الأب محفوض: "قد قام ليس هو ههنا "
"ما زال خطر اليهوديّة العالميّة على المسيحيّة والمسيح ابن هذا الشّرق المقدَّس قائمًا، فإنّ حربها المعلنة غير الظّاهرة والمستترةَ بأشكال وأفكار عدّة خطيرة، ومنها أخيرًا تصوُّرات وسيناريوهات هوليوهوديّات (هوليوود– يهود) بأنَّ المسيح لم يقم من بين الأموات، وذلك بأنَّ القيامةَ ليست سوى عملٍ تلفيقيّ قام به أتباع المسيح أو هلوسات امرأة متيَّمة بيسوع.
أليس هذا هو الإرهاب الحقيقيّ الذي يتحتّم علينا مكافحتهُ ومواجهته، لأنَّ هذا الإرهاب يدخل ويضرب أُسسَ الإيمانِ المسيحيّ، وبخاصّة أنّه يعمل على نَسْفِ شخصيّة المسيح وتشويهها وجعل المسيح مجرَّدَ إنسان مثل باقي البشر.
إنَّ المسيح بالنّسبة للمسيحيّين هو محور إيمانهم المسيحيّ كما جاء في سفر الرّؤيا: "الألف والياء" أيّ إنّه بداية كلَّ شيء ونهايته. إنّ المسيح هو قلبُ رؤية العالم المسيحيّة، وتؤكِّد حقيقته التّاريخيّة على أنّه حضور اللّـه التّاريخيُّ المنظور في العالم، وتؤكّد حقيقته الإنسانيّةَ في تبنِّيه وضعنا البشريّ للقيام بمهمّته الخلاصيّة.
لذلك نحن ندرِكُ أهميّة البحث في حقيقة قيامة المسيح ولاسيَّما أنَّ هذا الحدث هو بداية انطلاق الرّسل ومعرفة شخص يسوع المسيح الإلهيّ موضوع بشارتهم. إذًا، قيامة المسيح هي جزء هامّ من الإيمان المسيحيّ. قال بولس الرّسول: "إنَّ المسيح إن لم يقم فإيماننا باطل. قيامة المسيح ليست مجرّد فكرة يسلّم بها المسيحيّون، وليست مجرّد حدث تاريخيّ عاديّ شاهَده الجميع، بل هي تاريخ وإيمان وحياة نعيشها طوال اللّيل والنّهار.
وفيما يلي سوف نناقش بعض براهين قيامة المسيح من الموت:
البراهين الكتابية: وهي البراهين التى تعتمد على نصوص الكتاب المقدّس ومنها:
لقد جاءت نبوءات في العهد القديم تعلن عن قيامة المسيح ومثال لذلك ما جاء في (مزمور10:15). هذا النّصّ يعني أنَّ الآب لن يدع جسدَ المسيح يرى فسادًا، ولن يسمح ببقائه في حالة الموت بل سيقيمه. وقد أكَّد الرّسول بطرس في عظته الأولى لليهود - الذين كانوا يعرفون هذه النّبوّة - أنّ المقصود بها المسيح. وقد تنبَّأ المسيح عن قيامته مؤكِّدًا أنّها سوف تكون الدّليل والبرهان على صحّة أقواله بأنّه المسيّا المنتظر. والشّواهد الآتية تسجّل ما قاله عن قيامته: متّى (12: 38-40)، (16: 21)، (17: 9)، (17: 22 -23)، (20: 18-19)، (26: 32)، (27: 63)؛ ثمّ مرقس (8: 31)، (9: 1)، (9: 10)، (9: 31)، (10: 32-34)، (14: 28 و58.(ولوقا (9: 22)؛ ويوحنّا (2: 18-22)، و(12: 32-34).
شهادة الرّسل والتّلاميذ:
لقد أكّد لنا تلاميذ المسيح ورسلُه حقيقة قيامته من الموت، وأعلن الرّسل ذلك بوحي من الرّوح القدس وكشهود عيان للمسيح المقام. والشّيء الرّائع أنَّهم أعلنوا ذلك في أورشليم، فلو كان إعلانهم غير صحيح لكذَّبهم اليهود المعاصرون لهذه الأحداث، وسوف نسجّل هنا شهادة الرّسول بطرس العظيمة، أحد تلاميذ المسيح. وقد أكَّد الرّسل حقيقة قيامة الرّبّ يسوع بصوت واحد في كلّ مكان، ليس فقط تحت الاضطهاد بل أيضًا في وجه كلّ ضلال يمكن أن يواجه العقل البشريّ. إلّا أنَّ هذا الإيمان الذي قدَّموه بكلّ فرح وغيرة وحماسة جلب عليهم كلّ رفض، وتعاسة، وخداع. فقد وُضع التّلاميذ بين أنياب الموت التّعيس، والذين هربوا من أنيابه أكملوا العمل بغيرة متزايدة وتصميم. لقد فَرضَتْ عليهم الظّروف أن يتأكّدوا من تمسّكهم بكلّ حقيقة إيمانيّة أعلنوها. فكلُّ حقّ قد تكلّموا به كان مستحيلاً أن يتمسّكوا به لو لم يقم المسيح من الموت حقًّا... وقد تأكّدوا مثبتين إيمانهم بكلّ الحقائق.
القبر الفارغ وشهادة الأكفان: بعد موت المسيح على الصّليب جاء يوسف الرّامي إلى بيلاطس وطلب جسد المسيح، وأخذه ولفَّه بكتّان نقيّ وحنوط ووضعه في قبره الجديد. وفي صباح الأحد كان قبر المسيح فارغًا، وقد شهد لحقيقة القبر الفارغ كلّ من مريم المجدليّة، والتّلاميذ، والملائكة، والحرّاس الرّومان. وعندما جاء يوحنّا ونظر القبر الفارغ والأكفان مرتبَّة والجسد قد خرج منها بطريقة معجزة وعندما رأى هذا آمن. إنّ شهادة الأكفان تحطّم كلَّ نظرية تفسِّر عقيدة القبر الفارغ تفسيرًا غير معجز.
الحَجر: يصفُ الإنجيليّ متَّى الحجر أنَّه كان كبيرًا والإنجيليّ مرقس أيضًا يخبرنا أنّ الحجر كان عظيمًا جدًّا. كان القبر منحوتًا في الصّخر، وقد كان من ½4 – 5 قدم في الطّول، والمعتقد أنّ وزن الحجر كان طنّين ويكفي لدفن ثلاثة أشخاص. كان الحجر مدحرجًا بعد القيامة في وضع غير عاديّ. يقول الإنجيليّ متَّى إنّ الحجر دُحرج عن الباب مستخدمًا الكلمة اليونانيّة "كاليو" ومعناها "يدحرج".
يعتبر الإنجيليّ لوقا واحدًا من المؤرّخين الذين يكتبون بدقّة شديدة (وفي لوقا 24). يستخدم الإنجيليّ أيضًا كلمة " كاليو" مع حرف "أبو" الذي يعني "يدحرج" إلى مكان بعيد أو منفصل. وهو يقول: إنَّ الحجر دحرج ليس فقط عن مدخل القبر لكن عن القبر نفسه. أمّا الإنجيليّ يوحنّا فيقول عن الكلمة اليونانيّة ما يعني أنَّ الحجر حُمل ودُحرج بعيدًا.
الحرّاس: لقد أوصى بيلاطس أن يتأكّد حرّاس الرّومان من أن تكون حراسة القبر مشدّدة جدًّا. وقد كان حرّاس الهيكل أو الحارسان الرّومانيّان قاسيّين وعنيدين. وكان حرّاس الهيكل يُضربون وتُحرَق ملابسهم إن ناموا وقت الحراسة وأهملوا حراستهم. في (رؤيا 16: 15) يقول: "طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه".
فالجنديّ الرّومانيّ لم يكن نائمًا. وخوفًا من غضب بيلاطس بسبب قيامة المسيح من الأموات، ذهب الحرّاس إلى رؤساء الكهنة وقدَّموا تقريرًا عمّا حدث. وقد قدَّم رؤساء الكهنة للجنود فضَّة كثيرة وأوصوهم أن يشيعوا القول بأنّ "تلاميذه قد جاءوا ليلاً وسرقوه بينما كنَّا نحن نيامًا. وإذ سمع الوالي هذا سوف نقنعه أنّ هذا قد حدث فعلاً لننقذكم من المشكلة"، فأخذوا الفضّة وفعلوا كما قيل لهم. وهكذا انتشرت هذه الأكذوبة بين اليهود وما زالت قائمة حتّى يومنا هذا.
الختم: كان الختم الذي وُضِعَ على الحجر أكثر أهميّة من الحجر نفسه رغم ثقله، وذلك لأنَّ الختم يحمي القبر من السّارقين. وقد ذهب الفرّيسيّون إلى بيلاطس بعد موت المسيح قائلين له: "إنَّ هذا المضلَّ قال قبل موته إنَّه سيقوم في اليوم الثّالث"، ولذلك سألوه أن يضبط القبر ويضع حرّاسًا عليه. قال لهم بيلاطس "إذهبوا أنتم واضبطوه"، وهكذا وضعوا الختم ثمّ الحرَّاس على القبر.
وقد كان الختم يوضع أمام الحرَّاس الرّومان المسؤولين عن حراسة الختم حتّى يحافظوا على سلامة الختم الرّومانيّ رمز السّلطة والقوّة. وقد عملوا كلّ ما استطاعوا ليحرسوه من اللّصوص ويمنعوه من القيامة. وأثناء حراستهم التي تجاوزت الحدّ، أضافوا شهادة أخرى قويَّة وحقيقةً واضحة وهي أنَّ القبر كان فارغًا لأنَّ المسيح قد قام.
بعد القيامة: بعد إعلان قيامة يسوع من الأموات، رغم كلّ المحاكمات والضّرب ثمّ الموت، قام منتصرًا. إنّ قيامة يسوع من الموت تخلّلت كلّ سفر أعمال الرّسل. ظهر يسوع للرّسل مدّة أربعين يومًا يعلن عن نفسه حيًّا ببراهين كثيرة. ذهبت مريم المجدليّة إلى القبر. وقد ظهر لها يسوع وقال: "لا تلمسيني" لأنّه لم يكن قد صعد إلى الآب. ظهر يسوع للتّلاميذ في أوّل الأسبوع والأبواب مغلقة أظهر نفسه لتلاميذه وأراهم يديه وجنبه. لم يكن توما معهم، ولم يصدّق أنَّ يسوع ظهر لهم. ثم بعد ثمانية أيّام، ظهر لهم يسوع وتوما معهم، وقد دخل السّيّد والأبواب مغلقة. أراد توما دليلاً مبنيًّا على الاختبار الشّخصيّ وقد قال "إن لم أرَ آثار المسامير لا أصدق". ظهر يسوع على مسافة قريبة من مكان التّلاميذ على شاطئ البحر. وكان التّلاميذ في السّفينة يصطادون فقال لهم يسوع: ألقوا الشّبكة على جانب السّفينة الأيمن"، ولم يكونوا قد اصطادوا شيئًا طوال اللّيل. ولمّا جمعوا الشّبكة أمسكوا 153 من السّمك ومع ذلك لم تتخرّق الشّبكة".
في سنة 56 بعد الميلاد قال بولس: "إنَّ يسوع ظهر لأكثر من خمسمئة أخ دفعة واحدة ومعظمهم كان حيًّا في ذلك الوقت. إنَّ أحد عشر تلميذًا من الإثني عشر ماتوا شهداء. فبطرس صُلب منكَّس الرّأس حسب طلبه لأنّه غير مستحقّ أن يُصلب مثل سيّده. من المؤكّد أنّ شيئًا ما غيَّر حياتهم بعد صلب المسيح. إمتلأ التّلاميذ خوفًا وتركوه وهربوا، وبعد فترة قصيرة تغيَّر التّلاميذ وامتلأوا شجاعة، ونادوا علانيّة من دون خوف بأنَّ المسيح قد قام من الموت.
فما الذي غيَّر التّلاميذ؟.. إنّها قيامة المسيح من الموت التي أدركوا قوَّتها بالرّوح القدس يوم العنصرة التي حوَّلت خوفهم إلى قوّة، وجعلتهم على استعداد أن يقدِّموا حياتهم للموت في سبيل إعلان هذا الحقّ."
