“أبعد من الشّحن والتّجارة: الوجه الإنسانيّ للبحر”، هو عنوان الرّسالة الخاصّة بـ”أحد البحر” الّتي أصدرتها الدّائرة الفاتيكانيّة المعنيّة بالتّنمية البشريّة المتكاملة، موقّعة من عميدها الكاردينال مايكل تشرني.
وفي الرّسالة، يوضح تشرني أنّ “حياة العالم تستمرّ في التّدفّق عبر البحار والممرّات المائيّة، حيث يقف خلف حركة التّجارة العالميّة وصناعات الثّروة السّمكيّة والموانئ عدد لا يحصى من البحّارة والصّيّادين وعمّال الموانئ الّذين يربطون بين الشّعوب ويعيلون الأسر عبر القارّات.”
وتضيف الرّسالة بحسب “فاتيكان نيوز”: “وقد جاءت أزمة مضيق هرمز مؤخّرًا لتذكّر المجتمع الدّوليّ بمدى عمق اعتماد البشريّة على البحر وعلى أولئك الّذين يعملون فيه بصمت ومثابرة وتضحية، ممّا يفرض على الكنيسة والعالم تذكّر هؤلاء الرّجال والنّساء كأشخاص بشريّين منحوا كرامة لا تنتهك، وتحمل قصصهم الفريدة آمالًا وأعباء تستحقّ أن تُرى وتُصان.
وفي الوقت الرّاهن، يواجه العمّال البحريّون حالة متزايدة من عدم اليقين والمشقّة؛ إذ تحوّل البحر من جسر للتّواصل بين الأمم إلى مساحة تتّسم بالتّوتّر وانعدام الأمن والحروب. ولم يعد على الأطقم مواجهة المخاطر الطّبيعيّة للملاحة فحسب، بل تأثّروا بالصّراعات المسلّحة الّتي أدّت إلى حبسهم الافتراضيّ على متن السّفن ونقص الغذاء والخوف على حياتهم، ممّا زاد من عزلتهم وإنهاكهم العاطفيّ. ومن المفارقات أنّه في عصر يتّسم بزيادة التّواصل الرّقميّ، يعاني البحّارة من عزلة أعمق نتيجة تقليص حجم الطّاقم، وفترات الإجازات الشّاطئيّة القصيرة، والضّغط المستمرّ للحياة البحريّة الحديثة، ممّا لا يترك مساحة تذكر للرّاحة أو اللّقاءات الإنسانيّة الحقيقيّة.
إزاء هذه الحقائق، يحتاج أهل البحر إلى حضور إنسانيّ حقيقيّ يشعرهم بأنّهم مسموعون ومحبوبون، بدلًا من الأنظمة الجافّة. وتستشهد الرّسالة بالرّسالة العامّة الأولى للبابا لاون الرّابع عشر “الإنسانيّة الرّائعة” للتّحذير من اختزال الشّخص البشريّ في مجرّد بيانات أو ترس في آلة اقتصاديّة، مشدّدة على ضرورة ألّا تصبح السّفينة مكانًا للعزلة الصّامتة أو اللّامبالاة، بل شاهدًا حيًّا على قدرة التّضامن والأخوّة والتّعايش السّلميّ بين مختلف الثّقافات والأديان.
علاوة على ذلك، يعلّمنا البحر أنّ البشريّة تنتمي إلى بعضها البعض؛ فالمحيطات تربط ولا تقسّم. ومع ذلك، تعاني البحار اليوم من التّلوّث والاستغلال والتّدهور البيئيّ النّاتج عن النّشاط البشريّ غير المسؤول، وعندما تعاني المحيطات تعاني البشريّة معها، لاسيّما المجتمعات السّاحليّة والصّيّادين. وتؤكّد تعاليم البابا لاون الرّابع عشر أنّ التّقدّم الحقيقيّ لا يقاس بالكفاءة أو الرّبح وحده، بل بمدى صون الكرامة الإنسانيّة والمسؤوليّة تجاه الأجيال القادمة، ممّا يعني أنّ حماية الحياة البحريّة والدّفاع عن كرامة العمّال هما بعدان لالتزام أخلاقيّ واحد تجاه الصّالح العامّ.
ويستمدّ هذا الالتزام قوّته من الإنجيل، وتحديدًا من صورة يسوع الّذي دخل القارب وسط العاصفة ليرافق تلاميذه في ضعفهم وخوفهم، مبيّنًا أنّ الرّبّ يسير إلى جانب الّذين يواجهون الخطر والفراق عن عائلاتهم. واقتداءً بهذا النّهج، تسعى الكنيسة من خلال حضورها الرّعويّ وخدماتها الإنسانيّة عبر مراكز “العمل الرّسوليّ البحريّ” المعروفة باسم “نجمة البحر” إلى مرافقة البحّارة والاستماع إليهم والدّفاع عن حقوقهم، وتقديم الرّعاية الرّوحيّة والأسرار المقدّسة للبحّارة من جميع الجنسيّات والمعتقدات في موانئ العالم.”
وفي الختام، توجّهت الرّسالة “بامتنان عميق لكلّ البحّارة والصّيّادين والعمّال البحريّين وعائلاتهم على تضحياتهم الّتي تدعم الأمن الغذائيّ والتّجارة العالميّة، وتثمّن جهود المرشدين والمتطوّعين الّذين يقدّمون الدّعم العمليّ والرّوحيّ في الموانئ، مع ابتهال بالصّلاة إلى مريم “نجمة البحر” لتضمن السّلامة والكرامة والرّجاء لجميع الّذين يسافرون ويعملون فوق المياه.”



