دينيّة
15 آذار 2026, 14:00

الأب محفوض: عشق الصّليب المحيي

تيلي لوميار/ نورسات
لماذا تكرّم الكنيسة الأرثوذكسيّة في الأحد الثّالث من الصّوم الكبير الصّليب المقدّس؟ وكيف تحوّل الصّليب من "أداة تعذيب" إلى "موضع الحبّ الإلهيّ للبشريّة جمعاء" وشعار للمسيحيّة؟ الجواب في مقال جديد لخادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض. وفيه يشرح:

"نحن اليوم في الأحد الثّالث من الصّوم الكبير منتصف الصّوم، وكنيستنا تضع أمامنا رمزنا الأساسيّ، شعارنا المسيحيّ، الصّليب المقدّس والمشرف والمانح للحياة. بالنّسبة لنا نحن المسيحيّين الأرثوذكس، يمثّل صليب المسيح العلم، والرّاية، والشّارة، والصّولجان، وعصا السّلطة. لغة الصّليب هي الصّمت والألم والحرمان والإقصاء والإذلال والعارّ؛ إنّها تأتي لمحو وإزالة أيّ عنصر من عناصر الغطرسة والثّرثرة والمجد والتّباهي.

فلماذا الصّليب المقدّس مكرّم فوق العادة في كنيستنا الأرثوذكسيّة. نسأل "ألم يكن الصّليب أداة التّعذيب التي عذّب بها ومات عليها المسيح، فلماذا نؤمن نحن بالصّليب ونتّخذه علامة وشعارًا لحياتنا؟. هل من المعقول أن يكرّم الإنسان أو يخلّد إنسان الأداة التي قتل عليها أعزّ عزيز لديه؟".

بل أليس من الغريب أيضًا أنّ الرّسول بولس يدعو الصّليب قوّة الله، فكيف يكون الصّليب قوة الله، بينما في الحقيقة هو الأداة التي مات عليها المسيح؟ .

حقًّا لقد عرف التّاريخ الصّليب كأداة تعذيب وإعدام حيث كان الصّليب عند الشّعوب القديمة يعني الموت. وإنّ الإنسان المصلوب عليه لا بدّ وأنّه قد أذنب ذنبًا لا يستحقّ لأجله الحياة، ولا مفرّ من إعدامه، وكان المصلوب قديمًا ملعونًا من الله والبشر. قد ورد في الكتاب المقدّس أنّ الذي يعلّق على الصّليب هو ملعون من الله (تثنية الاشتراع 21- 23).

لقد واجهت الكنيسة منذ البدء هذه المشكلة. فالقدّيس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس يقول: "فإنّ كلمة الصّليب عند الهالكين جهالة وأمّا عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله (1-32). أمّا بالنّسبة إلى الإنجيليّ يوحنّا، فالصّليب لم يعد عنده مجرّد ألم ومذلّة بل أصبح رمزًا لمجد الله.

المسيح يصف صعوده على الصليب بأنّه ارتفاع ومجد وانتصار على الخطيئة والموت، وبالصّليب يرفع البشريّة إلى أبيه "وأمّا يسوع فأجابهما قائلًا "قد أتت السّاعة ليتمجّد ابن الإنسان. الحقّ الحقّ أقول لكم إن لم تقع حبّة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير وأنا وإن ارتفعت عن الأرض أجذب إليّ الجميع". قال هذا مشيرًا إلى أيّة ميتة كان مزمعًا أن يموت." (يو 12/ 23 – 33). 

لذلك فكنيستنا الأرثوذكسيّة تهتمّ بالصّليب اهتمامًا عظيمًا، فالصّليب هو موضع الحبّ الإلهيّ للبشريّة جمعاء، لأنّ الله أظهر ذروة محبّته للنّاس فبذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة (يوحنّا 3/ 16) .

المسيح مات لأجل خطايانا حتّى أنّ الرّسول بولس في بشارته لم يرد أن يعرف شيئًا إلّا يسوع المسيح وإيّاه مصلوبًا (1كو 2/ 2).

إنّ إكرامالكنيسة للصّليب ليس فقط لأنّ "جسد المسيح قدّس خشبة الصّليب" حسب تعبير القدّيس يوحنّا الدّمشقيّ، بل لأنّه بموت المسيح على الصّليب بدأت عملية الخلاص والقيامة وأصبح الصّليب رمزًا للخلاص. وقد عبّرت الكنيسة عن أهميّة الصّليب في حياتها وحياة كلّ المؤمنين. فالصّليب أصبح نبع الحياة الأبديّة ومجد الشّهداء.

إذًا فما الذي كان يقصده بولس الرّسول بقوله: "فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ"؛ هل كان يقصد الصّليب الخشب؟ أم كـان يقصد المسيح المصلوب؟ وما هو القصـد بقوله: إنّ كلمة الصّليب... قوة الله؟!"

من الواضح والطّبيعي أنّ الرّسول بولس لم يكن يقصد خشبة الصّليب، لكنّ قصده الأساسيّ بقوله كلمة الّصليب: "شخص المصلوب ذاته"، "رسالة الصّليب"، إنّه شخص المسيح المصلوب الذي عُلّق على خشبة، وآمن به تلاميذه، ونادوا بأنّه هو المسيح المنتظر، الذي جاء ليخلّص البشريّة من خطيئتها ويفتح طريقًا للخاطئ ليعود لله، كانت هذه الرّسالة هي العثرة أمام أفكار اليهود، وأذهان وعلم وحكمة اليونانيّين.

كما أنّ كلمة "قوّة" تأتي في اللّغة اليونانيّة من الأصل "ديناموس" والتي تأتي منها كلمة "دينامو" Dynamo. ومن المعروف أنّ الدّينامو هو مولّد الطّاقة، والصّليب بهذا المعنى هو مصدر ومولّد الطّاقة لحياتنا المسيحيّة. كذلك كلمـة "ديناموس" اليونانيّة والتي تُترجم قـوّة، تأتي منها الكلمة Dynamite "ديناميت"؛ وجميعنا يعرف ما للدّيناميت من قوّة. وهنا يستخدم الرّسول بولس لكلمة قوّة الله، ذات الكلمة اليونانيّة "ديناموس"، فيقول: "فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ"، فالصّليب قوّة للتّفجير والخلاص من الخطيئة وأثارها وفي ذات الوقت مولّد للطّاقة وحافز للاستمرار والنّموّ في الحياة المسيحيّة.

لذلك يا أحبّائي، إذا تأمّلنا الصّليب اليوم فحنن نتأمّله كقوّة محوّلة ومغيّرة، حوّلت الموت إلى حياة "وطئ الموت بالموت"، حوّل اللّعنة إلى بركة أبديّة، قوّة الصّليب حوّلت العدواة إلى محبّة والظّلام إلى نور. فكلّ نور يرى بالعين، أيّها الأحبّاء، يمكن أن ينطفئ، أمّا نور الله فإذا أشرق في القلوب فلا قوّة في العالم يمكن تطفئه.

فإن كان الصّليب من الخارج هوانًا ولعنة، فهو من الدّاخل مجد وبركة. وهذا هو ما يعبّر عنه في حياتنا التي نحياها في المسيح والتي يطالبنا بها الإنجيل كلّ يوم "من لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا" (لوقا 14/ 27). فالصّليب الذي نحمله كلّ يوم على اكتافنا كنير ثقيل هو في حقيقته هو الذي يحملنا ونحن ثقلاء عليه.

لذلك نحن ننظر إلى الصّليب اليوم كممارسة وحياة وعيش. ونقول إنّ كل من لم يعش صليب المسيح فهو لم ينتقل او يتحرّك داخليًّا ليذوق معنى العبور من حياة حسب الجسد لحياة حسب الرّوح.

الصّليب هو طريق أو آلة لفصح التي تحمل الإنسان من الموت إلى الحياة. من لا يختبر الصّليب فهو لا يعرف كيف تتحوّل العداوة إلى محبّة، والحزن إلى فرح، وأيضًا فهو لم يذق بعد حلاوة المسيح ولا استمتع بعمق المسيحيّة.

أمّا من ارتضى واختبر صليب المسيح كنير يعيشه كلّ يوم، فهذا يعرف كيف تتحوّل الظّلمة إلى نور، والحزن إلى الفرح والعداوة إلى الحبّ، والضّيق إلى المسرّة والسّلام .

فحينما يقول المسيح "أحبوا أعداءكم"، يقولها على أساس أنّك تحمل صليبه وتتقبّل في نفسك موت الصّليب بالإرادة .

لماذا أصبحت المحبّة ضعيفة في أوساطنا أو لماذا صارت الكنيسة غير قادرة على جمع المتفرّقين إلى واحد، وغير قادرة أن تظهر كقوّة وكحياة أبديّة باعتبارها ملكوت الله على الأرض؟

الجواب هو: عدم قدرة المسيحيّين على حمل الصّليب، ليس الصّليب المرصّع بل صليب الهوان والذّلّ والتّواضع والانسحاق وانكار الذّات ومحبّة الأعداء.

إنّ ضعف أبناء الكنيسة والكنيسة نابع عن غياب القناعة بحمل صليب المسيح ليس في اليد، ولكن في القلب باستعداد الموت. لذلك، أكبر خطيئة ستحطّم العالم هي أن ينزع من الكنيسة استعدادها لحمل الصّليب كلّ يوم، لأنّ الصّليب دخل لكي يحرّر الإنسان من الخطيئة. فإذا انتزع الصّليب فترعرعت الخطيئة وتقضي علينا. لذلك، لا ينزع الصّليب من قلب الإنسان إلّا العدواة أو غياب المحبّة أو عجرفة الإنسان .

أحبّائي، إذا كنتم اليوم مستعدّون أن تعيّدوا عيدًا حقيقيًّا للصّليب، فعليكم أن تجدّدوا عهد المحبّة بالصّليب، أيّ باستعداد الموت لأجل بعضكم البعض لا من أجل أحبائكم فقط، بل من أجل أعدائكم والعالم كلّه.

فإذا كنتم تريدون أن تعيّدوا للصّليب ليس اليوم فقط، بل كلّ أيّام حياتكم يرضي قلب المسيح المطعون، فعليكم أن تتّخذوا يوم أحد الصليب المقدس يوم الحب والعشق وتؤسسوا عهد الحب على اساس البذل والتضحية  لتحيا نفوسكم والعالم حولكم ، ويكون هذا عيد للحب الذي لا يموت.

هذا هو ما نحتاجه وتحتاجه الكنيسة والعالم كلّه اليوم، أن نعشق وأن نحبّ الصّليب وأن نكون على استعداد أن نموت كلّ يوم على صليب ربّنا يسوع المسيح الذي أخذ في نفسه قوّة أن يغلب الشّرّ بالخير ويقتل العداوة بالحبّ، هذا هو الذي انتقل من الموت إلى الحياة، واستطاع بالتّالي أن يحوّل الموت في الآخرين إلى حياة .

أخيرًا، يقول القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ: "أرأيتم كم هي الخيرات التي قدّمها الصّليب لنا؟ إذًا، يحقّ لنا أن نقيم عيدًا له. ولهذا، أوصانا الرّسول بولس أن نعيّد قائلًا: "فلنعيّد لا بالخمير العتيق... بل بفطير الإخلاص والحقّ" (ا كو 5/ 8). وأيضًا، أوضح بولس الرّسول لنا السّبب بأن نحتفل بالصّليب، إذ قال: "إنّ فصحنا المسيح قد ذبح لأجلنا"(ا كو 5/ 7).

أرأيتم كيف يكون الصّليب عيدًا للمسيح وعرفتم كيف يجب أن تعيّدوا للصّليب؟ لقد ذُبح المسيح على الصّليب، وحيث تكون الذّبيحة هناك التّحرّر من الخطايا، هناك مصالحة، هناك حبّ وعشق، هناك عيد وفرح. إذًا كلّنا يعوزنا اليوم أن نعيّد لصليب المسيح بالرّوح وحقًّا. آمين" .