الأب سويد: أَخ نُور… رَجُلٌ عَاش للنّور وَتركَهُ أمانَةً في أَعنَاقِنَا...
"في رحيلِ الأخ نور، مؤسّس نورسات وتيلي لوميار، لا نودّع مجرّد رجلٍ عابر في الزمن، بل نودّع رسالةً حيّة، وفكرًا مضيئًا، وصوتًا ظلّ لسنواتٍ طويلة يخترق الصمت ليزرع الرجاء في قلوب الناس.
رجلٌ زهد في الدنيا، فعاش بسيطًا في الظاهر، عميقًا في الجوهر، حتى بدا وكأنّ النور يسكنه ويشعّ منه إلى كلّ من حوله. لم يكن حضورُه ضجيجًا، بل فعلًا صامتًا مدوّيًا، أثره أبقى من أيّ كلام. قارئٌ استثنائي، كاتبٌ استثنائي، ومحاوِرٌ راقٍ يعرف كيف يُصغي قبل أن يتكلّم، وكيف يبتسم فيفتح القلوب قبل العقول.
آمن بأنّ رسالة المسيح لا تُحاصَر، وأنّ الكلمة الصادقة قادرة على عبور كلّ الجدران، فحمل هذا الإيمان مشروعًا ورسالة، وأسّس من خلاله منابر إعلاميّة لم تكن مجرّد شاشات، بل جسور نور بين الإنسان وربّه، بين الشرق والعالم. لم يبنِ مؤسّسات فقط، بل بنى أجيالًا، وأطلق مسارات، وفتح آفاقًا جديدة للعمل الرسولي والإعلامي الهادف.
كان صاحب رؤيةٍ ثاقبة، سبق زمانه في فهم دور الإعلام في خدمة الإنسان والإيمان، فحَوَّل التحدّيات إلى فرص، والحلم إلى واقع. رجلٌ بألف رجل، يمكنك أن تتناغم معه، وقد تختلف معه، لكنك لا تستطيع إلّا أن تحترم صدقه، وتقدّر إنجازه، وتنحني أمام ثباته وأمانته.
لقد ائتمننا اليوم على إرثٍ كبير: نورسات، تيلي لوميار، نور الإنجيل، نور الشباب، نور المرأة، نور الشرق… وكلّ الأنوار التي أضاءها بتعبه وصلاته وإيمانه. إرثٌ ليس مادّيًا فحسب، بل روحيًّا ورسوليًّا، يحتاج منّا أن نكمله بالروح نفسها، بالإخلاص نفسه، وبالإيمان نفسه.
ومعه، وتحت إشرافه، أطلقتُ عشرات البرامج التلفزيونيّة، كاَن آخرها برنامَج جيل الإنجيل، الَّذِي نال إعجابَه، فَدَعَمَهُ لِيَصِلَ إِلَى قلُوبِ ملايِين المُشَاهِدين، لإِيمَانِهِ العَمِيق بِأنَّ هَذا البَرنامَج هُوَ بِحَدِّ ذاتِهِ رِسَالَة إنجِيليَّة مُتَمَيِّزَة في عالَمِ الإِعلام الهَادِف.
كَم من البرامج وُلِدَت تحتَ إِشرافِهِ، وكَم من المبادَرَات انطلقت ببركته، وكم من النُّفوسِ تعزَّت بكلمةٍ خرجَت من هذا المنبر الَّذي حلم به وحقَّقه. لم يكن مجرَّد مؤسِّس، بل أبًا روحيًّا، ومعلِّمًا، ورَفيق دربٍ لكَثيرين.
لكَ مِنّي أَلف تحيّة على عطاءاتِكَ الزَّاخِرَة، وعَلى ثقتِكَ، وعلى كُلّ فرصَة منحتَنا إيَّاها لنكُون جِزءًا من هذِهِ المَسِيرةَ المبارَكَة. ومِن خِلالِكَ، أتَوجَّهُ بأحرِّ التَّعازِي إلى عائِلتي الثَّانيَة: نُورسَات في لُبنَان والأردُنّ والعَالم ، وإلى كلّ من عَمِلَ بِمَحَبّةٍ وتَفَانٍ، وبمجّانيةٍ مُطلقة، في رحَابِ هذه المؤسَّسَةِ الرَّسُولِيَّة. وإلى عائلة تيلي لوميار، أَلف تحيَّة تقدِير وَاعتِزَاز عَلَى إنجازاتهم العَظِيمَة، فَهُم بِحَقٍّ، فَخر المَسيحِيَّةِ في الشَّرقِ، وشَهَادَة حَيَّة على أنَّ الإيمانَ حين يُترجَمُ عَمَلاً، يصنَعُ فَرقًا في العالم.
له اليوم ألف تحيّة إكبار، وألف شكرٍ على ما زرع وأنجز.
وداعًا أخ نور…
لقد كنتَ أَمينًا في القليلِ، وسَيُقِيمُكَ الرّبُّ على الكثير. أُدخُل إِلَى فرحِ سَيِّدِكَ، واسترِح في النُّور الَّذِي أَحبَبتَهُ وَخَدَمتَهُ.
وفي هَذَا اليَومِ العَظِيم، يوم الجمعَة العَظِيمَة، نؤمِنُ أَنَّ رَحِيلُكَ لَيسَ نهايَة، بَل عبورٌ إِلى القِيامَةِ، إِلى حَياةٍ لا تَزُول.
صلِّ لأجلنا… ولتبقَ أنوارك حيّة فينا، ومن خلالنا، إلى كلّ العالم."
