كما في كلّ زيارة رسوليّة، كان للبابا لاون الرّابع عشر الخميس، لقاء مع الأساقفة والكهنة والشّمامسة والرّهبان والرّاهبات والإكليريكيّين والعاملين الرّعويّين، في كاتدرائيّة القدّيسة حنّة- لاس بالماس دي غران كناريا، دعاهم خلاله إلى أن يكونوا ”بنّائين حكماء“ لحضارة المحبّة.
ووسط فرح كبير توجّه البابا إلى الحاضرين بكلمته وقال بحسب إعلام الكرسيّ الرّسوليّ: “إنّه لفرح كبير لي أن أتمكّن من مشاركة هذا اللّقاء معكم. أشكركم على حفاوة الاستقبال، وعلى حضوركم الودود، وعلى شهاداتكم في الإيمان الّتي تظهر كنيسة حيّة، تجد في قلبها صدى “أفراح وآمال، وأحزان وآلام إنسان اليوم، ولاسيّما الفقراء وجميع المتألّمين” (دستور رعائيّ في الكنيسة في عالم اليوم، فرح ورجاء، 1).
جئت إلى هذه الجزر أبًا وأخًا لكم في الإيمان: “معكم أنا مسيحيّ، ومن أجلكم أنا أسقف” (البركة الأولى لمدينة روما وللعالم، 8 أيّار/ مايو 2025). نال كلّ واحد منّا مواهب وخدمات مختلفة لبنيان جسد المسيح، كما سمعنا في القراءة من الرّسالة إلى أهل أفسس. وهذه هي دعوة الرّبّ يسوع الّتي تتردّد اليوم من جديد في قلوبنا وتؤكّد دعوتنا ورسالتنا: أن نبني الكنيسة معًا على أساس المسيح، ”حجر الزّاوية“ (راجع 1 بطرس 2، 6-8)، وأن نبني بعمل الخير، وننسّق اختلافاتنا، ونعمل متّحدين من أجل خير الجميع (راجع رسالة بابويّة عامّة، الإنسانيّة الرّائعة، 11-14).
أودّ أن نتأمّل معًا في موقِفَين من حياتنا المسيحيّة يجب أن نضعهما نصب أعيننا لكي نكون ”بنّائين حكماء“ في بناء حضارة المحبّة (راجع المرجع نفسه، 236).
أنتم، سكّان جزر الكناري الأصليّون أو الّذين اتّخذوها وطنًا، شعب الله السّائر في الحجّ عبر هذه الأراضيّ الّتي يحيط بها المحيط الأطلسيّ، تتمتّعون بامتياز يوميًّا بالحضور المهيب للبحر. ويُقال إنّ صورة البحر- الّتي تحمل عبق الوطن والبيت- تبقى منطبعة إلى الأبد في عيون أبناء الجزر، وإنّهم يشعرون بافتقادها بشدّة عندما يكونون بعيدين عنها في داخل وطنهم. هذا الشّعور يعبّر عن حنين سليم إلى الرّحابة، وإلى السّماء والبحر المفتوحَين والممتدَّين في الأفق بلا حدود، وإلى قلب مرهف مستعدّ لأن يودّع بدمعة الّذين يرحلون، وأن يستقبل بذراعَين مفتوحتَين الّذين يصلون. من هذا المنطلق، قد يصير البحر أحيانًا رمزًا للمسافة والانفصال، وللتّحدّي والطّريق الواجب اجتيازه.
في هذا الصّدد قال القدّيس أغسطينس: “كأنّ إنسانًا يرى وطنه من بعيد، لكن البحر يفصل بينهما. فهو يرى المكان الّذي يريد أن يصل إليه، لكنّه لا يملك الوسيلة الّتي توصله إليه. هكذا حالنا نحن، إذ نريد أن نبلغ ذلك الثّبات حيث الكائن الحقّ […]، غير أنّ بحر هذا العالم يفصل بيننا وبينه. […] ولكي تكون لنا أيضًا وسيلة العبور، جاء من هناك الّذي كنّا نريد أن نصل إليه. فما العمل؟ لقد هيّأ لنا الخشبة الّتي نعبر بها البحر. في الواقع، لا أحد يستطيع أن يجتاز بحر هذا العالم إن لم يحمله صليب المسيح” (شرح إنجيل القدّيس يوحنّا 2، 2). هذا هو الموقف الأوّل الّذي يقودنا لنبحر في مياه الحياة ونبلغ غايتنا، وطننا السّماوي: أن نعانق صليب المسيح.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، لقد اختبر القدّيسون الحنين إلى الله، وإذ واجهوا عواصف الحياة، عرفوا كيف يحملون يسوع في قواربهم، فوثقوا به، وقبلوا صليبه، وبذلك هدّأوا أمواج الشّكّ والخوف (راجع متّى 8، 23-27). ومن الأمثلة على ذلك في هذه الأراضيّ المباركة، بين كثيرين غيره، المكرّم أنطونيو فيثنتي غونسالس (Antonio Vicente González)، الكاهن الأبرشيّ المعروف أيضًا باسم ”الرّاعي الصّالح الكناري“. حياته الّتي حوّلتها نعمة الله تحثّنا على أن نحمل صليب المسيح ونتبعه (راجع متّى 16، 24)، ونكون شهودًا أمناء للإنجيل في هذا الزّمن الجديد من التّاريخ، وهو زمن لا يخلو من الاضطرابات والتّناقضات، لكي نبلغ الغاية الموعودة (راجع يوحنّا 12، 32).
إذن، فإنّ ”الخطّ المُوَجِّه“ الأوّل هو قبول صليب المسيح. وأنتم، مثلًا، تقومون بذلك يوميًّا مثل سِمعان القَيرَوانيّ، إذ ترافقون كثيرًا من الإخوة والأخوات المصلوبين بمآسي الحياة، وتساعدونهم ليحملوا أثقالهم. أشكركم على هذا العمل السّخيّ في المحبّة والرّحمة.
أودّ أيضًا أن أؤكّد على موقف آخر، وهو تنمية روحانيّة إفخارستيّة. هذا يرتبط بالتّقليد العريق المحفوظ في هذه الكاتدرائيّة الجميلة: أمطار بتلات الزّهور الّتي تُنثر أمام القربان الأقدس يوم عيد الصّعود، علامةً على الخيرات الرّوحيّة والسّماويّة الّتي يفيضها الرّبّ يسوع بصعوده إلى السّماء. هذه العلامة التّعبّديّة، الّتي مارستها أجيال كثيرة عبر الزّمن، تحمل معنى عميقًا: فغاية مسيرتنا هي اللّقاء بالمسيح، مركز الحياة المسيحيّة الّذي تنحني له ركبنا سجودًا، والّذي نلتفّ حوله لنكوّن جسدًا واحدًا، ومعه نقدِّم أنفسنا “ذَبيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسةً مَرْضِيَّةً عِندَ الله” (رومة 12، 1).
هذا ما يعلِّمنا إيّاه المجمع الفاتيكاني الثّاني: المؤمنون، “باشتراكهم في ذبيحة الإفخارستيّا، ينبوع وقمّة كلّ حياة مسيحيّة، يقدِّمون لله الذّبيحة الإلهيّة ويقدِّمون ذواتهم معها […] ويُظهرون، بشكل جليّ، وَحدة شعب الله” (دستور عقائديّ في الكنيسة، نور الأمم، 11). لذلك، فإنّ تنمية روحانيّة إفخارستيّة تعني أن نتعمّق في “روحانيّة الوَحدة الكنسيّة في المحبّة” (رسالة بابويّة عامّة، الإنسانيّة الرّائعة، 234). لنجعل من حياتنا جوابًا على رغبة يسوع: “ليكونوا بِأَجمَعِهم واحِدًا […] لِيُؤمِنَ العالَمُ” (يوحنّا 17، 21).
أحد الأشكال العمليّة للتّعبير عن هذه الرّوحانيّة القائمة على الوَحدة والشّركة هو التّضامن المسيحيّ، لأنّ “الاتّحاد بالمسيح هو في الوقت نفسه اتّحاد بجميع الّذين وهب ذاته لهم” (بندكتس السّادس عشر، الله محبّة، 14). لهذا، أشجّعكم على أن تستمّروا في تقديم المحبّة للجميع، تلك المحبّة الّتي نلتموها أنتم أنفسكم من الرّبّ يسوع (راجع 1 يوحنّا 4، 19)، محبّة تصير غذاءً في حسن الاستقبال، والإصغاء، والقُرب، والاهتمام بالأضعفين: “لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني، وكُنتُ غَريبًا فآويتُموني، وعُريانًا فَكسَوتُموني، ومَريضًا فعُدتُموني، وسَجينًا فجِئتُم إِلَيَّ” (متّى 25، 35-36).
أيّتها الكنيسة السّائرة في جزر الكناري، إنّك تقتدين بخطى القداسة الّتي سار عليها رجال ونساء كثيرون سبقوكم، وقد قدّموا حياتهم في وَحدة وشركة مع ذبيحة المسيح على الصّليب، أشجّعكم على أن تستمرّوا وأنتم متجذّرون في المسيح بثبات، لكي تواصلوا الإبحار بشجاعة في هذا الزّمن الجديد من التّاريخ. وعندما تواجهون الصّعاب، ارفعوا عيونكم واطلبوا من الرّوح القدس النّعمة لتعيشوا متّحدين في الإيمان والرّجاء والمحبّة، وهي الفضائل الّتي “تشبه ثلاثة نجوم تلمع في سماء حياتنا الرّوحيّة لتقودنا نحو الله” (القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، التّعليم المسيحيّ أثناء المقابلة العامّة، 22 تشرين الثّاني/ نوفمبر 2000).
لترشدنا سيِّدتنا مريم العذراء، نجمة البحر، في مسيرتنا، ولتساعدنا ”لنسير في عرض البحر“ (راجع لوقا 5، 1-11)، حتّى نبلغ الميناء الآمن، ميناء اللّقاء النّهائي بابنها يسوع المسيح. شكرًا!”.



