البابا ترأّس قدّاس الميرون الأوّل له كأسقف روما، فماذا قال؟
وخلال الذّبيحة الإلهيّة ألقى الاب الأقدس عظة قال فيها بحسب "فاتيكان نيوز": "أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، ها نحن الآن على أعتاب الثّلاثيّة الفصحيّة. مرّة أخرى، سيقودنا الرّبّ إلى ذروة رسالته، لتصبح آلامه وموته وقيامته قلب رسالتنا. إنّ ما نحن بصدد عيشه من جديد، يملك في الواقع في ذاته القدرة على تغيير ما يميل الكبرياء البشريّ عادةً إلى تجميده: هويّتنا، ومكاننا في العالم. إنّ حرّيّة يسوع تغيّر القلب، وتداوي الجراح، وتعطّر وجوهنا وتجعلها مشرقة، وتصالح وتجمع، وتغفر وتُحيي.
في السّنة الأولى الّتي أترأّس فيها قدّاس الميرون كأُسقف روما، أرغب في التّأمّل معكم حول الرّسالة التي يكرسنا الله لها كشعبه. إنها الرسالة المسيحية، رسالة يسوع عينها. يشارك فيها كل فرد بحسب دعوته الخاصة وفي طاعة شخصية لصوت الروح، ولكن أبدًا بدون الآخرين، وبدون إهمال أو كسر الشركة أبدًا! نحن الأساقفة والكهنة، إذ نجدد وعودنا، نضع أنفسنا في خدمة شعب مرسل. نحن مع جميع المعمدين جسد المسيح، قد مُسحنا بروحه، روح الحرية والتعزية، روح النبوءة والوحدة.
إن ما عاشه يسوع في اللحظات الحاسمة من رسالته قد استبقته نبوءة أشعيا، الذي أشار إليه يسوع في مجمع الناصرة ككلمة تتحقق "اليوم". ففي ساعة الفصح، في الواقع، يصبح جليًا وبشكل نهائي أن الله يكرس لكي يرسل. يقول يسوع: "أرسلني"، واصفًا تلك الحركة التي تربط جسده بالفقراء، والمسجونين، والذين يتلمسون طريقهم في الظلام، والمضطهدين. ونحن، أعضاء جسده، نسمي الكنيسة "رسولية" لأنها كنيسة مُرسلة، تُدفع أبعد من ذاتها، وهي مكرسة لله في خدمة خلائقه: "كما أرسلني الآب، أرسلكم أنا أيضًا".
نحن نعلم أن كوننا مُرسلين يتطلب، أولاً، انفصالاً، أي المخاطرة بترك ما هو مألوف وأكيد، للانطلاق نحو الجديد. ومن المثير للاهتمام أن يسوع، "بقوة الروح" الذي حل عليه بعد معموديته في الأردن، عاد إلى الجليل وجاء "إلى الناصرة حيث نشأ". إنها المكان الذي يجب عليه الآن مغادرته. ويتحرك "بحسب عادته"، ولكن ليدشن زمنًا جديدًا. يجب عليه الآن أن يرحل نهائيًا عن تلك القرية، لكي ينضج ما نبت فيها، سبتًا بعد سبت، في الإصغاء الأمين لكلمة الله. وبالطريقة عينها، سيدعو آخرين للانطلاق وللمخاطرة، لكي لا يصبح أي مكان حظيرة، ولا أي هوية جحرًا.
أيها الأعزاء، نحن نتبع يسوع، الذي "لم يعد مساواته لله غنيمة، بل أخلى ذاته": كل رسالة تبدأ من ذلك النوع من إخلاء الذات الذي فيه يولد كل شيء من جديد. إن كرامتنا كأبناء وبنات لله لا يمكن أن تُنتزع منا، ولا أن تضيع، ولكن لا يمكن أيضًا أن تُمحى العواطف والأماكن والخبرات التي كانت في أصل حياتنا. نحن ورثة لخير كبير وفي الوقت عينه لمحدودية تاريخ يجب أن يحمل فيه الإنجيل النور والخلاص، الغفران والشفاء. وهكذا، لا توجد رسالة بدون مصالحة مع أصولنا، مع العطايا والمحدوديات في التنشئة التي تلقيناها؛ ولكن، في الوقت عينه، لا يوجد سلام بدون انطلاق، ولا وعي بدون انفصال، ولا فرح بدون مخاطرة. نحن جسد المسيح إذا مضينا قدمًا، متصالحين مع الماضي بدون أن نُسجن فيه: كل شيء يُستعاد ويتضاعف إذا تركناه يمضي أولاً، بدون خوف. هذا هو السر الأول للرسالة. ولا نختبره مرة واحدة فقط، بل في كل انطلاقة جديدة، وفي كل إرسال إضافي.
إن مسيرة يسوع تكشف لنا أن الاستعداد للخسارة، ولإخلاء الذات، ليس غاية في حد ذاته، بل هو شرط للقاء والألفة. إنّ الحب لا يكون حقيقيًا إلا إذا كان مجرّدًا من السلاح، فهو لا يحتاج إلى الكثير من الأعباء، ولا إلى أي تباهي، بل يحفظ بلطف الضعف والعري. نحن نجد صعوبة في الالتزام برسالة حساسة كهذه، ومع ذلك لا توجد "بشرى سارة للفقراء" إذا ذهبنا إليهم بعلامات القوة، ولا يوجد تحرر أصيل إذا لم نتحرر من التملُّك.
نلمس هنا السر الثاني للرسالة المسيحية. فبعد قانون الانفصال هناك قانون اللقاء. نحن نعلم أنه على مر التاريخ، كثيرًا ما تم تشويه الرسالة بمنطق الهيمنة، الغريب تمامًا عن نهج يسوع المسيح. لقد امتلك القديس يوحنا بولس الثاني الوضوح والشجاعة للاعتراف بأنه “بسبب ذلك الرابط الذي يوحدنا ببعضنا البعض في الجسد السري، فإننا جميعًا، وإن لم نتحمل مسؤوليته بشكل شخصي وبدون أن نحلّ محل حكم الله الذي وحده يعرف القلوب، نحمل عبء أخطاء وخطايا الذين سبقونا". وبالتالي، أصبح من الأولويات التذكير بأنه لا في المجال الرعوي، ولا في المجال الاجتماعي والسياسي، يمكن للخير أن يأتي من الاستعلاء. إن المرسلين العظماء هم شهود للاقتراب "على أطراف الأصابع"، ومنهجهم هو مشاركة الحياة، والخدمة غير الأنانية، والتخلي عن أي استراتيجية حسابية، والحوار، والاحترام. إنه درب التجسد، الذي يأخذ دائمًا ومجدّدًا شكل الانثقاف. فالخلاص، في الواقع، لا يمكن أن يقبله كل فرد إلا بلغته الأم. "فكيف يسمعهم كل منا بلغة بلده".
إنّ مفاجأة العنصرة تتكرر عندما لا ندعي السيطرة على أزمنة الله، بل نضع ثقتنا في الروح القدس، "الحاضر اليوم أيضًا، كما في زمن يسوع والرسل: إنه حاضر ويعمل، يصل قبلنا، ويعمل أكثر منا وأفضل منا؛ ليس علينا أن نبذره ولا أن نوقظه، وإنما أن نعرفه، ونقبله، ونسانده، ونمهد له الطريق، ونتبعه. إنه حاضر ولم يفقد عزيمته أبدًا تجاه زمننا؛ بل على العكس هو يبتسم، ويرقص، وينفذ، ويجتاح، ويغمر، ويصل أيضًا إلى حيث لم نكن نتصور أبدًا". لإقامة هذا الانسجام مع غير المرئي، علينا أن نصل إلى حيث أُرسلنا ببساطة، ونُكرّم السر الذي يحمله كل شخص وكل جماعة في ذاته. نحن ضيوف: نحن كذلك كأساقفة، وككهنة، وكرجال ونساء مكرسين، وكمسيحيين. لكي نستضيف، يجب علينا في الواقع أن نتعلم كيف نكون ضيوفًا.
وحتى الأماكن التي تبدو فيها العلمنة أكثر تقدمًا ليست أرض غزو أو استعادة: "لا تزال ثقافات جديدة تتولد في هذه الجغرافيات البشرية الواسعة حيث لم يعد المسيحي هو المروج أو المولد للمعنى، بل يتلقى منها لغات ورموزًا ورسائل ونماذج أخرى تقدم توجهات جديدة للحياة، غالبًا ما تكون في تناقض مع إنجيل يسوع. [...] من الضروري أن نصل إلى حيث تتشكل الروايات والنماذج الجديدة، ونبلغ بكلمة الله إلى أعمق نواة في روح المدن". وهذا لا يحدث إلا إذا سرنا معًا في الكنيسة، وإذا لم تكن الرسالة مغامرة بطولية لشخص ما، بل شهادة حية لجسد ذي أعضاء كثيرة.
وهناك من ثمّ بُعد ثالث، ربما هو الأكثر جذرية، للرسالة المسيحية. يتجلى في ردة الفعل العنيفة لأهل الناصرة على كلمة يسوع، وهو الاحتمال المأساوي لسوء الفهم والرفض: "فثار ثائر جميع الذين في الـمجمع عند سماعهم هذا الكلام. فقاموا ودفعوه إلى خارج الـمدينة وساقوه إلى حرف الـجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه ليلقوه عنه". وبالرغم من أن القراءة الليتورجية حذفت هذا الجزء، إلا أن ما نستعد للاحتفال به بدءًا من الليلة يلزمنا بعدم الهروب، بل بـ "المرور في وسط" التجربة، مثل يسوع، الذي "جاز في وسطهم ومضى". إنّ الصليب هو جزء من الرسالة: يصبح الإرسال أكثر مرارة ومخيفًا، ولكنه يصبح أيضًا أكثر مجانية وتأثيرًا. وهكذا يتم قطع شوط الاستعمار الإمبريالي للعالم من الداخل، ويتم كشف العنف الذي كان حتى اليوم هو القانون. فالمسيح الفقير، الأسير، المرفوض، يهوي في ظلام الموت، ولكنه بذلك يحمل إلى النور خليقة جديدة.
كم من أشكال القيامة يُسمح لنا نحن أيضًا أن نختبرها، عندما، وإذ نتحرر من موقف دفاعي، ننزل إلى الخدمة كبذرة في الأرض! في الحياة، قد نمر بمواقف يبدو فيها كل شيء قد انتهى. فنسأل أنفسنا إن كانت الرسالة قد كانت عديمة الفائدة. هذا صحيح: على عكس يسوع، نعيش نحن أيضًا إخفاقات تعتمد على قصورنا أو قصور الآخرين، وغالبًا على تشابك المسؤوليات، والأنوار والظلال.
لكن يمكننا أن نتبنى الرجاء الذي يتحلى به العديد من الشهود. أذكر واحدًا منهم، عزيز على قلبي بشكل خاص. قبل شهر من وفاته، دوَّن الأسقف القديس أوسكار أرنولفو روميرو في دفتر رياضته الروحية ما يلي: "لقد حذرني السفير البابوي في كوستاريكا من خطر وشيك في هذا الأسبوع بالذات... سنواجه الظروف غير المتوقعة بنعمة الله. فيسوع المسيح قد ساعد الشهداء، وإذا دعت الحاجة، سأشعر به قريبًا جدًا مني عندما أستودعه زفيري الأخير. ولكن، أكثر من لحظة الحياة الأخيرة، يهم أن نعطيه الحياة كلها ونعيش له... يكفيني، لكي أكون سعيدًا وواثقًا، أن أعرف يقينًا أن فيه حياتي وموتي؛ وأنه رغم خطاياي، وضعت فيه ثقتي ولن أُخزى، وسيكمل آخرون، بحكمة وقداسة أكثر، العمل من أجل الكنيسة والوطن".
أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، إن القديسين يصنعون التاريخ. هذه هي رسالة سفر الرؤيا. "عليكم النعمة والسلام من لدن يسوع المسيح الشاهد الأمين والبكر من بين الأموات وسيد ملوك الأرض". هذه التحيّة تلخص مسيرة يسوع في عالم متنازع عليه بين قوى تدمره. وفي داخله ينبثق شعب جديد، ليس من الضحايا، بل من الشهود. وفي هذه الساعة المظلمة من التاريخ، حسن لدى الله أن يرسلنا لكي ننشر عطر المسيح حيث تسود رائحة الموت. لنجدد الـ "نعم" لهذه الرسالة التي تطلب منا الوحدة وتحمل السلام. نعم، نحن هنا! لنتخطى الشعور بالعجز والخوف! إننا نبشِّرُ بموتِكَ ونعترفُ بقيامَتِكَ إلى أن تأتي يا رب."
