دينيّة
29 آذار 2026, 13:00

الأب محفوض: من مهنة الهوى إلى مهنة التّوبة!

تيلي لوميار/ نورسات
كيف تحوّلت حياة القدّيسة مريم المصريّة بفعل الحبّ الإلهيّ؟ الجواب في تحليل عميق يقدّمه خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض في السّطور التّالية، شارحًا:

"إنّني سأقدم اليوم تحليلاً موجزًا لبعض نقاط لاهوتيّة يمكن تحديدها في حياة القدّيسة مريم المصريّة.

هبة المعموديّة:

تعمّدت القدّيسة مريم المصريّة في سنّ مبكرة، وبعد المعموديّة انغمست في حياة الفجور. وقد اعترفت هي نفسها للأب زوسيماس قائلة: "أنا امرأة خاطئة، ولكنّني حُميت بالمعموديّة المقدّسة". لقد أخطأت وهي مسيحيّة معمّدة، وجعلت أعضاء المسيح أعضاءً في الزّنا. إلّا أنّ هبة المعموديّة هذه مكّنتها، من خلال معموديّة التّوبة، من العودة إلى المسيح، وجعلت أعضاءها أعضاءً في جسد المسيح.

يُطلق على المعموديّة التي نتلقّاها في طفولتنا اسم غسل التّجديد، لأنّنا من خلالها نولد من جديد إلى حياة جديدة. بالمعموديّة، نعود إلى الحالة التي كان عليها آدم قبل خطيئته. يُسمّي القدّيس أثناسيوس المعموديّة "غرسًا للحياة الأبديّة". ويعتبرها القدّيس باسيليوس "مركبة إلى السّماء، وسببًا لاكتسابنا الملكوت، وهبة التّبني".

وبحسب القدّيس ديادوخوس الفوتيكي، تمنحنا نعمة المعموديّة المقدّسة هديّتين. الأولى تُمنح مباشرةً من خلال سرّ المعموديّة المقدّسة، حين تُجدّدنا النّعمة، وتُنير الصّورة الإلهيّة فينا، وتغسل كلّ دنس الخطيئة. أمّا الثّانية، فهي أنّ النّعمة تُساعدنا على رسم الشّبه الإلهيّ على الصّورة الإلهيّة فينا. وتأتي هذه الهديّة الثّانية عندما يتذوّق عقلنا، بإرادتنا الحرّة، حلاوة الرّوح القدس.

نعمة التّوبة:

جاءت توبة القدّيسة مريم المصرية بنعمة الله وبركة والدة الإله، وتجلّى ذلك في شدّة روحها. أنكرت الدّنيا تمامًا، ونبذت كلّ شهوات الإنسان الجسديّ، وحوّلت كلّ قوى جسدها وروحها. وبذلك، لم تنل نعمة المعموديّة فحسب، بل عاشت أيضًا حالة التّألّه المباركة. عاشت القدّيسة مريم المصريّة حياةً روحيّةً عميقة، كما عاشها العديد من الآباء النّسّاك في الصّحراء.

يمكننا أيضًا أن نلاحظ تعبيرات مختلفة عن لوم الذّات في حديثها. فهي تشعر بالخجل من أفعالها؛ وتعتبر نفسها كالأفعى بسبب حياتها السّابقة؛ وتصف نفسها بأنّها فاسقة، و"امرأة آثمة"، و"امرأة خالية من كلّ فضيلة".

التّوبة هي عودة الإنسان من حالة فقدان التّواصل مع الله، وهي حالة غير طبيعيّة، إلى حالة طبيعيّة أو فوق طبيعيّة، وهي حالة الارتقاء من الصّورة الإلهيّة إلى المثال الإلهيّ.

قال القدّيس يوحنّا السّلّميّ كلمات رائعة تُظهر القيمة العظيمة للتّوبة: "إنّ ينبوع الدّموع بعد المعموديّة أعظم من المعموديّة نفسها، على الرّغم من أنّ قول ذلك قد يبدو جريئًا بعض الشّيء". ويشرح هذه الكلمات الجريئة قائلاً إنّ المعموديّة هي غسل "الشّرور التي كانت فينا من قبل"، بينما التّوبة، وهي المعموديّة الثّانية، تغسل "الخطايا التي ارتكبت بعد المعموديّة". ويترتّب على ذلك أنّ توبة القدّيسة مريم المصريّة ودموعها كانت من فعل التّثبيت المقدّس، وكذلك كان انتصارها على الفساد والفناء.

تجربة سرّ الصّليب:

حدث التّغيّير المعجزيّ في مسار حياة القدّيسة مريم المصريّة عندما دخلت الكنيسة في القدس "حيث كان يُعرض خشب الصّليب المُحيي". بعد أن مُنعت من دخول الكنيسة ثلاث أو أربع مرّات، أدركت أخيرًا أن سبب منعها "من رؤية خشب الصّليب المُحيي" هو "قذارة أعمالها". شعرت بتوبة عميقة وصلّت إلى والدة الإله القدّيسة أن تجعلها جديرة بتكريم خشب الصّليب الثّمين، ووعدت بأنّها إذا استجاب الله لدعائها، ستُغيّر حياتها. لن تفعل أبدًا أيّ شيء يُسيء إلى جسدها، وستترك الدّنيا وما فيها.

بعد ذلك، دخلت الكنيسة دون عائق ووصلت إلى المذبح. مُنحت رؤية الصّليب المُحيية، وشاهدت أسرار الله، وأدركت مدى استعداد الله لقبول توبتها. ثم سجدت على الأرض المقدّسة. ونذرت أمام والدة الإله القدّيسة أنّها ستفي بشروط نذرها. بعد ذلك، ، ذهبت إلى الصّحراء بأمر من والدة الإله القدّيسة، لتخوض غمار الزّهد من أجل تطهير أهوائها وتقديسها.

يتّضح ممّا حدث أنّه عندما كرّمت مريم العذراء خشبة الصّليب الثّمينة، استمدّت منها القوّة والقوى. ثمّ ذهبت إلى الصّحراء لتختبر سرّ الصّليب وجوديًّا، طوال حياتها. يتضح من هذا أنّ القدّيسة مريم المصريّة كانت تُجلّ الصّليب الثّمين في حالة من الإلهام الرّوحيّ، ومن خلال قوّته عاشت سرّ الصّليب في حياتها الشّخصيّة، مجاهدةً أفكارها وشهواتها الجسديّة. وقد ارتبط هذا بنظريّة النّور الأزليّ. ثمّة صلة وثيقة بين الصّليب والقيامة، ويُطلق على هذا في اللّاهوت الآبائي اسم "عيش سرّ الصّليب".

يقدّم القدّيس غريغوريوس بالاماس في الواقع وصفًا تحليليًّا لكيفيّة قيام شخص ما بصلب نفسه وعيش سرّ الصّليب، ومواجهة أفكار التّملّك [الفضول] والزّنا واحترام الذّات. وفي هذا السّياق، جسّدت القدّيسة مريم المصريّة في حياتها سرّ صليب المسيح وقيامته، وهو أساس الحياة الكنسيّة والزّهديّة.

المشاركة في قوى الله المؤلِّهة:

كانت تجربة القدّيسة مريم المصريّة لسرّ صليب المسيح وقيامته وثيقة الصّلة بمشاركتها في قوى الله المؤلِّهة. ويتجلّى ذلك بوضوح في حياتها كلّها: في صلاتها الدّائمة، وفي رؤيا النّور الأزليّ التي رأتها، وفي تجربتها للتّواصل الدّائم مع الله. وهكذا بلغت غاية وجودها، التي لم تكن عيش حياة أخلاقيّة قائمة على مبادئ إنسانيّة، بل التّألّه.

إنّ القدّيسين والملائكة، يشاركون في قوى الله المؤلِّهة. كما تُعرف قوى الله التي تُعين الإنسان في مسيرته نحو التّألُّه بأسماء أخرى، مثل قوى التّطهير، التي تُطهّر قلبه من الأهواء. القوى المنيرة التي تنير عقله؛ والقوى المؤلّهة التي تؤلّه الإنسان من خلال رؤية النّور غير المخلوق.

مهما بلغ الإنسان من إثم، ومهما كانت حالته، ومهما بلغ من الانحدار، فإنّه يستطيع أن ينال من قوى الله المؤلِّهة، شريطة أن يتعاون مع قوى النّعمة الإلهيّة. بالطّبع، ليس الخلاص من صنع الطّبيعة، بل من صنع النّعمة الإلهيّة، التي تمنح التّألُّه بقدر ما ينال الإنسان من هذه النّعمة.

تعليق طاقات الجسم:

في حياة القدّيسة مريم المصريّة نرى بوضوح آثار تأليهها. وتشمل هذه الآثار توقّف طاقاتها الجسديّة، كما يتضح من امتناعها عن تناول الطّعام؛ وتحوّل جسدها بحيث تستطيع تحمّل تغيّرات بيئتها؛ وقدرتها على قطع مسافات طويلة في وقت قصير؛ وارتفاع جسدها عن الأرض أثناء الصّلاة؛ والمشي على الماء، كما رأينا في سيرتها الذّاتيّة. في تعاليم الآباء، من الواضح أنّ الجسد يُعاد تشكيله خلال عملية التّألّه. فخلال هذه العمليّة، تتوقّف جميع قوى الجسد، بما في ذلك غريزة البقاء، وعمليّة الهضم، وجميع وظائف الجسد السّاقط. نرى هذا في سير الأنبياء والرّسل، كما هو موضح في أسفار العهدين القديم والجديد.

فعل التّناول المقدّس:

كما نرى في سيرة القدّيس سوفرونيوس الأورشليميّ، تناولت القدّيسة مريم المصريّة جسد المسيح ودمه بعد أن كرّست نفسها للصّليب المقدّس، ثم كرّست حياتها للتّوبة الكاملة في الصّحراء. وأخيرًا، بعد سبعة وأربعين عامًا من التّوبة، حُسبت جديرةً بتناول جسد المسيح ودمه مرّة أخرى، والرّحيل في ذلك اليوم نفسه إلى الله. فالزّهد لا ينفصل عن المناولة المقدّسة، عن تناول جسد المسيح ودمه.

من اللّافت للنّظر أنّ القدّيسة مريم المصريّة وصلت إلى المكان الذي كان ينتظرها فيه الأب زوسيماس سيرًا على مياه نهر الأردن، وغادرته بعد تناول القربان المقدّس بالطّريقة نفسها. لكن مباشرة بعد تناول القربان، قطعت في ساعة واحدة مسافة كان من المفترض أن تستغرق عشرين يومًا، وتوفّيت في المكان الذي شهدت فيه قيامتها وصعودها إلى السّماء.

فقد ظلّ فعل التّناول المقدّس في جسد المسيح ودمه، ببركة وحماية ومعونة والدة الإله، حاضرًا في قلب القدّيسة مريم لمدّة سبعة وأربعين عامًا. وبفضل زهدها البطوليّ وصلاتها، بقيت هذه القوى الإلهيّة حاضرة فيها باستمرار، ممّا أدى إلى تأليه روحها وجسدها.

لقد غيّر الحبّ الإلهيّ حياتها، تصحّ كلمات القدّيس يوحنّا السّلّميّ: "طوبى لمن نال حبًا وشوقًا لله كشوق العاشق لحبيبته" فالمحبّ الحقيقيّ "يُبقي وجه حبيبته حاضرًا في ذهنه دائمًا، ويحتضنه بحنان". نستنتج أنّ التّناول المقدّس يؤثّر وفقًا للحالة الرّوحيّة لكلّ مسيحيّ، ولا يمكن أن يؤثّر دون شروط معيّنة. وتعتمد قواه الإلهيّة على الحالة الرّوحيّة للشّخص الذي يتناول الأسرار المقدّسة.""إنّني سأقدم اليوم تحليلاً موجزًا لبعض نقاط لاهوتيّة يمكن تحديدها في حياة القدّيسة مريم المصريّة.

هبة المعموديّة:

تعمّدت القدّيسة مريم المصريّة في سنّ مبكرة، وبعد المعموديّة انغمست في حياة الفجور. وقد اعترفت هي نفسها للأب زوسيماس قائلة: "أنا امرأة خاطئة، ولكنّني حُميت بالمعموديّة المقدّسة". لقد أخطأت وهي مسيحيّة معمّدة، وجعلت أعضاء المسيح أعضاءً في الزّنا. إلّا أنّ هبة المعموديّة هذه مكّنتها، من خلال معموديّة التّوبة، من العودة إلى المسيح، وجعلت أعضاءها أعضاءً في جسد المسيح.

يُطلق على المعموديّة التي نتلقّاها في طفولتنا اسم غسل التّجديد، لأنّنا من خلالها نولد من جديد إلى حياة جديدة. بالمعموديّة، نعود إلى الحالة التي كان عليها آدم قبل خطيئته. يُسمّي القدّيس أثناسيوس المعموديّة "غرسًا للحياة الأبديّة". ويعتبرها القدّيس باسيليوس "مركبة إلى السّماء، وسببًا لاكتسابنا الملكوت، وهبة التّبني".

وبحسب القدّيس ديادوخوس الفوتيكي، تمنحنا نعمة المعموديّة المقدّسة هديّتين. الأولى تُمنح مباشرةً من خلال سرّ المعموديّة المقدّسة، حين تُجدّدنا النّعمة، وتُنير الصّورة الإلهيّة فينا، وتغسل كلّ دنس الخطيئة. أمّا الثّانية، فهي أنّ النّعمة تُساعدنا على رسم الشّبه الإلهيّ على الصّورة الإلهيّة فينا. وتأتي هذه الهديّة الثّانية عندما يتذوّق عقلنا، بإرادتنا الحرّة، حلاوة الرّوح القدس.

نعمة التّوبة:

جاءت توبة القدّيسة مريم المصرية بنعمة الله وبركة والدة الإله، وتجلّى ذلك في شدّة روحها. أنكرت الدّنيا تمامًا، ونبذت كلّ شهوات الإنسان الجسديّ، وحوّلت كلّ قوى جسدها وروحها. وبذلك، لم تنل نعمة المعموديّة فحسب، بل عاشت أيضًا حالة التّألّه المباركة. عاشت القدّيسة مريم المصريّة حياةً روحيّةً عميقة، كما عاشها العديد من الآباء النّسّاك في الصّحراء.

يمكننا أيضًا أن نلاحظ تعبيرات مختلفة عن لوم الذّات في حديثها. فهي تشعر بالخجل من أفعالها؛ وتعتبر نفسها كالأفعى بسبب حياتها السّابقة؛ وتصف نفسها بأنّها فاسقة، و"امرأة آثمة"، و"امرأة خالية من كلّ فضيلة".

التّوبة هي عودة الإنسان من حالة فقدان التّواصل مع الله، وهي حالة غير طبيعيّة، إلى حالة طبيعيّة أو فوق طبيعيّة، وهي حالة الارتقاء من الصّورة الإلهيّة إلى المثال الإلهيّ.

قال القدّيس يوحنّا السّلّميّ كلمات رائعة تُظهر القيمة العظيمة للتّوبة: "إنّ ينبوع الدّموع بعد المعموديّة أعظم من المعموديّة نفسها، على الرّغم من أنّ قول ذلك قد يبدو جريئًا بعض الشّيء". ويشرح هذه الكلمات الجريئة قائلاً إنّ المعموديّة هي غسل "الشّرور التي كانت فينا من قبل"، بينما التّوبة، وهي المعموديّة الثّانية، تغسل "الخطايا التي ارتكبت بعد المعموديّة". ويترتّب على ذلك أنّ توبة القدّيسة مريم المصريّة ودموعها كانت من فعل التّثبيت المقدّس، وكذلك كان انتصارها على الفساد والفناء.

تجربة سرّ الصّليب:

حدث التّغيّير المعجزيّ في مسار حياة القدّيسة مريم المصريّة عندما دخلت الكنيسة في القدس "حيث كان يُعرض خشب الصّليب المُحيي". بعد أن مُنعت من دخول الكنيسة ثلاث أو أربع مرّات، أدركت أخيرًا أن سبب منعها "من رؤية خشب الصّليب المُحيي" هو "قذارة أعمالها". شعرت بتوبة عميقة وصلّت إلى والدة الإله القدّيسة أن تجعلها جديرة بتكريم خشب الصّليب الثّمين، ووعدت بأنّها إذا استجاب الله لدعائها، ستُغيّر حياتها. لن تفعل أبدًا أيّ شيء يُسيء إلى جسدها، وستترك الدّنيا وما فيها.

بعد ذلك، دخلت الكنيسة دون عائق ووصلت إلى المذبح. مُنحت رؤية الصّليب المُحيية، وشاهدت أسرار الله، وأدركت مدى استعداد الله لقبول توبتها. ثم سجدت على الأرض المقدّسة. ونذرت أمام والدة الإله القدّيسة أنّها ستفي بشروط نذرها. بعد ذلك، ، ذهبت إلى الصّحراء بأمر من والدة الإله القدّيسة، لتخوض غمار الزّهد من أجل تطهير أهوائها وتقديسها.

يتّضح ممّا حدث أنّه عندما كرّمت مريم العذراء خشبة الصّليب الثّمينة، استمدّت منها القوّة والقوى. ثمّ ذهبت إلى الصّحراء لتختبر سرّ الصّليب وجوديًّا، طوال حياتها. يتضح من هذا أنّ القدّيسة مريم المصريّة كانت تُجلّ الصّليب الثّمين في حالة من الإلهام الرّوحيّ، ومن خلال قوّته عاشت سرّ الصّليب في حياتها الشّخصيّة، مجاهدةً أفكارها وشهواتها الجسديّة. وقد ارتبط هذا بنظريّة النّور الأزليّ. ثمّة صلة وثيقة بين الصّليب والقيامة، ويُطلق على هذا في اللّاهوت الآبائي اسم "عيش سرّ الصّليب".

يقدّم القدّيس غريغوريوس بالاماس في الواقع وصفًا تحليليًّا لكيفيّة قيام شخص ما بصلب نفسه وعيش سرّ الصّليب، ومواجهة أفكار التّملّك [الفضول] والزّنا واحترام الذّات. وفي هذا السّياق، جسّدت القدّيسة مريم المصريّة في حياتها سرّ صليب المسيح وقيامته، وهو أساس الحياة الكنسيّة والزّهديّة.

المشاركة في قوى الله المؤلِّهة:

كانت تجربة القدّيسة مريم المصريّة لسرّ صليب المسيح وقيامته وثيقة الصّلة بمشاركتها في قوى الله المؤلِّهة. ويتجلّى ذلك بوضوح في حياتها كلّها: في صلاتها الدّائمة، وفي رؤيا النّور الأزليّ التي رأتها، وفي تجربتها للتّواصل الدّائم مع الله. وهكذا بلغت غاية وجودها، التي لم تكن عيش حياة أخلاقيّة قائمة على مبادئ إنسانيّة، بل التّألّه.

إنّ القدّيسين والملائكة، يشاركون في قوى الله المؤلِّهة. كما تُعرف قوى الله التي تُعين الإنسان في مسيرته نحو التّألُّه بأسماء أخرى، مثل قوى التّطهير، التي تُطهّر قلبه من الأهواء. القوى المنيرة التي تنير عقله؛ والقوى المؤلّهة التي تؤلّه الإنسان من خلال رؤية النّور غير المخلوق.

مهما بلغ الإنسان من إثم، ومهما كانت حالته، ومهما بلغ من الانحدار، فإنّه يستطيع أن ينال من قوى الله المؤلِّهة، شريطة أن يتعاون مع قوى النّعمة الإلهيّة. بالطّبع، ليس الخلاص من صنع الطّبيعة، بل من صنع النّعمة الإلهيّة، التي تمنح التّألُّه بقدر ما ينال الإنسان من هذه النّعمة.

تعليق طاقات الجسم:

في حياة القدّيسة مريم المصريّة نرى بوضوح آثار تأليهها. وتشمل هذه الآثار توقّف طاقاتها الجسديّة، كما يتضح من امتناعها عن تناول الطّعام؛ وتحوّل جسدها بحيث تستطيع تحمّل تغيّرات بيئتها؛ وقدرتها على قطع مسافات طويلة في وقت قصير؛ وارتفاع جسدها عن الأرض أثناء الصّلاة؛ والمشي على الماء، كما رأينا في سيرتها الذّاتيّة. في تعاليم الآباء، من الواضح أنّ الجسد يُعاد تشكيله خلال عملية التّألّه. فخلال هذه العمليّة، تتوقّف جميع قوى الجسد، بما في ذلك غريزة البقاء، وعمليّة الهضم، وجميع وظائف الجسد السّاقط. نرى هذا في سير الأنبياء والرّسل، كما هو موضح في أسفار العهدين القديم والجديد.

فعل التّناول المقدّس:

كما نرى في سيرة القدّيس سوفرونيوس الأورشليميّ، تناولت القدّيسة مريم المصريّة جسد المسيح ودمه بعد أن كرّست نفسها للصّليب المقدّس، ثم كرّست حياتها للتّوبة الكاملة في الصّحراء. وأخيرًا، بعد سبعة وأربعين عامًا من التّوبة، حُسبت جديرةً بتناول جسد المسيح ودمه مرّة أخرى، والرّحيل في ذلك اليوم نفسه إلى الله. فالزّهد لا ينفصل عن المناولة المقدّسة، عن تناول جسد المسيح ودمه.

من اللّافت للنّظر أنّ القدّيسة مريم المصريّة وصلت إلى المكان الذي كان ينتظرها فيه الأب زوسيماس سيرًا على مياه نهر الأردن، وغادرته بعد تناول القربان المقدّس بالطّريقة نفسها. لكن مباشرة بعد تناول القربان، قطعت في ساعة واحدة مسافة كان من المفترض أن تستغرق عشرين يومًا، وتوفّيت في المكان الذي شهدت فيه قيامتها وصعودها إلى السّماء.

فقد ظلّ فعل التّناول المقدّس في جسد المسيح ودمه، ببركة وحماية ومعونة والدة الإله، حاضرًا في قلب القدّيسة مريم لمدّة سبعة وأربعين عامًا. وبفضل زهدها البطوليّ وصلاتها، بقيت هذه القوى الإلهيّة حاضرة فيها باستمرار، ممّا أدى إلى تأليه روحها وجسدها.

لقد غيّر الحبّ الإلهيّ حياتها، تصحّ كلمات القدّيس يوحنّا السّلّميّ: "طوبى لمن نال حبًا وشوقًا لله كشوق العاشق لحبيبته" فالمحبّ الحقيقيّ "يُبقي وجه حبيبته حاضرًا في ذهنه دائمًا، ويحتضنه بحنان". نستنتج أنّ التّناول المقدّس يؤثّر وفقًا للحالة الرّوحيّة لكلّ مسيحيّ، ولا يمكن أن يؤثّر دون شروط معيّنة. وتعتمد قواه الإلهيّة على الحالة الرّوحيّة للشّخص الذي يتناول الأسرار المقدّسة."