لبنان
11 أيار 2026, 05:00

الرّاعي: إذا زرعنا صدقًا ووحدة وشفافيّة ومحبّة، عندها فقط نحصد وطنًا يليق بأبنائه

تيلي لوميار/ نورسات
في عيد سيّدة الحصاد، سأل البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي شفاعتها "لكي يزرع الله في لبنان سلامًا حقيقيًّا، وحكمة، وثباتًا، وحصاد رجاء بعد هذا الزّمن الطّويل من التّعب والانتظار"، وذلك خلال عظة قدّاس الأحد في بكركي.

وفي هذه العظة الّتي ألقاها بعنوان: "هوذا الزّارع خرج ليزرع" (مر 4: 3)، قال الرّاعي:

"1. نلتقي اليوم في عيد سيّدة الحصاد، للاحتفال معًا بهذه اللّيتورجيا الإلهيّة. فنرحّب بكلّ المؤمنين الحاضرين معنا، مع تحيّة خاصّة لمعالي وزير الزّراعة الدّكتور نزار هاني، وللسّادة المدراء العامّين والقيّمين على القطاع الزّراعيّ، والعاملين في هذا الحقل . إنّ العيد يجمع بين الإنجيل والأرض، بين الإيمان والعمل، بين البذار والرّجاء. يدعو لهذا القدّاس في عيد سيّدة الحصاد مدير عامّ وزارة الزّراعة المهندس لويس لحّود منذ سنة 2021، مشكورًا.

2. يشكّل القطاع الزّراعيّ ركيزة أساسيّة في الاقتصاد الوطنيّ. فالدّولة مدعوّة لدعمه وتحسين سبل عيش المزارعين، وتعزيز كفاءة سلاسل الإنتاج الزّراعيّ والغذائيّ، واستدامة نظم الزّراعة والغذاء والموارد الطّبيعية. لبنان لا يستطيع أن ينهض بدون المزارع الّذي هو الحارس الأوّل للأرض والحامي للهويّة الوطنيّة. لذلك يجب دعم المزارع لأنّه بكدّه وتعبه اليوميّ يحافظ على التّوازن بين المدينة والرّيف ويثبّت المواطنين في أراضيهم.

3. لقد تعرّضت الأراضي الزّراعيّة منذ بدء الحرب عام ٢٠٢٤، لأضرار جسيمة على الإنتاج النّباتيّ والحيوانيّ وعلى أرزاق المزارعين وجنى عمرهم. فعلى الدّولة التّعويض على المزارعين. فالأرض هي عنصر جوهريّ في الهويّة الوطنيّة، ممّا شكّل حافزًا للبطريركيّة والأبرشيّات والرّهبانيّات للاستثمار الزّراعيّ للأراضي. فالتّعاون المستمرّ والدّائم طيلة السّنوات الماضية بينها وبين مدير عامّ وزارة الزّراعة كان هدفه مساهمة الكنيسة في إبقاء المزارع في أرضه والحدّ من النّزوح وبيع الأراضي الزّراعيّة، وكانت ثمرته مشاريع وصناعات زراعيّة ناجحة.

4. إنّنا نناشد الانتشار اللّبنانيّ في العالم تعريف وتسويق المنتوجات الزّراعيّة اللّبنانيّة النّباتيّة والحيوانيّة والصّناعات الغذائيّة ونثمّن نجاح وزارة الزّراعة في قطاعات النّبيذ وزيت الزّيتون والعسل حيث وصلوا إلى العالميّة. ونتمنّى على الجهات المانحة دعم برامج وزارة الزّراعة للنّهوض بالقطاع الزّراعيّ وجعله أكثر صمودًا ومنافسة.

5. نذكر اليوم الوزير السّابق المرحوم سجعان القزّي، في الذّكرى السّنويّة الثّالثة على وفاته. نذكره بمحبّة وصلاة، لما كان له من حضور فكريّ وثقافيّ ووطنيّ، ولما تركه من أثر في الحياة العامّة. فنحيّي زوجته العزيزة السّيّدة دانيا القزّي، وابنتيه أود Ode وجوي Joy، سائلين الله الرّاحة لنفسه والعزاء لعائلته.

ونرحّب برابطة آل ضو الكرام الّذين نتمنّى لهم دوام الوحدة والتّعاون في حياتهم ومشاريعهم.

6. في مثل الزّارع يكشف لنا الرّبّ يسوع حالات الإنسان تجاه كلمة الله المشبَّهة بالحَبّ. فينبّهنا إلى تجنّب ثلاث حالات، والتّميّز بالحالة الرّابعة.

أ. الحالة الأولى هي حالة عدم الاكتراث. تمثّل الحَبّ الّذي يقع على جانب الطّريق. فيرمز إلى الإنسان الّذي يسمع كلمة الله لكن لا يعطيها أيّ أهمّيّة. كم من النّاس يسمعون الإنجيل دون أن يتوقّفوا عنده، يمرّ الكلام كأنّه شيء عابر، فلا يترك أثرًا، لأنّ القلب أصبح غير مبالٍ وعديم الاكتراث.

ب. الحالة الثّانية هي حالة السّطحيّة. تمثّل الحَبّ الّذي يقع على الأرض الصّخريّة فينبت بسرعة لكنّه لا يثبت. هناك أشخاص يفرحون بالكلمة الإلهيّة، يتأثّرون سريعًا، لكن من دون عمق روحيّ، من دون جذور حقيقيّة. وعندما تأتي التّجربة أو الصّعوبة، يختفي كلّ شيء كأنّه صدى مرّ وانتهى. الإيمان لا يعيش على حماس اللّحظة، بل يحتاج إلى عمق وثبات وصبر.

ج. الحالة الثّالثة هي حالة الانشغال المفرط بشؤون الدّنيا. تمثّل الحَبّ الّذي يقع بين الشّوك فتخنقه الهموم. كم من مرّة نهتمّ بكلّ شيء إلّا بالله؟ نهتمّ بما سنأكل وما سنشرب وما سنلبس وكيف نربح وكيف نؤمّن أمورنا، لكنّنا ننسى أنّ الإنسان لا يعيش بالمادّيّات فقط. الشّوك هنا هو القلق والطّمع واللّهاث المستمرّ وراء أمور الحياة حتّى تضيع الكلمة وسط الضّجيج.

د. أمّا الحالة الرّابعة فهي الحالة الّتي يريدها المسيح لكلّ إنسان: هي حالة الانفتاح. تمثّل الأرض الجيّدة وهي القلب المنفتح على الله، المنفتح على كلامه، المنفتح بعقله وإرادته وقلبه. هذا الإنسان يسمع الكلمة ويعيشها فتثمر فيه، لأنّ الأرض الطّيّبة عندما تستقبل الحبّ تعطي حياة.

7. من هنا نفهم معنى الزّراعة الحقيقيّ. فالزّراعة ليست فقط عملًا في الأرض، بل مدرسة أخلاقيّة وروحيّة وإنسانيّة. الأرض تعلّم الإنسان الصّبر، وتعلّمه الصّدق، وتعلّمه الإخلاص. من يزرع يعرف أنّ الثّمر لا يأتي بالغشّ، بل بالتّعب. يعرف أنّ الأرض لا تعطي إلّا لمن يكون أمينًا معها. فالإنسان الّذي يعيش قريبًا من الأرض يبقى أقرب إلى القيم، بينما حين يدخل في دوّامة المصالح والمادّيّات، يفقد شيئًا فشيئًا الكثير من معاني الصّدق والنّزاهة.

اليوم، عندما نرى الفساد ينتشر في أكثر من مجال، نفهم كم نحن بحاجة للعودة إلى أخلاقيّة الأرض. فالزّراعة تعلّم الإنسان أنّ "كما يزرع يحصد". إذا زرعت خيرًا تحصد خيرًا، وإذا زرعت فسادًا تحصد خرابًا. الأرض لا تكذب، ولذلك تبقى معلّمة للإنسان.

8. من هذا الإنجيل ننظر إلى واقعنا الوطنيّ. فإذا زرعنا الفساد نحصد انهيارًا، وإذا زرعنا الكراهيّة نحصد انقسامًا، وإذا زرعنا الخوف نحصد ضياعًا. أمّا إذا زرعنا صدقًا ووحدة وشفافيّة ومحبّة، عندها فقط نحصد وطنًا يليق بأبنائه. الأوطان لا تُبنى بالمصالح الضّيّقة، بل بزرع القيم في النّفوس، بزرع الحقيقة، بزرع احترام الإنسان، بزرع الإخلاص في الخدمة العامّة.

واليوم، وسط كلّ هذا التّعب، يبقى الشّعب اللّبنانيّ ينتظر الفرج وهو يأمل، ينتظر السّلام وهو يقظ. الشّعب يريد أن يعيش بكرامة، أن يرى مستقبلًا واضحًا، أن يشعر بالأمان في وطنه.

وكما تحتاج الأرض إلى من يعتني بها لتثمر، كذلك يحتاج الوطن إلى ضمائر حيّة، وإلى رجال دولة حقيقيّين، وإلى من يزرعون الخير بدل الانقسام، والوحدة بدل الفتنة، والسّلام بدل التّوتّر. وبشفاعة سيّدة الحصاد، نصلّي لكي يزرع الله في لبنان سلامًا حقيقيًّا، وحكمة، وثباتًا، وحصاد رجاء بعد هذا الزّمن الطّويل من التّعب والانتظار.

9. بالنّسبة إلى قانون العفو العامّ الّذي سيُحال من اللّجان المشتركة إلى الهيئة العامّة في المجلس النّيابيّ، فيجب أن يشمل الأشخاص المذكورين في البند ٢ من القانون رقم ١٩٤ تاريخ ٢٠١١، المنشور في الجريدة الرّسميّة 55 بتاريخ 24/11/2011. لكن هذا القانون لم ينفَّذ بسبب عدم صدور المراسيم التّطبيقيّة، فيما هو يعالج أوضاع اللّبنانيّين الّذين لجؤوا إلى إسرائيل.

10. لنصلِّ، أيّها الإخوة والأخوات الأحبّاء: يا ربّ، يا من خرجت تزرع كلمتك في قلوب النّاس، اجعل قلوبنا أرضًا طيّبة تستقبل حضورك وتثمر خيرًا ومحبّة وسلامًا. بارك أرضنا ومزارعينا، وبارك كلّ يد تتعب بصدق وإخلاص. بارك وطننا المتعب، وانزع منه الخوف والانقسام والفساد. وبشفاعة سيّدة الحصاد، امنح لبنان نعمة السّلام، وثبّت أبناءه في الرّجاء، واجعلنا نزرع خيرًا لكي نحصد حياة وكرامة ووطنًا يليق بأبنائه. نرفع المجد والتّسبيح للآب والابن والرّوح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين."