نميّز بين رفض الخطيئة واحترام الشّخص. الكنيسة لا تبرّر الشّرّ والخطيئة، لكنّها أيضًا لا تسمح بالكراهيّة والتّشهير والإدانة الهدّامة. نحن ندين الخطيئة لكنّنا ندعو الخاطئ إلى التّوبة ونرشده إلى الحقّ.
في العنصرة الرّسل “امتلأوا من الرّوح القدس وطفقوا يتكلّمون بلغات أخرى كما أعطاهم الرّوح أن ينطقوا”، فسمعت كلّ أمّة “بعظائم الله” بلغتها الخاصّة. الرّوح القدس لا يولّد التّفرقة بل الشّركة، ولا يزرع الانقسام بل المحبّة. لذلك، حيث يوجد الحقد والافتراء والكبرياء والتّشويه، هناك مقاومة لعمل الرّوح، وحيث توجد التّوبة والوداعة والمحبّة والغفران والصّلاة، فهناك حضور الله.
يقول القدّيس سيرافيم ساروفسكي إنّ غاية الحياة المسيحيّة هي “اقتناء الرّوح القدس”. الرّوح القدس لا يقتنى بالضّجيج والصّراعات، بل بالنّقاوة والتّواضع والمحبّة. لذا، تدعونا الكنيسة اليوم لأن نفتّش داخل قلوبنا: هل أفسحنا فيها مجالًا لسكنى المسيح؟ هل صرنا هياكل حيّةً لله؟ هل تجري من داخلنا أنهار ماء حيّ، أيّ كلمات نعمة ورحمة وسلام؟ أم إنّنا ينابيع دينونة ومرارة؟
الرّوح القدس هو مصدر المواهب المعطاة للمؤمنين، وهي تتكامل من أجل البنيان، كما تتكامل أعضاء الجسد، وتظهر ثمارها في سلوكنا وحياتنا. يقول بولس الرّسول “أمّا ثمر الرّوح فهو محبّة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفّف” (غلا 5: 22)، إنّه الرّوح المحيي، روح الله الّذي يعمل فينا ويجعلنا مبشّرين ورسلًا وشهودًا على عمل الله الخلاصيّ.
فلنطلب إلى الرّبّ أن يجدّد فينا موهبة الرّوح القدس، وأن يطهّر ألسنتنا من الكلام الباطل، وقلوبنا من الكبرياء، وأعيننا من الإدانة. لنصلّ من أجل كهنة الكنيسة وخدّامها، لكي يثبّتهم الله في القداسة، ويحفظهم من تجارب هذا العالم، ويمنح شعبه قلبًا طاهرًا يعرف كيف يثمّر مواهبه بالصّلاة والمحبّة والطّاعة كما قال بولس الرّسول في رسالته إلى العبرانيّين: “أطيعوا مرشديكم واخضعوا لهم لأنّهم يسهرون لأجل نفوسكم كأنّهم سوف يعطون حسابًا” (13: 17)، آمين.”



