الأب محفوض: ظهور ونموّ الكنيسة
"بعد موت المسيح تفرّق تلاميذه، وفكِّر بعضهم في الرّجوع إلى مهنة الصّيد، ولكن بعد أن قام المسيح من الموت، وتغيَّر التّلاميذ بدأوا الكرازة بالمسيح القائم في اليهوديّة، ثمّ في العالم الرّومانيّ. وهكذا انتشرت المسيحيّة في العالم أجمع. فلو لم يقم المسيح من الموت ما كان في إمكان التّلاميذ أن يكرزوا بالمسيح المنتصر، وكانت أدلَّتهم على قيامة المسيح قويّة لم يقدر الأعداء على إنكارها، واستطاعت الكنيسة أن تثبت وتنمو وتنتشر. فظهورُ الكنيسة ونموُّها برهان على صحّة القيامة. لذا قيامة المسيح من الموت حقيقة مؤكَّدة مبنيّة على حقائق كتابيّة وتاريخيّة صادقة منتهى الصّدق. وقد كانت قيامة المسيح من الموت هي المحور الأساسيّ لكرازة التّلاميذ. لهذا قيامة المسيح من الموت تؤكِّد لاهوته. "وتعيّن ابن اللّه بقوة... بالقيامة من الأموات يسوع المسيح ربنا". وكلمة تعيِّن تعني تَبيّن وتثبّت. لقد أعلن المسيح أنّه ابن اللّه وفهم معاصروه من قوله هذا أنّه يعادل نفسه باللّه، فلو كان المسيح كاذبًا في أقواله هذه، لما أمكنه أن يقوم من الموت.
إذًا اللّه لا يعمل معجزة كهذه مع شخص كاذب يخدع النّاس. فقيامة المسيح برهان على صدق أقواله بأنّه هو ابن اللّه. وقد اعتبر التّلاميذ قيامة المسيح من الموت هي الدّليل الحاسم على لاهوته، واستخدموا هذا الدّليل في كرازتهم.
قيامة المسيح من الموت تؤكِّد إتمام عمل الفداء. فالمسيح قد "أُسلم من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا". لم يكن هناك وسيلة لخلاص الإنسان من دون إيفاء حقّ العدل الإلهيّ القاضي بموت الإنسان، لذلك أخذ المسيح جسدًا. "أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه النّاس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتَّى الموت موت الصّليب". وإذا لم يكن المسيح قد قام من الأموات، إذًا فهو ليس ابن اللّه، وبالتّالي فموته على الصّليب هو موت إنسان عاديّ لا قيمة له عند الآخرين، أيّ ليس هناك ذبيحة كفّاريّة نيابة عن جميع خطايا العالم. وكون أنّ المسيح قد قام من الموت، فهذا برهان على قبول ذبيحة التّكفير عن الخطايا. إنّ الاعتراف بقيامة المسيح من الموت هو اعتراف بموته، وهذه هي وسيلة الخلاص "لأنّك إن اعترفت بفمك بالرّبّ يسوع وآمنت بقلبك أنّ اللّه أقامه من الأموات خلصت".
إنَّ هذه الاثباتات والبراهين الدّينيّة المسيحيّة هي تأكيد أنّ المسيح قام، وقد ظهر ذلك في جميع نواحي الحياة المسيحيّة. قيامة المسيح هي موضوع الإيمان المسيحيّ وخلاصته. قال بولس الرّسول لأهل رومية: "إذا شهدت بفمك أنَّ يسوع ربُّ وآمنت بقلبك أنَّ اللّه أقامه من بين الأموات، نلت الخلاص".
لذلك قيامة يسوع ليست ظاهرةً طبيعيّة تُشاهد بالبصر، كإنعاش جثَّة أمام الحضور. كما أنَّ يسوع القائم من الموت لم يدخل في سياق التّاريخ على غرار لعازر. ولا يمكن أن نتصوَّر القيامة سلسلة من المعجزات، يستطيع جميع النّاس أن يتحقّقوا منها، فيحتّم عليهم أن يسلّموا بها.
أيضًا، لا يمكننا أن نستند إلى القبر الفارغ فقط لإثبات قيامة يسوع، مع العلم أنَّ العلماء تحقّقوا من أنّ القبر قد وُجد فارغًا. التّركيز على القبر الفارغ فقط قد يوهم أنّ القيامة كانت مجرَّد إنعاش جثَّة أو سرقة الجثَّة مثلاً. قالت مريم المجدليّة: "لقد أخذوا ربّي ولا أدري أين وضعوه".
إلّا أنَّ القيامة هي حدث تاريخيّ فريد من نوعه. لقد عاين التّلاميذ وشاهدوا يسوع حيًّا في اختبار روحيّ حقيقيّ، وأعلنوا أنّهم رأوه حيًّا، بعد أن كانوا رأوه معلَّقًا على الصّليب لذلك نقول: إنَّ قيامة يسوع هي حدث تاريخيّ بمعنى أنّه جرى في التّاريخ، ولكنّه حدث فريد من نوعه. إنَّ شهادة الرّسل هي تاريخيّة، ولكنّها تنطوي على شيء غير تاريخيّ، ولا يمكن أن يكون تاريخيًّا. جسد يسوع القائم من الموت ما عاد ينتمي إلى عالمنا الطّبيعيّ المرتبط بالمكان والزّمان.
إنَّ قيامة يسوع هي انتقال من الموت إلى الحياة الأبديّة، وبالتّالي لا يمكن أن تكون موضوع مشاهدة حسّيَّة، ولا يمكن أن تكون حقيقيّة إلّا بالإيمان."
