الأب محفوض: القدّيس غريغوريوس بالاماس... إنتصار الأرثوذكسيّة الثّاني
"اليوم الأحد الثّاني من الصّوم الكبير هو امتداد لأحد الأرثوذكسيّة. في هذا الأحد، نحتفل بالانتصار على نوع آخر من البدعة، بدعة تُشكّك في خلاصنا على مستوى آخر، في كيفيّة تلقّينا له وقبوله. كان القدّيس غريغوريوس بالاماس، رئيس أساقفة سالونيك، أبرز المدافعين عن الكنيسة في محاربة هذه البدعة.
فقد تحدث عن اتّحاد المخلوق وغير المخلوق، وأنكر الميتافيزيقا، وشدّد على قضايا أنثروبولوجيّة جوهريّة، كالعلاقة بين الرّوح والجسد، والتّمييز بين العقل واللّوغوس، والصّلة بين الأسرار والزّهد، وتجنّب اللّاأدرية ووحدة الوجود، واستبدل السّعادة بالزّهد الأرثوذكسيّ. كما اشتهرت تعاليمه الاجتماعيّة. إن تعاليم القدّيس غريغوريوس بالاماس ذات أهمّيّة بالغة وتستحقّ المزيد من الدّراسة والاهتمام.
أبرز ما جاء في كتاباته اللّاهوتيّة هو كالتّالي:
أوّلاً، طاقات الله غير مخلوقة، وكذلك جوهره. لا يستطيع الإنسان المخلوق أن يشارك في جوهر الله، لكنّه يستطيع أن يشارك في طاقاته، أيّ أنّنا نستطيع أن نعرف الله ونرى نوره غير المخلوق.
ثانيًا، اللّاهوت الأرثوذكسيّ ليس فكريًّا، بل تجريبيًّا، ولا يمكن اكتسابه بالدّراسة وحدها. صحيح أنّ الكتب تُعين، لكنّ المعرفة الحقيقيّة باللّه وجوديّة. يكشف الله عن نفسه كنور للمطهّرين، و"بواسطة الرّوح القدس يعرفون الله ويستطيعون التّحدّث عنه". يتحدّث الفلاسفة تأمليًّا بالعقل والخيال، ولذلك لا يمكن أن يكونوا أعلى من الأنبياء الذين يرون الله ويتحدّثون عنه بالرّوح القدس.
ثالثًا، يصل الإنسان إلى التّألّه، أيّ رؤية الله، بعد أن يُطهّر قلبه من الأهواء ويُنير عقله. يُطلق على أسلوب الحياة الذي يُحقق التّطهير والاستنارة اسم السّكينة (الهدوئيّة). "لا يعني مصطلح السّكينة مجرّد العيش في مكان هادئ. فقد يعيش المرء في أهدأ الأماكن ولا يجد السّكينة، لأنّ الأهواء تثور في داخله وتُسيطر عليه الصّور الذّهنيّة. الهدوء هو في الأساس حالة داخليّة، ويُطلق عليه الآباء القدّيسون علم الأفكار المصحوبة بالصّور الذّهنيّة. الحياة الهادئة هي في الواقع الحياة الإنجيليّة، وبإرشاد أب روحيّ مُتبصّر، يُمكن للجميع أن يختبروها. "لا يُمكن اكتساب معرفة الله والارتقاء إلى مرتبة اللّاهوتيّ الأرثوذكسيّ إلّا من خلال السّكينة. هذا هو الفرق بين اللّاهوت الأرثوذكسيّ واللّاهوت المدرسيّ".
الهدوء الرّوحيّ هو جوهر التّقاليد الأرثوذكسيّة، وهو ما يُمثّل جوهر الأرثوذكسيّة. فخارج نطاق هذا التّقليد، لا وجود للأرثوذكسيّة ولا يُمكن تصوّرها. علاوة على ذلك، تُعدّ ممارسة الهدوء الرّوحيّ معيارًا أساسيًّا للتّعرّف على المسيحيّة الحقيقيّة. فمن خلال الصّيام والسّهر والصّلاة - أيّ بممارسة الهدوء الرّوحيّ - تُكتسب المواهب السّماويّة، وفقًا للتّقاليد الآبائيّة الأرثوذكسيّة. ويجب التّأكيد منذ البداية على أنّ الهدوء الرّوحيّ يعني أساسًا الطّريق إلى التّألّه وتجربة التّألّه، وثانيًا دراسة هذا الطّريق وهذه التّجربة وتوثيقها، وهو المعنى الأكاديميّ لمصطلح "اللّاهوت".
إنّ الهدوء الرّوحيّ هو أساس القرارات العقائديّة اللّاهوتيّة للمجامع المسكونيّة، فهو رحلة في الرّوح القدس على طريق "التّطهير والاستنارة والتّألّه"، وليس عمليّة فكريّة تأمّليّة علميّة. ولهذا السّبب، فإنّ معرفة الله كإله مُتاحة للجميع، متعلّمين وغير متعلّمين، حكماء وغير حكماء، وليس حكرًا على الفلاسفة كما زعم بارلعام الكالابريّ (1290-1359) في القرن الرّابع عشر. وقد دحضه القدّيس غريغوريوس بالاماس (1296-1359) بشكل أساسيّ، بصفته الممثّل الرّئيسيّ والمدافع عن تقليد الهدوء الرّوحيّ، وأعظم لاهوتيّ أرثوذكسيّ في عصره، وأحد آباء الكنيسة الأرثوذكسيّة العظام.
سعى بالاماس في المقام الأوّل إلى الحفاظ، ضمن إطار اللّاهوت الآبائيّ (مثل باسيليوس الكبير)، على تعليم التّمييز بين الجوهر والطّاقات في الله والنّعمة الإلهيّة غير المخلوقة (طاقات الله المثلّث الأقانيم). ووفقًا لتعاليمه، فإن لله جوهرًا وطاقة. فالمُنشِّط هو الشّخص، والطّاقة هي الحركة الجوهريّة للطّبيعة الإلهيّة. ويصف بالاماس هذا التّمييز بأنّه "إلهيّ وسرّيّ"، وهو شرط أساسيّ لتألّه البشريّة. فإذا لم تكن النّعمة التي تشعّ من الله إلى العالم (الخليقة) غير مخلوقة، فلا سبيل لتألّهنا (خلاصنا) وتقديس الخليقة.
إنّ التّعليم الأرثوذكسيّ حول النّعمة غير المخلوقة يُلهم التّفاؤل. فالمؤمن الأرثوذكسيّ يعلم أنّ الله يتواصل مع العالم بنقل حياته إليه. والعلاقة بين الله والعالم في الأرثوذكسيّة علاقة وجوديّة، مباشرة، حيويّة، وليست غير مباشرة أو أخلاقيّة. في الأرثوذكسيّة، يتحوّل العالم إلى "خليقة جديدة" (كورنثوس الثّانية 5: 47)، مهما كان معنى هذه العبارة. كما أنّ التّواصل بين الله والعالم حدث كنسيّ، يتجلّى في المشاركة في سرّ الكنيسة.
يؤكّد القدّيس غريغوريوس بالاماس جوهر اللّاهوت الأرثوذكسيّ وطابعه. فاللّاهوت والتّفكير اللّاهوتيّ ليسا ثمرة انشغال فكريّ أو تقوى بالذّات الإلهيّة، بل هما شهادة على تغيير يحدث من خلال الرّوح القدس لأولئك الذين "يتألّمون مع الذّات الإلهيّة".
إنّ الحديث عن الله يفترض معرفة الله، وفقًا للقدّيس غريغوريوس اللّاهوتيّ، وهو ما يتبعه ويؤكّده القدّيس غريغوريوس بالاماس يُعرف الله من خلال حدود رؤية الله والتّألّه.
اللّاهوتيّ هو من يتواصل مع الله، أيّ القديس. اللّاهوتي الأرثوذكسيّ، قبل أن يختبر التّألّه، يبني تفكيره اللّاهوتيّ على أساس تجارب القدّيسين الممجّدين وليس على أساس بحث فرديّ ميتافيزيقيّ متأمّل. حرفيًّا، اللّاهوتيّ هو "نبيّ"، من خلال تجربة رؤية الله، في كلّ من العهد القديم والعهد الجديد، "فم الله للعالم"، الذي "يتكلّم أمام الله في المسيح" (2 كورنثوس 2: 17).
نعمة الرّوح القدس توحّدنا، جاعلةً منّا شخصًا واحدًا. وبالفعل، عندما يشعر المرء بهبة الله ويتلقّاها، فإنّه يصبح في داخله واحدًا موحّدًا. هذا ما يؤكّده الهدوء الرّوحيّ. إنّ الغاية، أو الكمال، هي تجلّي نعمة الله: أن يشعر بها المرء بكلّ كيانه، بل ويتذوّقها ويرى أيضًا. قال الهدوئيّون إنّهم رأوا النّور نفسه الذي رآه الرّسل على جبل طابور؛ وقالوا إنّ هذا النّور إلهيّ؛ إنّه طاقة إلهيّة، يمكن تمييزها، ولكن لا يمكن فصلها عن الألوهيّة. لذلك، عندما تحلّ النّعمة الإلهيّة، يأتي الله - لكنّه حاضر في طاقته، لا في جوهره.
رفض بارلام، كفيلسوفٍ يتبع أرسطو، هذا الرّأي، قائلاً إنّ هذه التّصنيفات لا يمكن تمييزها في الله، لأنّ جوهر الله بسيط وخالٍ من التّعقيد، وهذا يُدخل التّعقيد. ردّ بالاماس بذكاءٍ شديد: هل يُعقل أن يكون جوهر الله وأقانيمه واحدًا؟ نحن نؤمن بثلاثة أقانيم وجوهر واحد.
هل يُقسّم هذا الله في الواقع؟ هل يجعل هذا الله مُعقّدًا؟ كلا، يبقى الله بسيطًا. وبالتّالي، إذا اعترفنا بأنّ الله ثلاثيّ الأقانيم وقدير أيّ إذا كان له القدرة والطّاقة والقوّة، فإنّنا بذلك لا نخلق أيّ تعقيد فيه. على هذا النّحو، تحدّث بالاماس بلغة الاعتراف اللّاهوتيّ، لا الفلسفيّ. الإيمان يُضفي معنىً على الكلمات.
نصل إلى النّقطة الأهمّ. ما هو الخلاص؟ إنّه الاتّحاد باللّه اتّحادًا وثيقًا وحميمًا، كما اتّحد المسيح مع نسل إبراهيم اتّحادًا وثيقًا: نبلغ أقصى درجات المشاركة عندما نتناول القربان المقدّس.
وهكذا نتّحد مع الله. ولكن أيّ نوع من الاتّحاد هذا؟ هل هو اتّحاد جوهريّ؟ لو كان كذلك، لَخَفَينا؛ لكان ذلك وحدة وجوديّة، ولانتهينا. الله عظيم في جوهره. سيكون الأمر كما لو أنّنا ألقينا فتات خبز صغير في النّار أو قطرة ماء في المحيط. ماذا سيحدث لهما هناك؟ لذلك، ليس هذا اتّحادًا جوهريًّا.
الاتّحاد الأقنوميّ في طبيعتنا لا يحدث إلّا في شخص المسيح. نحن نتّحد فقط مع طاقة الله، بفضل الاتّحاد الأقنوميّ للمسيح: لقد جاء إلينا وأصبح الوسيط، وكلمة "وسيط" أيضًا "مُوَسِّطًا" بين شخصين. لكنّ الآباء يقولون إنّه كما لو أنّ شخصًا ثالثًا أخذ شخصين ووحّدهما به، فارتبطا، وأصبحا واحدًا. هكذا وحّد المسيح، كوسيط، الله والإنسان في واحد.
إنّ حقيقة الخلاص هي التّألّه والاتّحاد باللّه. إنّها حقيقة واقعة، وليست فكريّة أو عاطفيّة أو مجرّد مشاعر. يتحلّى بالاماس بالشّجاعة ليقول إنّه عندما يتّحد الإنسان مع الله من خلال التّألّه، فإنّه لا يختفي، بل يتمجّد؛ إذ يملأه الرّبّ بنعمته ويجدد علاقته به. عندما قال برلعام إنّ جهاد الإنسان الزّهديّ ينبغي أن يكون من أجل اكتساب الزّهد، (انعدام العاطفة)، وإنّه يحتاج إلى قتل كلّ رغباته ليصبح هادئًا وموضوعيًّا، أجابه بالاماس: "لكن هذا أشبه بجثّة هامدة!".
إنّ التّمييز بين جوهر الله وطاقاته يشمل كلّ ما يستطيع الله أن يمنحه وما لا يستطيع. جوهر الله غير مدرك وغير معروف للخلق، بما في ذلك البشر. ومع ذلك، يمكن للمرء أن يقيم علاقة وتواصلًا مع الله من خلال طاقاته غير المخلوقة، ونعمته التي يمنحها بسخاء.
في علاقة التّقديس والتّواصل، يكون القلب، لا العقل، هو السّبيل أمام أيّ شخص لنيل التّجربة الإلهيّة للنّور غير المخلوق. ويقدّم لنا القدّيس غريغوريوس بالاماس مثال الشّمس.
بالنّسبة للبلاماس، يُعرف الله كما تُعرف الشّمس. فنحن نرى ضوء الشّمس ونشعر بحرارتها. ورغم أنّنا قد لا نستطيع الوقوف على سطح الشّمس بدون أن نذوب، أو أن نتّحد بجوهرها بدون أن نتلاشى، إلّا أنّنا نستطيع مع ذلك أن نختبر طاقتها. وهكذا، أشرق وجه النّبيّ موسى على جبل سيناء.
لكن ربّما يتساءل المرء ما هي الفائدة التي تعود علينا اليوم من تعاليم قدّيس، وهو من الرّهبان الهيسيخاستيّين، تركّز على الصلاة العقليّة المعروفة باسم "صلاة القلب"، وهي ممارسة قديمة للرّهبان والنّاس في القرن الرّابع عشر؟
لماذا يُعدّ التّمييز بين جوهر الله وطاقاته عنصرًا أساسيًّا في روحانيّتنا الأرثوذكسيّة وعلاقتنا الشّخصيّة باللّه؟ كثير منّا ليسوا رهبانًا ولا زاهدين.
إنّ تعلّم أسلوب الصّلاة الزّهديّة للآباء القدّيسين يمنحنا فرصة تذوّق نور الله غير المخلوق، كما يمنحنا الخيرات الرّوحيّة اللّازمة للمشاركة في هذه التّجربة.
لذا، فإنّ أساس الهدوئيّة ليس مجرّد انعكاس. كما أنّه ليس كشفًا داخليًّا فائق المعرفة للعقل، وهو ما يمثّل تجربة الهدوئيّة. نشعر أنّ هذه التّعاليم العميقة للقدّيس غريغوريوس بالاماس تلامس حدود الحضور الإلهيّ، انطلاقًا من القدرات المعرفيّة، في أعماق قلوبنا، حيث تعمل الصّلاة من أجل الاتّحاد مع الله.
الصّلاة الهدوئيّة، التي ورثناها عن القدّيس غريغوريوس بالاماس ككنز روحيّ، ليست حكرًا على سكّان الأديرة والصّحاري، بل هي أيضًا لجميع المؤمنين. هذه الصّلاة تُقرّب العقل من القلب. فالقلب، في التّقاليد الزّهديّة والهدوئيّة، هو مركز الأخلاق والرّوحانيّة، وعرش نعمة الله وموضعها.
هناك يلتقي الإنسان باللّه، ويلتقي الله بالإنسان. في هذا اللّقاء، ستظهر الأفكار الدّنيئة والشّهوات الآثمة، محاولةً تلويث قلوبنا وقطع صلتنا بالنّور الأزليّ. ولهذا السّبب نحتاج إلى الصّمت، فهو وسيلة خاصّة تحمينا من ويلات الشّيطان ورغباتنا.
إنطلاقًا من الشّرط الأساسيّ المتمثّل في التّمييز بين الجوهر والطّاقات، فإنّ الصّلاة الرّوحيّة هي النّور في روحنا. إنّها سلسلة تربط الإنسان باللّه. في الأحد الثّاني من الصّوم الكبير، يذكّرنا بالاماس بأنّ الله نور، لا ظلمة فيه.
لذا تساعدنا صلاتنا الرّوحيّة على تذوّق هذه الحالة الإلهيّة وتجربتها، لأنّه بخلاف ذلك سيظل الله والنّور غير المخلوق مجهولين وغير مرئيّين ولن يمسّا حياتنا اليوميّة. هذا النّور وهذه التّجربة تُمنح لنا من الكنيسة من خلال أسرارها، والصّلاة الرّوحيّة تساعدنا على أن نصبح أوعيةً لنعمة الله.
لذلك أكَّد القدّيس غريغوريوس أنَّ طاقة الله، نعمته التي بها نُخلَّص، ليست مخلوقة. بعبارة أخرى، لا يُخلِّصنا الله بوسائلَ مخلوقةٍ تُوضع بيننا وبينه، بل يأتي إلينا مباشرةً في اتّصالٍ شخصيٍّ واتّحادٍ شخصيٍّ. وبالمثل، علينا أن نتقرّب إلى الله مباشرةً وبشكل شخصيّ. ولهذا السّبب، فإنّ الصّلاة، التي كانت محور خلافه مع برلعام، الذي فنّده القدّيس غريغوريوس هذا الهرطوقيّ وأكّد عقيدة الأصل الإلهيّ لنور جبل التّجلّي، وليست مجرّد ذكر لله أو توجّه العقل البشريّ نحوه، كما ادّعى برلعام، بل هي اتّحاد شخصيّ وتواصل معه، يتوجّ بالتّناول المقدّس. إنّ مصدر وقوّة التّألّه البشريّ ليس الجوهر الإلهيّ بل "نعمة الله الإلهيّة".
يُعدّ القدّيس غريغوريوس بالاماس نموذجًا للّاهوتيّ المناضل في سبيل الإيمان الخلاصيّ، ومثالًا للرّجل الكنسيّ واللّاهوتيّ الذي يُحاور الهراطقة وغير الأرثوذكس. تكمن عظمته وقيمته في أنّه لم يُساوم قطّ على التّقاليد الكنسيّة الأصيلة، بل اعتبرها أساسًا راسخًا ونقطة انطلاق لمواجهة الهرطقة."
