بأجواء خاشعة ومليئة بالإيمان والرّجاء، ترأّس البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي، صباح الأحد، قدّاس تكريس لبنان والشّرق الأوسط والانتشار لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطّاهر، في بازيليك سيّدة لبنان- حريصا، بمشاركة لفيف من الإكليروس، وعدد من الفعاليّات، وحشد من المؤمنين.
في بداية القدّاس، ألقى المطران حنّا علوان كلمة ترحيبيّة أودع خلالها لبنان ومعه بلدان الشّرق الأوسط بكلّ شعوبها، واللّبنانيّين المنتشرين في أصقاع الأرض، في قلب يسوع، مكرّسًا إيّاها والحاضرين وكلّ العائلات للقلبين الأقدسين، مصلّيًا: “يا مريم، يا سيّدة لبنان، أمّنا الحنون وملجأنا الأمين، أنتِ الّتي جمعتِ اللّبنانيّين حولك عبر العصور، كوني اليوم جسر تلاقٍ بيننا. ابسطي حمايتكِ على أرضنا، لتبقى رسالة حبّ ورجاء في هذا المشرق. وكوني الملاذ لأبنائنا في الانتشار، احفظي إيمانهم، واجعلي منهم رسلًا للسّلام والمحبّة حيثما حلّوا.
يا سلطانة السّلام، نطلب شفاعتك لدى ابنك. هبينا حكمة المحبّة، وقوّة الرّجاء، ونعمة التّسامح، لكي نعيش كإخوة في ظلّ حمايتك. إجعلي من تكريسنا هذا العام بداية زمن جديد، تسوده العدالة، وينعم فيه الإنسان بالكرامة، ويسود السّلام الدّائم في أرضنا وفي العالم أجمع.”
هذا وتوقّف علوان عند جذور فعل التّكريس هذا، وقال: “أرحّب بكم في مقامكم، لنحتفل برئاستكم بتجديد تكريس لبنان والانتشار والشّرق الأوسط لقلب يسوع الأقدس ولقلب مريم الطّاهر، وهذه مبادرة احتفظ بها المؤمنون بإيمان ورجاء، وثابروا على إقامتها عامًا بعد عام في هذا المزار برعايتكم وبركتكم. في هذه السّنة الّتي أُعلن فيها سلفكم البطريرك الياس الحويّك طوباويًّا، نتلمّس بركته في هذه المناسبة، فله يعود الفضل في تكريس لبنان لقلب يسوع الأقدس وللعذراء مريم. ففي عام 1908، يوم أسّس هذا المزار، كتب ترنيمة “يا مريم سلطانة الجبال والبحار وملكة لبناننا العزيز…”، وقد غدت هذه الأنشودة على كلّ لسان، وأصبحت منذ ذلك اليوم نشيد المزار. وقبل ذلك بتسع سنوات، كرسَّ في العام 1899، الكنيسة المارونيّة للقلب الأقدس. وبعد ولادة “لبنان الكبير”، بفضل جهوده وصلاته، أودع، في عام 1922، لبنان والكنيسة المارونيّة لقلب يسوع الأقدس. حيث كتب: “إنّ أمّنا الكنيسة تنادينا اليوم في وسط هذه الاضطرابات… أن استغيثوا بقلب يسوع الأقدس لنجاتكم وخلاصكم. فنحن… استجابة لدعوة هذه الأمّ… قد كرّسنا… أبناء الطّائفة المارونيّة لقلب يسوع، وجعلنا لبنان تحت كنفه الخاصّ وحماه السّامي”.
وأضاف: “في العام 1954، زار لبنان الكاردينال أنجلو رونكللي (أيّ البابا القدّيس يوحنّا الثّالث والعشرون فيما بعد)، وكان آنذاك قاصدًا رسوليًّا ممثّلًا قداسة الحبر الأعظم في المؤتمر المريميّ الّذي عُقد في بيروت، فكرّس لبنان مرّة أخرى لمريم العذراء. ولأنّ هذا الفعل التّقويّ لم يكن يومًا غريبًا عن عاداتنا وتقاليدنا وتاريخ شعبنا، فقد أحييتم يا صاحب الغبطة، على خطى اسلافكم القدّيسين، هذا التّقليد في العام 2013، ووعدتم المؤمنين بتجديده سنويًّا في هذا الصّرح المريميّ العريق. وها هي السّنة الثّالثة عشرة لهذا التّجديد، وقد شملتم بهذا التّكريس هذه السّنة بلدان شرقنا العزيز وأبنائنا اللّبنانيّين المنتشرين في العالم”.
بعد الإنجيل المقدّس، ألقى الرّاعي عظة بعنوان: “الرّوح يعزّيكم ويعلّمكم ويذكّركم” (يو 14: 26)، قال فيها:
“1. بهذه الكلمة المليئة رجاءً ونورًا، يهيّئ الرّبّ يسوع تلاميذه لمسيرة الكنيسة بعد قيامته وصعوده، ويطمئنهم بأنّهم لن يُتركوا وحدهم، بل إنّ الرّوح القدس، البارقليط، سيكون حاضرًا معهم، يعزّيهم في الشّدائد، ويعلّمهم الحقّ، ويذكّرهم بكلّ ما يقوله للكنيسة.
إنّه إنجيل الرّوح القدس الّذي يقود الكنيسة، ويجعل كلمة المسيح حيّة في القلوب، ويحوّل الخوف إلى رجاء، والاضطراب إلى سلام، والحيرة إلى بصيرة. فالرّوح القدس هو حضور الله العامل في الكنيسة وفي العالم. في هذا الأحد المبارك، نكرّس لبنان وبلدان الشّرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس ولقلب مريم الطّاهر.
2. نرحّب بكم جميعًا إخواني السّادة المطارنة الأجلّاء والكهنة والرّهبان والرّاهبات، وجميع المؤمنين والمؤمنات الحاضرين معنا اليوم في هذا المزار المبارك، مزار سيّدة لبنان في حريصا، الّذي ترتفع منه الصّلوات إلى الله من أجل السّلام والخير في العالم. كما نحيّي الّذين معنا عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ. ونحيّي لجنة التّكريس الّتي نظّمت هذا الاحتفال.
في مناسبة تكريس لبنان وبلدان الشّرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس ولقلب مريم الطّاهر، نجدّد عهد الثّقة والرّجاء، ونسلّم أوطاننا وشعوبنا إلى قلب يسوع المفعم بالمحبّة والرّحمة، وإلى قلب مريم أمّه وأمّنا الحنون، سائلين الله أن يحفظ أوطاننا بنعمته ويغمرها بسلامه ووحدته. لكن يعتصر قلبنا دمًا على الدّماء البريئة الّتي تسقط يوميًّا وتغسل أرض الوطن. ونذكر من بينهم ضحايا الجيش اللّبنانيّ، العميد وسام صبره والنّقيب إيلي الخوري والجنديّ حسين عبد العلي غزال، والدّكتور جيمس كرم وابنته تيودوسيا وابنه طوني من بلدة القليعة الجريحة. إنّا نعزّي قيادة الجيش، ونصلّي لراحة نفوسهم وعزاء عائلاتهم.
3. يمارس الرّوح القدس أفعاله الثّلاثة من خلال مواهبه السّبع:
أ. الرّوح المعزّي يعطينا موهبة القوّة لمواجهة المحن والمعاكسات، الآتية من الدّاخل أو من الخارج. لا أحد منّا إلّا ويختبر الرّياح المعاكسة في حياته وأعماله ومسؤوليّاته. وحده روح القوّة يشجّعنا على الصّمود والصّبر والرّجاء.
ب. الرّوح المعلّم يمنحنا موهبة المشورة، في كلّ مرّة نتساءل عمّا يجب أن نفعل أو نقول؛ وموهبة العلم عندما نصمت ونتأمّل ونفكّر، باحثين عن حقيقة ما، وعن نور يقود معرفتنا؛ وموهبة الحكمة عندما تستدعي ظروف الحياة أن نتّخذ قرارًا أو موقفًا حاسمًا لقضيّة؛ وموهبة الفهم التي تعضد إيماننا، وتساعدنا في البحث عن جواب على تساؤلاتنا.
ج. الرّوح المذكِّر يفيض علينا موهبة التّقوى في لقائنا مع الله عبر اللّيتورجيّا وأفعال العبادة، بحيث نتذكّر أنّ الرّبّ هنا؛ وموهبة مخافة الله في علاقاتنا مع النّاس، وفي تعاطينا شؤون العالم واستخدام خيراته، فنتمّمها وفقًا لمرضاة الله، مخافة الاساءة إليه وخسارة رضاه.
4. إنّ التّكريس عمل كنسيّ وليتورجيّ بامتياز، لأنّ اللّيتورجيا هي المكان الّذي تلتقي فيه الأرض بالسّماء، والإنسان بالله، والتّاريخ بالخلاص. ومن خلال هذا التّكريس نعلن أنّ أوطاننا ليست خارج عناية الله، بل هي موضوعة في قلب عنايته ورحمته ومحبّته.
فعندما نسلّم الوطن لقلب يسوع الأقدس، فإنّنا نعلن أنّنا نريد دولة تنبض بالحقّ والعدالة والرّحمة والكرامة الإنسانيّة. وعندما نسلّم الوطن لقلب مريم الطّاهر، فإنّنا نعلن أنّنا نريد دولة تحمي أبناءها، وتداوي جراحهم، وتحتضن ضعفهم، وتفتح أمامهم أبواب الرّجاء. وعندما نسلّم الشّرق الأوسط وبلدان الانتشار لهذين القلبين، فإنّنا نصلّي من أجل شعوب تتوق إلى الاستقرار، ومن أجل أجيال تبحث عن مستقبل آمن، ومن أجل إنسان يتطلّع إلى حياة يسودها السّلام والكرامة والاحترام المتبادل.
إنّ لبنان صاحب حضور في حقل الرّسالة. فهو أكثر من أرض وحدود، وأكثر من دولة ومؤسّسات، إنّه رسالة حرّيّة وكرامة وتعدّديّة وعيش مشترك. هذه الرّسالة لا تُصان إلّا عندما يبقى أصحاب المسؤوليّة أوفياء لها، وأمناء على جوهرها، ومدركين حجم الأمانة الملقاة على عاتقهم. ولا يمكن أن يقوم لبنان بهذه الرّسالة الفريدة، ما لم تعلنه الأمم المتّحدة دولة حياديّة بمفهومها الإيجابيّ النّاشط.
5. تكريس لبنان وبلدان الشّرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطّاهر هو إعلان رجاء بأنّ هذه الأرض، مهما اشتدّت عليها المحن، ليست متروكة لمصيرها، بل لها ربّ نرجع إليه، ولها أمّ نلجأ إليها، ولها قلبان لا يتوقّفان عن النّبض بالمحبّة والرّحمة والشّفاعة.
ومن هنا نفهم أنّ التّكريس هو مسيرة متواصلة من الإيمان والثّقة والتّجدّد. إنّه دعوة لأن تتجدّد شعوبنا في الرّجاء، وأن تستعيد أوطاننا رسالتها، وأن يبقى الإنسان في هذه المنطقة مؤمنًا بأنّ الله حاضر في تاريخه، ومرافق لمسيرته، وعامل في قلب معاناته. فحين نسلّم ذواتنا وأوطاننا لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطّاهر، نعلن أنّ الرّجاء أقوى من اليأس، وأنّ المحبّة أقوى من الكراهيّة، وأنّ نعمة الله تبقى أقوى من كلّ ما يواجهه الإنسان من صعوبات وتحدّيات.
6. وفيما تتواصل المفاوضات والمباحثات والاتّصالات على أكثر من مستوى، تبقى الأنظار متّجهة نحو أن تنجح هذه الجهود في فتح أبواب الحلول وإبعاد شبح الحرب والتّصعيد والمواجهات والهدم والنّزوح ووقوع الأبرياء. لقد سئمت الشّعوب الحرب ولغة القوّة والهيمنة. فالحرب لا تصنع سلامًا، ولا تبني أوطانًا، ولا تؤسّس مستقبلًا. أمّا الرّؤية الحكيمة، والقرار المسؤول، والإرادة الصّلبة في البحث عن حلول عادلة ومستدامة، فهي الّتي تفتح الطّريق أمام الاستقرار والأمن والازدهار.
في مناسبة هذا التّكريس المبارك، نرفع صلاتنا لكي يستنير جميع المسؤولين والمفاوضين وأصحاب القرار، في الدّاخل والخارج، بنور الحقيقة والضّمير والمسؤوليّة الوطنيّة، فيعملوا لما فيه خير الشّعوب واستقرار الأوطان وصون كرامة الإنسان. إنّ هذا التّكريس هو موقف إيمان في وجه اليأس، ورجاء في وجه الخوف، وإعلان بأنّ لهذه الأرض رسالة، ولهذا الوطن دورًا لا يُهمّش.
إنّنا نرجو أن تثمر المفاوضات الجارية نتائج ملموسة تقود إلى الاستقرار، وأن تتغلّب لغة الحكمة على لغة التّصعيد، لأنّ الشّعوب لم تعد تحتمل المزيد من المعاناة. ويبقى تكريس لبنان والشّرق الأوسط لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطّاهر تأكيدًا على أنّ هذا الوطن وهذه المنطقة ما زال لهما مكان في قلب الله، وما زالت لهما رسالة ينبغي أن تُحفظ وتُصان وتُستكمل.
7. فلنصلِّ، أيّها الإخوة والأخوات الأحبّاء: أيّها الرّبّ يسوع، يا صاحب القلب الأقدس، نضع بين يديك لبنان وبلدان الشّرق وبلدان الانتشار، وكلّ إنسان يتألّم، وكلّ عائلة تنتظر، وكلّ شاب يبحث عن مستقبل أفضل. ويا مريم العذراء، يا سيّدة لبنان، يا أمّ الكنيسة وأمّ الرّجاء، نكرّر اليوم عهدنا لك، ونجدّد ثقتنا بشفاعتك، ونضع أوطاننا وأبناءها تحت حمايتك. فاحفظي لبنان في رسالته، وثبّتي الشّرق الأوسط في رجائه، وباركي أبناء الانتشار أينما وجدوا، ليبقوا شهودًا للمسيح وللكنيسة وللقيم الّتي حملوها معهم إلى العالم.
واجعل يا ربّ من هذا التّكريس ينبوع نعمة جديدة لشعوبنا، ومن قلبك الأقدس وقلب أمّك الطّاهر ملجأً لكلّ متعب، وعزاءً لكلّ متألّم، ورجاءً لكلّ من ينتظر فجرًا جديدًا من السّلام والكرامة والاستقرار. لك المجد إلى الأبد، آمين.”
وفي ختام القدّاس، شكر المطران نبيل الحاج البطريرك الرّاعي على تلبيته الدّعوة السّنوية ومواكبته الدّائمة لهذه المسيرة الرّوحيّة، قبل أن يُتلا فعل التّكريس وترتفع الصّلوات من أجل السّلام والرّجاء والاستقرار.
وبعد القدّاس، طاقت مروحيّة تابعة للجيش اللّبنانيّ فوق المزار، ونثرت الورود على المؤمنين.




