الأب محفوض: الفصح المسيحيّ وارتباطه بالفصح اليهوديّ
"بعد أن وعد اللّه الإنسان بالمخلّص، دغدغ هذا الوعدُ قلبَ الإنسان وعَمَّره بالرّجاء، وإزاء هذا الوعد راح اللّه يكلّم الإنسان "بالرّموز تارة وطورًا بالأنبياء الذين كانوا يُلَوِّحّون بالخلاص ويبشّرون به وبالمخلّص العتيد". فأخذت هذه الرّموز تسير من واضح إلى أوضح. ففي ظهور ملكي صادق الخبز والخمر علامة واضحة لفصح المسيح وديمومته. تحت شكلي الخبز والخمر بالقدّاس الإلهيّ الذي هو تجديد ذبيحة الصّليب، بنوع غير دمويّ، يتحوّل الخبز والخمر، حقيقة، لا رمزًا ولا إيماءة، ولا ذكرى عارية وخالية من كلّ معنى، إلى جسد المسيح ودمه: "فأخرج ملكي صادق خبزًا وخمرًا لأنّه كان كاهنًا للّه العليّ".
وفي ذبيحة إبراهيم، إذ بأمر اللّه أراد ان يقدّم ابنه، ولم يشفق على ابنه وحيده، فافتداه اللّه بكبش، رأى آباء الكنيسة في ذلك صورة حيّة عنّا نحن البشر إذ كان الشّيطان يريد تقدمتنا ذبيحة له، على مذبح شروره ويستعبدنا ويجعلنا له عبيدًا بما يوسوسه لنا من وساوس… وكذلك رأى الآباء في ذبيحة إبراهيم صورة حيّة لآلام الابن الوحيد، وتضحية الآب السّماويّ به "إنّ اللّه لم يشفق على ابنه بل أسلمه إلى الموت من أجلنا جميعًا". ولفرط حبّ اللّه لنا "جاد بابنه الوحيد لخلاصنا".سارت رموز فصح المسيح، في سيرة البشريّة تتوضّح أكثر فأكثر كلّما تقدّمت السّنون، فإذ "ببَيع يوسف بعشرين من الفضّة"، رمز واضح، ومقدمة لنبوءة زكريّا "فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضَّة فألقيتها في بيت الرّبّ إلى الخزّاف (السّبّاك)"، فدلّت هذه الآية وبَيع يوسف حرفيًّا على بيع يسوع. وفي هذه المراحل كلِّها كان الشّيطان يتملّكُنا، من جهةٍ، واللّهُ يرينا بالرّموز مخططَ الخلاص…
والفصح اليهوديّ قد يكِّون للفصح المسيحيّ تمهيدًا حيًّا، ويشير إليه إشارة حسيّة، فبذبح الحمل دلالة على ذبح "حمل اللّه". ويتابع يوحنّا تسمية يسوع بـ"الحمل" في ما كتب وخاصّة في الرّؤيا، وأشعيا يدعوه أيضًا "الحمل الذي سيق إلى الذّبح".
لم يشذّ يسوع المسيح عن قاعدة القيام بفروض الفصح اليهوديّ، ولكنّه حوّله من رمز فارغ جامد إلى حقيقة حيّة. فنراه يأمر اثنين من تلاميذه بإعداد ما يلزم للفصح وإعداد غرفة ليقيم فيها الفصح اليهوديّ، إذ إنّه "وُلِدَ من امرأة تحت النّاموس ليخلّص الذين هم تحت النّاموس"، ويحوّله من عهد قديم كان رمزًا، إلى حقيقة ملموسة وعهد جديد لا يعتق ولا يبلى. ومتّى يصف لنا ذهاب يسوع إلى أورشليم من بيت فاجي باحتفال، لأنّ اليهود كانوا يأخذون حملان الفصح من بيت فاجي في العاشر من نيسان القمريّ باحتفال لتُذبَح في أورشليم في الرّابع عشر منه، ويسوع سيُصْلب ذبيحة فداءٍ عنّا في أورشليم.
الفصح اليهوديّ يدلّ على خلاص من عبوديّة ومن أَسر مادِّيَّيْن، يقيمه اليهود ذكرى لخلاصهم من الأَسر والعبوديّة، وكانوا يجدّدونه كلّما وقعوا في أَسر أو نكبة وخلّصهم اللّه منها. وبعد السّبي أصبح عيد الفصح عيدًا أساسيًّا، وإهماله يعرّض اليهود للحرم والفَصْل. وكان اليهود يأكلون في عشاء الفصح، "أعشابًا مرّة" دلالة على مرارة العيش في الأَسر والعبوديّة، وانتقالهم منها إلى "الخبز الفطير"، دلالة على تجديد الحياة والطّهارة."
