سوريا
16 شباط 2026, 13:30

أفرام الثّاني: الكتاب المقدّس سراج الكنيسة ونور حياة الإنسان

تيلي لوميار/ نورسات
تحت هذا العنوان، أصدر بطريرك السّريان الأرثوذكس مار إغناطيوس أفرام الثّاني رسالة الصّوم، وفيها كتب:

"سارت كلمة الله جنبًا إلى جنب مع الكنيسة، عونًا وسندًا لها في إيمانها وعبادتها وشهادتها، متألّقة كنجم المشرق، تَهدي المؤمنين في دروب الزّمان. فقد كانت كلمة الله، على الدّوام، المرجع الحيّ الّذي يُنير مسيرة الكنيسة، سراجًا للخُطى ونورًا للسّبل، كما يشهد داود الّنبيّ المرتّل في ترنيمته: "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلَامُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي" (المزمور 119: 105).

ومع تغيّر الأزمنة، وتطوّر العالم، يعيش الإنسان اليوم في إيقاع متسارع يعجّ بالمعلومات، تتراجع معه القدرة على التّمييز بين الحقّ والباطل؛ فيتجدّد عطش النّفس إلى كلمة صادقة تلامس الرّوح، وتنفذ إلى عمق القلب، وتمنح الحياة معناها.

أمام هذا الواقع المعاصر، يطرح المؤمن سؤالًا ملحًّا: ما مكانة الكتاب المقدّس اليوم؟ وكيف يواصل أداء دوره في حياته؟

ينبع هذا السّؤال من الإيمان الصّادق الّذي تحياه الكنيسة وتشهَد له منذ الدّهور، إذ تسلّمت الكتاب المقدّس وحفظته كأمانة رسوليّة، بهدف إبراز فاعليّته الدّائمة ودوره الجوهريّ في تنشئة المؤمن روحيًّا وإنجيليًّا.

ويظهر هذا التّوجّه الرّوحيّ بشكل خاصّ في زمن الصّوم الأربعينيّ المقدّس، باعتباره زمنًا للتّوبة والعودة إلى المنابع الرّوحيّة؛ حيث يُستحضر الكتاب المقدّس في قلب الحياة الكنسيّة مصدرًا للإرشاد، ونورًا للتّجدّد.

الكتاب المقدّس في حياة الكنيسة

تتّضح عظمة الكتاب المقدّس ومكانته في الكنيسة السّريانيّة الأنطاكيّة من كونه كلمة حيّة متجذّرة في روح العبادة واللّيتورجيا، وممتدّة إلى مفاصل حياتها، وفاعلة في عمق خبرتها الإيمانيّة. ومن هذا الحضور الحيّ ينبثق الدّور الأساسيّ للكتاب المقدّس في صياغة الهويّة الرّوحيّة للكنيسة، وتوجيه شهادتها في العالم؛ إذ صانته في صلواتها وتراتيلها وطقوسها، وجعلت منه مُعينًا دائمًا في تنشئة أبنائها وتعليمهم.

يرتبط الكتاب المقدّس في هذا التّقليد الرّسوليّ الأرثوذكسيّ ارتباطًا وثيقًا بحياة الكنيسة؛ فالإنجيل يُكرَّم في قلب العبادة، ويُتلى بخشوع، ويُستقبل كخبر يُعلِن الحياة، لأنّ الكنيسة ترى فيه حضور المسيح، الكلمة المتجسّد، العامل في كنيسته، الّذي ما زال يخاطب شعبه ويقوده عبر التّاريخ.

الكتاب المقدّس: قوّة تغيير في حياة المؤمنين

ومع وضوح مكانة الكلمة الإلهيّة في حياة الكنيسة، يبرز التّحدّي الحقيقيّ في ترجمتها من الإطار الكنسيّ العامّ إلى الخبرة الشّخصيّة لكلّ واحد منّا.

فالمؤمن المعاصر يواجه خطرًا روحيًّا عظيمًا يتمثّل في المسافة الّتي قد تنشأ بين وفرة الكلمة المقروءة والمسموعة، وبين حضورها الفعليّ والمثمر. ويكشف الرّبّ يسوع عن هذا الواقع بوضوح في مثل الزّارع (راجع متّى 13: 3–9، 18–23)، حيث إنّ البذار مَبذُورَة بغنى، غير أنّ الأرض ليست دائمًا مهيّأة لاستقبالها والتّفاعل معها.

وهنا يبرز خطر الاعتياد على سماع الكلمة من دون أن يتأثّر القلب أو يصحو الضّمير. فتصير القراءة مألوفة، ويضعف وقعها على القلب، فيفقد الإنسان نعمة النّموّ، ولا يستطيع بلوغ ملءِ القامة الرّوحيّة الّتي في المسيح.

إنّ هذا الواقع يكشف الحاجة إلى إصغاءٍ أعمق يُعيد للكلمة فاعليّتها في القلب وفي الحياة. وحين تُستقبَل الرّسالة الإلهيّة بإنصات وتواضع، تتجذّر الكلمة في كيان الإنسان وإرادته، وتغدو قراءة الكتاب المقدّس ممارسة حيّة تُوقظ القلب وتدعوه إلى التّجدّد، إذ يقوده الإصغاء إلى الصّوت الّذي يُنير، ويكشف الحقّ، ويهب الحياة. ذاك الصّوت الإلهيّ الّذي هو: "ٱلطَّرِيقُ وَٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ" (يوحنّا 14: 6)، فتقوده الكلمة لفعل مثمر وتجدّد ثابت وسلوك يشهد للحق.

الكتاب المقدّس: من الإصغاء الجامد إلى تغيير السّلوك والإثمار

ينطلق التّقليد الكنسيّ السّريانيّ الأنطاكيّ من يقين قويّ يرى في الكلمة الإلهيّة معيار الحياة الإيمانيّة، الّتي تُقاس بمدى تأثّرها بالكلمة وما تُحدِثه من تحوّل في القلب والمسار، يتجاوز حدود المعرفة الذّهنيّة والإدراك العقليّ، فيكشف خفايا القلب ويوجّه السّلوك بحسب مشيئة الله الخلاصيّة، كما يقول الرّسول بولس: "لِأَنَّ كَلِمَةَ ٱللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ ٱلنَّفْسِ وَٱلرُّوحِ وَٱلْمَفَاصِلِ وَٱلْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ ٱلْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ" (عبرانيّين 4: 12).

ومع دخول الكنيسة زمن الصّوم الأربعينيّ المبارك، يُختبر الكتاب المقدّس كغذاء يُساعد على النّموّ الرّوحيّ، بحسب شهادة الرّبّ يسوع له المجد: "لَيْسَ بِٱلْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا ٱلْإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ ٱللهِ" (متّى 4: 4، لوقا 4: 4).

لذا، تدعو الكنيسة أبناءها إلى قراءة الأسفار المقدّسة بروح صلاة وتأمّل وتفاعل، فتصبح القراءة خبرة حيّة تُغيّر الحياة، فتصير الكلمة نورًا يَهدي، وسراجًا يُضيء الدّرب، وقوّة تدفع إلى عيشٍ يُقاس بثماره، فتتحوّل الكلمة المقروءة إلى كلمة معاشة، تشهد للمسيح في تفاصيل الحياة اليوميّة وفي قلب العالم. وهذا الفهم الدّقيق لكلمة الله تجسّد بوضوح في خبرة الآباء، الّذين عاشوا الكلمة قراءةً وصلاةً، ونهجَ حياة.

الكتاب المقدّس في خبرة الآباء: تعليم مار غريغوريوس ابن العبريّ

في ضوء هذا الفهم الكنسيّ لكلمة الحياة، يكتسب الرّجوع إلى تعليم الملفان مار غريغوريوس يوحنّا ابن العبريّ أهمّيّة روحيّة وكنسيّة خاصّة في هذه السّنة الّتي تحيي الكنيسة فيها الذّكرى الثّمانمائة لميلاده (1226–2026). حيث يتجلّى حضور مار غريغوريوس يوحنّا ابن العبريّ في التّقليد السّريانيّ بوصفه ثمرة ناضجة لمسار آبائيّ متواصل، تَشكّل عبر أجيال من الآباء المعلّمين في الكنيسة السّريانيّة الأنطاكيّة، الّذين جعلوا من الكتاب المقدّس محور الحياة الرّوحيّة واللّاهوتيّة. فقد بَرَعَ ابن العبريّ في هذا التّراث الحيّ، جامعًا بين التّفسير والرّوح والمعرفة والتّأمّل العميق، فأضحى شاهدًا أمينًا على قوّة الكلمة الإلهيّة في بناء الإنسان المؤمن وتكوين العقل ونقائه.

وقد تجسّد هذا الفهم في حياة مار غريغوريوس يوحنّا ابن العبريّ نفسها، إذ لم تكن الكلمة عنده موضوع تأمّل ذهنيّ فحسب، بل مسار حياة عاشه في جهاد روحيّ وخدمة رعويّة ومسؤوليّة كنسيّة كمفريان للمشرق. فوحّد بين عمق المعرفة واتّساع الحكمة، وبين الدّراسة والنّسك، فجاءت حياته شهادة حيّة على انسجام الكلمة المقروءة مع الكلمة المعاشة.

لقد نظر مار غريغوريوس يوحنّا ابن العبريّ إلى الكتاب المقدّس بوصفه ينبوع الحكمة الرّوحيّة، وفرصة دائمة للّقاء مع الله. فجعل من القراءة المقدّسة فعلًا روحيًّا متكاملًا، يربط المعرفة بالإيمان، والفهم بالصّلاة، والتّأمّل بالسّلوك، ومقدّمًا إيّاها قوّةً في وجه الشّرّ وسلاحًا لقهر إبليس وجنوده. ويعبّر ابن العبريّ عن هذا الوعي الرّوحيّ بوضوح في كتاب الإيثيقون، حين يقول: "فقراءة الكتب المقدّسة تُرهب الأبالسة فلا تدنو ممّن يمارسها" (الإيثقون، الباب الثّاني: أعمال النّسك، الفصل السّادس: القراءة).

ويتكامل هذا البعد الرّوحيّ مع البعد التّفسيريّ في مؤلَّفه «ܐܘܨܪܐ̱ܪ̈ܙܐ»مخزن الأسرار، حيث قدّم الكتاب المقدّس كمخزن حيّ لأسرار الله، يُقرأ في نور الإيمان، ويُفهم بإرشاد الرّوح القدس، ويقود إلى معرفة تُنير السّبيل وتُقوِّم الحياة.

أيّها الأحباء:

يبقى الكتاب المقدّس، في كلّ عصر وكلّ مكان، كلمة الحياة الّتي تُسمَع فتوقظ، وتُختبَر فتُجدِّد، وتُثمر فتشهد. وفي عالم تكثر فيه الأصوات وتضيع فيه الاتّجاهات، تبقى الدّعوة إلى الإصغاء والعودة والتّجدّد أساسًا لا غنى عنه. وحين يضعف الرّجاء في قلب الإنسان، تبقى كلمة الله قادرة أن تُنهِضه من الدّاخل، وتفتح أمامه باب الحياة الّذي لا يُغلق أبدًا.

وإذا كانت كلمة الله قد رافقت الكنيسة منذ فجرها الرّسوليّ، فهي اليوم تدعونا أن نجعلها رفيقة مسيرتنا. فلنغتنم زمن الصّوم الأربعينيّ المبارك فرصةً متجدّدة نسمح فيها للكلمة أن تدخل إلى أعماقنا، وتعيد ترتيب قلوبنا، فنأتي بثمرٍ مئة وستّين وثلاثين (متّى 13: 23).

تقبّل الله صومكم وتوبتكم وصلواتكم وصدقاتكم، وأهّلنا جميعًا لنبتهج بعيد قيامته، بشفاعة السّيّدة القدّيسة العذراء مريم والدة الإله ومار بطرس هامة الرّسل وسائر الشّهداء والقدّيسين. ܘܐܒܘܢܕܒܫܡܝܐܘܫܪܟܐ. "