ما هي صلاة السّجدة؟ لماذا هذه التّسمية؟ ومتى تُتلا؟ وما هو مضمونها؟ الإجابة مع خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض، في السّطور التّالية:
“ولقد أُطلقَ على هذه الصّلاة اسم السّجدة لأنَّ الكنيسة تمارسها بإحناء الرّأس مع الرّكب (الرّكوع والسّجود). فالسّجدة إسم ونموذج لما تم للرّسل إذ وهم يصلّون في علّيّة صهيون حلّ الرّوح القدس عليهم. وهكذا نتوسّل مثلهم بإحناء القلب والجسم معًا ونسجد مستمدّين الرّحمة والغفران من أجل خطايانا طالبين من اللّه أن يخلق فينا قلبًا نقيًّا وروحًا مستقيمًا يجدّده في داخلنا ولا يطرحنا من قدّام وجهه وروحه القدّوس لا ينزعه منّا.
وكما أنّه لأجل خلاص الشّعب الإسرائيليّ في اليوم الخمسين بعد تقدمة ذبيحة الخروف قد أعطي النّاموس على جبل سيناء، هكذا بعد آلام الرّبّ الخلاصيّة قد انسكب الرّوح القدس على التّلاميذ الأطهار وعلى الشّعب المؤمن في اليوم الخمسين من قيامته حتّى يعلم الشّعب أنَّ النّاموس القديم كان مُعِدًّا للإنجيل وأنَّ النّاموس الجديد قد تأيّد وتثبّت بواسطة الرّوح القدس الذي ثبّت القديم أيضًا.
صلوات السّجدة:
كانت العادة قديمًا في عهد الرّسل أن يقرأ المصلّون صلوات السّجدة وهم وقوف ويقال إنَّ السّبب في اتّخاذ السّجود عند قراءتها كما هو متبع الآن، يرجع إلى ما حدث مرَّة من أنّه بينما كان القدّيس البطريرك مكاريوس الأنطاكيّ يتلو الأفاشين إذ هبّت ريح عاتية كما حدث في علّيّة صهيون يوم عيد الخمسين فخرَّ المصلّون ساجدين. فهبّت الرّيح ثانية فسجدوا فهبطت الرّيح ثم قاموا ليكملوا الصّلاة وقوفاً فهبّت الرّيح الثّالثة فسجدوا فسكنت ثم عادوا للوقوف فعادت فسجدوا فهدأت. فعلموا أنّ مشيئة اللّه تريد أن تؤدّى هذه الصّلوات في حالة سجود وخشوع.
ومن ذلك الحين أخذت الكنيسة هذه العادة إلى يومنا هذا.. ولا يخفى أنّ هذه الأمور ظاهرة في الكتاب المقدَّس إذ كان كلَّما حلّ اللّه في مكان تهبُّ الرّيح العاصفة. وقد حدث ذلك مرّات عديدة، والسّجود ملازم لصلوات استدعاء الرّوح القدس في الكنيسة. على هذا الأساس تستقبل الكنيسة فعل الرّوح القدس وهي ساجدة.
وفي صلوات السّجدة تطلب الكنيسة راحة ونياحًا لأنفس الرّاقدين رافعة صلوات مزدوجة لأنّها لا تغفل في عيدها هذا أن تصلِّي صلوات متواترة على أرواح المنتقلين كنوع من الشّركة المتّصلة وتبادل الشفاعة، لأنّها ترى في ذلك كمال التّعبير عن وحدة جسد الكنيسة والشّركة الكنسيّة بين الأحياء والمنتقلين الذين تجمعهم الكأس المشتركة الواحدة، إذ نحن وهم نقدّم السّجود لله أيّ العبادة .
لقد كنَّا على مدى عشرة أيّام من عيد الصّعود إلى العنصرة نصلِّي للامتلاء من الرّوح القدس. لماذا ؟ وماذا نفعل في صلاة السّجدة بعد أن امتلأنا من الرّوح؟ نصلِّي لمزيد من الامتلاء، فالامتلاء لا حدود له (أعمال الرّسل 2: 4 و4: 31). المملوء من الرّوح يقدِّم عبادة بالرّوح أيّ يقوده الرّوح في عبادته (رومية1: 9).
الرّوح القدس لا ينزل أو يحلّ إلّا على الأشخاص التّائبين والذين حصلوا على مغفرة لخطاياهم. لأجل هذا حلّ الرّوح على التّلاميذ بعد صلاة وخشوع وتأمّل مدّة 10 أيام بلياليها في علّيّة صهيون وكانت هذه مغفرة لخطاياهم.
في الإفشين الثّالث يقول: “… فاستنرنا بنور الرّوح.. وامنح أفكاري روح حكمتك.. واهبًا جهلي روح فهمك.. وظلّل أعمالي بروح مخافتك وروحًا مستيقمًا.. هذه إشارات إلى استدعاء الرّوح لينزل علينا أو الطّلب إليه أن يغفر لنا خطايانا ليحلّ علينا الرّوح. مثلما جاء في الإفشين الثّاني… هكذا أتضرع أنا الخاطئ إلى صلاحك في حلول روحك القدّوس أن تهبني الخلاص.
إنَّ عقيدة الثّالوث لها أهميّة خاصّة بين جميع العقائد المسيحيّة وتعاليم الكنيسة المقدَّسة. فبالإضافة إلى التّعليم عن طبيعتي المسيح، تشكّل هذه العقيدة أساسًا لتعاليم الكنيسة. لهذا كافح الآباء ومعلّمو الكنيسة أثناسيوس الكبير، باسيليوس الكبير، وغريغوريوس اللّاهوتي، ويوحنّا الدّمشقيّ، ويوحنّا ذهبيّ الفم، وغيرهم في تثبيت الإيمان الحقيقيّ القويم، في ما يتعلّق بالثّالوث القدّوس. لهذا لا عجب إن وجدنا في صلواتنا لعيد العنصرة صلوات وتراتيل تبيّن بكلمات موجزة خلاصة عقيدة الكنيسة الأرثوذكسيّة بالثّالوث القدّوس.”



