لبنان
12 كانون الثاني 2026, 08:50

الأب غييرمي في ضيافة جامعة الرّوح القدس- الكسليك: هذه رسالتي

تيلي لوميار/ نورسات
إستضافت جامعة الرّوح القدس- الكسليك حدثًا روحيًّا مميّزًا، تمثّل باستضافة الأب البرتغاليّ غييرمي بيكسوتو في قدّاس إلهيّ، تلاه لقاء تفاعليّ خاص ّمع الحضور، في أجواء إيمانيّة سادتها الصّلاة والتّأمّل والتّواصل الإنسانيّ.

وكان في استقبال الأب غييرمي رئيس جامعة الرّوح القدس- الكسليك الأب جوزف مكرزل، ونائبه لشؤون الهويّة والرّسالة الجامعيّة الأب إدوار القزّي، ومرشد الجامعة ومدير العمل الرّعويّ الجامعيّ الأب نيكولا عقيقي، إلى جانب عدد من أعضاء مجلس الجامعة والآباء، الّذين رحّبوا به معربين عن سعادتهم بهذه الزّيارة الّتي تشكّل محطّة روحيّة مهمّة، وتؤكّد انفتاح الجامعة على التّجارب الرّوحيّة المعاصرة.
وفي المناسبة، زار الأب غييرمي متحف الجامعة، واطّلع على ما يضمّه من مقتنيات أثريّة غنيّة، ودوّن في السّجلّ الذّهبيّ للجامعة رسالة شدّد فيها على أهمّيّة إحلال السّلام، سائلًا الرّبّ أن يحمي هذا الصّرح التّربويّ العريق. ثمّ شارك في القدّاس الإلهيّ الّذي ترأّسه الأب عقيقي، بمعاونة عدد من الآباء، وسط حضور واسع ملأ مقاعد قاعة البابا يوحنّا بولس الثّاني.
الأب عقيقي: قلوبنا مفتوحة للمحبّة
قبل بداية القدّاس، ألقى الأب عقيقي كلمة قال فيها: "نلتقي اليوم، كأرزات لبنان المتجذّرة والصّامدة، هنا في جامعة الرّوح القدس- الكسليك، الجامعة الّتي يشبه شعارها الأرزة: رمز الثّبات والعطاء. هذه الجامعة متجذّرة، ورسالتها تكمن في إتاحة الفرص للّقاء مع الله والتّواصل مع الآخر. وما أروع أن يكون هذا اللّقاء في الكنيسة، حيث يحلّ السّلام وتزدهر المحبّة".
وأضاف: "انطلاقًا من هويّة الجامعة الأرزة، نلتقي اليوم مع الله في القدّاس، أسمى وسائل العبادة، من خلال الطّقس الرّومانيّ الكاثوليكيّ اللّاتينيّ، ونتواصل أيضًا مع جذورنا من خلال التّراتيل المارونيّة، الّتي تعكس عمق حضارتنا الرّوحيّة".
وختم: "نحن هنا في مساحة لقاء، وكما قال قداسة البابا يوحنّا بولس الثّاني، شفيع هذه القاعة: "نريد كنيسة مفتوحة الأبواب"، أدعوكم لتشرّعوا أبوابكم للمحبّة، فإن لم نفتح قلوبنا للمحبّة، ّستظل مغلقة".
الأب غييرمي: التّواضع طريق الفرح الحقيقيّ
وبعد الإنجيل، وفي تأمّلٍ روحيّ عميق، قدّم الأب غييرمي قراءة إنجيليّة ذات بعد إنسانيّ وواقعيّ، متوقّفًا عند شخصيّة يوحنّا المعمدان كنموذج فريد للفرح المتجذّر في التّواضع، ولاسيّما في لحظات كان من الطّبيعيّ أن تسودها مشاعر الحزن. فمع اتّساع رسالة يسوع وانتشارها، عبّر تلاميذ يوحنّا عن قلقهم قائلين: "يا معلّم، إنّ الّذي كان معك عبر الأردنّ، الّذي شهدتَ له، ها هو يعمّد، والجميع يذهبون إليه".
وأوضح الأب غييرمي أنّ يوحنّا، في تلك اللّحظة المفصليّة، لم يرَ في تراجع دوره فشلًا، بل اكتمالًا لرسالته، حين أعلن بوضوح: "لستُ أنا المسيح، بل قد أُرسلتُ أمامه... ينبغي أنّ ذاك يزيد وأنّي أنا أنقص". واعتبر "أنّ هذا الموقف يضع الإنسان أمام حقيقة يعيشها يوميًّا، حيث تتسلّل الغيرة والحسد إلى العلاقات الإنسانيّة. وحتّى إلى العلاقة مع الله، ننسى أحيانًا حقيقتنا الأساسيّة: نحن لسنا سوى رسل وخدّام ودورنا أن نشير على المسيح لا إلى ذواتنا".
ولفت إلى أنّ المبشّر مدعوّ لأن يكون شفّافًا، بحيث يقود الآخرين إلى المسيح لا إلى شخصه. الحياة الرّسوليّة لا تخلو من التّناقضات والتّجارب، لكن هذه التّجارب، بحسب تعبيره، ليست عبئًا يجب تحمّله فقط، بل دعوة لنستقبلها بفرح، لأنّها تشكّل الإنسان على صورة يسوع.
وتوقّف الأب غييرمي عند آلام المسيح، متأمّلًا في السّلام الدّاخليّ الّذي رافقه في طريق الجلجلة، رغم الخيانة والتّخلّي. وأكّد أنّ اهتمام يسوع، حتّى في لحظات الألم القصوى، بقي موجّهًا نحو الآخرين، من تسليمه أمّه عند أقدام الصّليب إلى غفرانه للّصّ النّدمان ووعده بالفردوس.
ورأى أنّ التّألّم على مثال المسيح هو السّبيل إلى اكتمال الفرح الحقيقيّ، داعيًا إلى التّحرّر من الغيرة والحسد، وإلى استعادة قيمة التّواضع الّتي جسّدها يوحنّا المعمدان. واعتبر أنّ التّواضع هو "الحقيقة بعينها" والدّواء الوحيد لكبرياء الإنسان وغروره.
وفي بُعد تأمّليّ، ذكّر الأب غييرمي بهشاشة الإنسان، الّذي لا يزال محتاجًا إلى نعمة الله، محذّرًا من أنّ غياب تواضع القلب والرّوح قد يقود إلى ظلمة داخليّة. وأكّد أنّ المسيح نفسه اختار طريق التّواضع، وقَبِل الإهانات غير المستحقّة شاهدًا لمحبّة لا حدود لها.
وختم كلمته بدعوة إلى عدم فقدان الرّجاء، مستشهدًا بقول جبران خليل جبران: "ثقوا بالأحلام، ففيها يكمن باب الأبديّة"، مشيرًا إلى أنّ الأبديّة تمنح الإنسان القوّة لمواجهة تحدّيات الحاضر بثبات. كما دعا، على مثال يوحنّا المعمدان، إلى السّماح لحلم المسيح بأن ينمو في داخلنا، "حتّى نستطيع أن نقول بصدق: ليزد هو، ولأنقص أنا".
لقاء تفاعليّ  
هذا وشكّل لقاء الـ Meet & Greet الّذي تلا القدّاس مساحة حوار صادقة، اتّسمت بالرّقّي والاحترام والهدوء والتّأمّل، ما أتاح للحاضرين التّفاعل المباشر مع الأب غييرمي، وتبادل الخبرات الرّوحيّة وطرح الأسئلة في جوّ من القرب والفرح.
وجدّد الأب غييرمي تأكيده على رسالته الهادفة إلى تقريب الشّباب من الله من خلال لغة الموسيقى الإلكترونيّة عبر دمجها بالتّراتيل الدّينيّة، معتبرًا أنّ الموسيقى لغة قويّة ومؤثّرة، يخاطب من خلالها الشّباب باللّغة الأقرب إلى قلوبهم، وأنّ ردود فعل الشّباب الإيجابيّة تعكس جوهر الرّسالة الّتي يحملها. كما شدّد على أنّ الشّباب هم نواة التّغيير في العالم، داعيًا إيّاهم إلى التّحلّي بالشّجاعة وسط الظّروف الصّعبة الّتي يمرّون بها.
وعن منتقدي أسلوبه، شدّد على أنّ الله هو فرح، مؤكّدًا ضرورة المحبّة والحوار، وأنّ على كلّ إنسان أن يعمل وفق الرّسالة الموكلة إليه. إنّها رسالة صلاة وأمل وفرح ودعوة إلى إحلال السّلام.
وقد لاقى الحدث صدى إيجابيًّا كبيرًا لدى المشاركين، الّذين عبّروا عن امتنانهم لهذه المبادرة الّتي سمحت لهم بخوض اختبار إيمانيّ مختلف، والخروج بنظرة متجدّدة مليئة بالأمل والسّلام الدّاخليّ.