23 يونيو 2026
لبنان

عوده في عيد الأب: الأب الّذي يعيش الإنجيل يصبح إنجيلًا حيًّا تقرأه أسرته كلّ يوم

إحتفل متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس المتروبوليت الياس عوده، صباح الأحد، بالقدّاس الإلهيّ من كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس في وسط بيروت، توقّف خلاله عند دور الأب في زرع الإيمان والثّقة بالله في أبنائه.

وقال عوده في عظته: “أحبّائي، كثيرًا ما يعيش الإنسان ممزّقًا بين الإيمان والخوف. فهو يؤمن بالله، ويعترف بعنايته ومحبّته، لكنّه يحمل في قلبه همومًا كثيرةً على حياته ومستقبله وأولاده. يصلّي ويطلب معونة الله، ثمّ يعود فيغرق في القلق وكأنّ كلّ شيء رهن قوّته الخاصّة. لذلك على كلّ إنسان أن يسأل نفسه هل أثق حقًّا بالله؟ وهل أعيش إيماني كعلاقة حيّة مع آب سماويّ يحبّني ويعتني بي، أم أنّ إيماني محصور في بعض الممارسات الخارجيّة؟

إنجيل اليوم مع مقطع الرّسالة الّذي سمعناه من رسالة بولس الرّسول إلى أهل رومية يجيبان عن هذا السّؤال. بولس يكشف لنا أساس الثّقة المسيحيّة، والرّبّ يسوع يبيّن لنا كيف نحيا هذه الثّقة في تفاصيل حياتنا اليوميّة.

يقول الرّسول: “إذ قد برّرنا بالإيمان، فلنا سلام مع الله بربّنا يسوع المسيح”. لقد انفصل الإنسان عن الله وصار غريبًا عنه بسبب الخطيئة، لكنّ الله لم يترك الإنسان في غربته وهلاكه، بل بادر إليه بمحبّته. لذلك يضيف الرّسول: “أمّا الله فيدلّ على محبّته لنا بأنّه إذ كنّا خطأةً بعد مات المسيح من أجلنا”. لم ينتظر الله أن نصبح أبرارًا لكي يحبّنا، ولم يطلب منّا أن نستحقّ محبّته قبل أن يفتدينا، بل أحبّنا أوّلًا، وبذل ابنه الوحيد من أجل خلاصنا.

هذه الحقيقة هي أساس الحياة المسيحيّة كلّها. فإيماننا لا يقوم على الخوف من الله بل على الثّقة بمحبّته. نحن لا نقترب من الله كعبيد لسيّد قاس، بل كأبناء لأب محبّ. لذا، السّلام الّذي يتحدّث عنه الرّسول هو ثمرة المصالحة مع الله. من عرف أنّ الله يحبّه حتّى الصّليب، ومن أدرك أنّ المسيح مات من أجله ليخلّصه، لا ينظر إلى حياته بالطّريقة الّتي ينظر بها إنسان لم يعرف الله.

في إنجيل اليوم، يتكلّم الرّبّ يسوع على العين البسيطة والعين الشّرّيرة، ثمّ ينتقل إلى الحديث عن المال والهموم والقلق. يقول: “إن كانت عينك بسيطةً فجسدك كلّه يكون نيّرًا، وإن كانت عينك شرّيرةً فجسدك كلّه يكون مظلمًا” ويتابع: “لا يستطيع أحد أن يعبد ربّين… لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال”. للوهلة الأولى قد تبدو هذه المواضيع مختلفةً، لكنّها في الحقيقة مرتبطة بعضها ببعض. فالعين الّتي تحدّث عنها الرّبّ ليست العين الجسديّة، بل عين القلب. إنّها الطّريقة الّتي ينظر بها الإنسان إلى الله وإلى العالم ونفسه.

إذا كانت العين بسيطةً، أيّ إذا كان القلب ثابتًا في الله وواثقًا بمحبّته، امتلأ الإنسان نورًا وسلامًا. أمّا إذا كانت العين مظلمةً، أيّ إذا صار الإنسان أسير الخوف والطّمع والانشغال المفرط بالأمور الأرضيّة، تدخل الظّلمة أعماقه ويصبح فكره مشوّشًا ومضطربًا. لذلك يقول الرّبّ: “لا يقدر أحد أن يعبد ربّين… لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال”. المشكلة ليست في المال بذاته، بل في مكانته في القلب الّذي إن تعلّق بالأمور الزّائلة أكثر من تعلّقه بالله يفقد سلامه ويعيش في القلق.

يتابع الرّبّ قائلًا: “لا تهتمّوا لأنفسكم بما تأكلون وبما تشربون”. إنّه لا يدعونا إلى الكسل أو إهمال المسؤوليّات، بل إلى التّحرّر من القلق الّذي يلتهم القلب. الإنسان المؤمن يعمل ويكدّ، لكنّه يعرف أنّ حياته في يد الله. يقوم بما عليه، ثمّ يسلّم الباقي لعناية الآب السّماويّ.

يعيش إنسان اليوم في عالم تزداد فيه المخاوف والضّغوط. كثيرون يحملون همّ العائلة والمستقبل والعمل والأوضاع الاقتصاديّة والمرض والشّيخوخة. في عالمنا المعاصر كثيرًا ما يختنق الإنسان بثقل الهموم حتّى يفقد فرحه وسلامه. لكنّ المسيح يعيد توجيه أنظارنا نحو حقيقة أنّ الله الّذي أحبّنا حتّى بذل ابنه الوحيد من أجلنا، سيهتمّ أيضًا بحياتنا اليوميّة، والّذي صالحنا معه ونحن خطأة، لن يهملنا بعد أن صرنا أبناءه.

يصل الرّبّ إلى ذروة تعليمه عندما يقول: “أطلبوا أوّلًا ملكوت الله وبرّه، وهذا كلّه يزاد لكم”. المشكلة الكبرى في حياة الإنسان ليست نقص الإمكانات، بل اضطراب النّظرة إلى الأولويّات. كثيرًا ما نطلب كلّ شيء قبل الله، ثمّ نتعجّب لأنّ قلوبنا مضطربة. المسيح يدعونا إلى وضع الله في المركز الأوّل. عندما يكون الملكوت الهدف الأوّل، تأخذ بقيّة الأمور مكانها الصّحيح، وعندما يصبح الله محور الحياة، تتحوّل الهموم إلى صلاة، والخوف إلى رجاء، والاضطراب إلى سلام.

يا أحبّة، إذ يحتفل عالمنا اليوم بعيد الأب، تكتسب هذه الرّسالة معنًى خاصًّا. فالله شاء أن تكون الأبوّة الأرضيّة صورةً لأبوّته السّماويّة. الإبن يتعلّم الثّقة من خلال خبرته مع أبيه الّذي يحبّه ويهتمّ به ويحمله في ضعفه. لذلك، لا يقاس الأب المسيحيّ بما يوفّره لأولاده من حاجات مادّيّة، بل بما يزرعه فيهم من إيمان وثقة بالله.

أولادنا اليوم لا يحتاجون من يعلّمهم النّجاح في العالم، بل من يعلّمهم الثّقة بالله وسط عالم مضطرب. يحتاجون أبًا يصلّي ويحبّ ويغفر، أبًا يضع الله في المرتبة الأولى من حياته. الأب الّذي يعيش الإنجيل يصبح إنجيلًا حيًّا تقرأه أسرته كلّ يوم. وحين يرى الأبناء في أبيهم رجلًا يتّكل على الله أكثر من اتّكاله على المال والسّلطة والمركز، ويطلب الملكوت قبل المجد الأرضيّ الزّائل، يتعلّمون معنى الإيمان الحقّ.

كذلك، نتذكّر اليوم الآباء الرّوحيّين الّذين يرافقون الجميع في مسيرة الخلاص ويقودونهم إلى معرفة المسيح. هم مدعوّون أيضًا إلى أن يعكسوا صورة الآب السّماويّ بالمحبّة والتّواضع والتّسامح والرّعاية والتّعليم، لكي يشعر المؤمنون من خلال خدمتهم بحضور الله الآب وحنانه.

تدعونا كلمة الله اليوم لنرفع أنظارنا فوق مخاوف العالم، ونتذكّر أنّنا تصالحنا مع الله بدم المسيح وصرنا أبناءً له، فلا مكان لليأس بعد، ولا سبب للشّكّ في عنايته. فلنجعل عين القلب بسيطةً ونقيّةً، ولنطلب أوّلًا ملكوت الله وبرّه، عالمين أنّ الآب السّماويّ يعرف احتياجاتنا قبل أن نسأله، ويقود حياتنا بحكمة ومحبّة تفوقان كلّ فهم، وقد قال لنا: “أنظروا إلى طيور السّماء فإنّها لا تزرع ولا تحصد ولا تخزّن في الأهراء وأبوكم السّماويّ يقوتها. أفلستم أفضل منها… تأمّلوا زنابق الحقل كيف تنمو. إنّها لا تتعب ولا تغزل، وأنا أقول لكم إنّ سليمان نفسه في كلّ مجده لم يلبس كواحدة منها. فإذا كان عشب الحقل الّذي يوجد اليوم ويطرح غدًا في التّنّور يلبسه الله هكذا أفلا يلبسكم بالأحرى أنتم يا قليلي الإيمان؟” (متّى 6: 26: 30). فلتكن عيننا بسيطةً لتكون سراجًا لنا كما قال الرّبّ يسوع، فيكون قلبنا مستنيرًا بنور المسيح، آمين.”