لبنان
26 آذار 2026, 06:55

الرّاعي في عيد البشارة: نرجو أن يبقى لبنان أرض اللّقاء والحوار والعيش المشترك

تيلي لوميار/ نورسات
في عيد بشارة العذراء، ترأّس البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي القدّاس الإلهيّ في بكركي، بحضور السّفير البابويّ في لبنان المطران باولو بورجيا، والمطارنة الموارنة والرّؤساء العامّين، محتفلًا كذلك بالسّنة الخامسة عشرة لتبوّئه السّدّة البطريركيّة المارونيّة.

الرّاعي وبالمناسبة، ألقى عظة بعنوان "لقد نلتِ نعمة عند الله" (لو 1: 30)، قال فيها:

​"1. يسعدني أن أحتفل معكم بالسّنة الخامسة عشرة لخدمتي البطريركيّة، بمؤازرتكم ومؤازرة سينودس أساقفتنا المقدّس، مقدّمين هذه اللّيتورجيا الإلهيّة، صلاة شكر لله أوّلًا على نعمة الأسقفيّة المشتركة، ثمّ على نعمة الخدمة البطريركيّة. فقد نلناها عند رسامتنا الأسقفيّة، وعند اختياري من الرّوح القدس وأعضاء سينودس أساقفتنا أبًا ورأسًا لكنيستنا. أجل إنّنا، في تدبير الله الخلاصيّ نلنا على مثال أمّنا مريم العذراء "نعمة عند الله" (لو 1: 30).

فإنّي أحيّي معكم إخواننا السّادة المطارنة أعضاء السّينودس المقدّس المتواجدين في النّطاق البطريركيّ، وفي بلدان الانتشار. وأوجّه تحيّة خاصّة إلى إخواننا المطارنة الّذين يعانون من أوضاع صحّيّة صعبة. فإنّا معهم جميعًا في رباط الشّركة الكنسيّة والأخوّة.

2. في عيد بشارة العذراء مريم، وهو عيد وطنيّ في لبنان، يطيب لي أن أوجّه تحيّة محبّة خاصّة إلى جميع اللّبنانيّين، مسيحيّين ومسلمين، في هذا اليوم المبارك. فلبنان يتميّز بين دول العالم بأنّ عيد البشارة هو عيد كنسيّ ووطنيّ في آن. إنّه عيد يجمع اللّبنانيّين حول مريم العذراء، المرأة الّتي قالت نعم لله، فصار الخلاص ممكنًا للبشريّة كلّها. نرجو أن يبقى عيد البشارة علامة رجاء ووحدة في وطننا، وأن يبقى لبنان أرض اللّقاء والحوار والعيش المشترك، وأرض السّلام والاستقرار.

لكنّنا نحتفل بالعيد، وقلوبنا تعتصر ألمًا لضحايا الحرب البغيضة والمرفوضة من الشّعب والدّولة بين حزب الله وإسرائيل. فنذكر بصلاتنا الضّحايا والجرحى والشّعب المهجَّر التّارك وراءه بيوته المهدَّمة، ونصلّي من أجل سلامة الصّامدين في بيوتهم، المطالبين بالعيش بسلام وطمأنينة.

3. "لقد نلتِ نعمة عند الله" (لو 1: 30). النّعمة في اللّاهوت المسيحيّ هي عطيّة ومبادرة إلهيّة مجّانيّة. الله هو الّذي يختار ويمنح ويدعو. ومريم لم تُختَر لأنّها عظيمة في نظر العالم، بل لأنّها كانت متواضعة القلب، نقيّة الإيمان، ومنفتحة بالكلّيّة على إرادة الله. ولهذا يخاطبها الملاك قائلًا: "السّلام عليكِ يا ممتلئة نعمة".

مريم هي المرأة الّتي امتلأت بنعمة الله، فصار قلبها قادرًا أن يستقبل كلمة الله. لكن النّعمة لا تلغي حرّيّة الإنسان. فالله يدعو، والإنسان يجيب. وهنا تأتي اللّحظة الحاسمة إذ مريم تجيب: "ها أنا أمة الرّبّ، فليكن لي بحسب قولك" (لو 1: 38). بهذه الكلمة قالت مريم نعم لله. وهذه الـ"نعم" ليست مجرّد موافقة عابرة، بل هي تسليم كامل للحياة لمشيئة الله. إنّها لحظة إيمان عميق وثقة كاملة بالله. من هنا بدأ سرّ التّجسّد. فبقبول مريم هذه النّعمة، دخل الله تاريخ البشر.

4. فلابدَّ لنا، في ضوء مثال مريم، أن نجري فحص ضمير على ضوء كلمة الملاك لمريم: "لقد نلتِ نعمةً عند الله" (لو 1: 30). فمن بين نعم الله، الموزَّعة على أساس اختيار مجّانيّ من الله، نعمة الأسقفيّة، ونعمة البطريركيّة.

5. نحن كأساقفة، وأنا كبطريرك، عند رسامتنا، قلنا نحن أيضًا نعم لله. قلنا نعم للخدمة، نعم للمسؤوليّة، نعم لقيادة شعب الله.

لكن هنا يأتي السّؤال الصّعب الّذي يجب أن نطرحه على أنفسنا كفحص ضمير: هل نحن على قدر هذه النّعمة الّتي نلناها؟ هل ما زلنا نعيش بحسب النّعمة الّتي أعطاها الله لنا؟ مريم نالت النّعمة وقالت نعم، وبقيت أمينة لهذه النّعمة طوال حياتها. أمّا نحن، فالله أعطانا نعمة الأسقفيّة والبطريركيّة، وقلنا نحن أيضًا نعم. لكن هل ما زلنا أمناء لهذه الـ"نعم"؟

6. نحن نعيش اليوم زمن السّينودس، زمن الإصغاء لما يقوله الرّوح للكنيسة. وهذا الإصغاء يقودنا إلى التّمييز الرّوحيّ والأخلاقيّ بين الخير والشّرّ في حياة المجتمع. في هذا السّياق، لا تستطيع الكنيسة أن تبقى صامتة أمام ما يعيشه لبنان من أزمات وصعوبات. فالبلاد تمرّ بظروف دقيقة، وتشهد تحدّيات كبيرة، واعتداءات وانتهاكات لحقوق الإنسان، وضغوطًا تمسّ كرامة الشّعب وحياته اليوميّة.

إنّ الكنيسة، بحكم رسالتها الإنجيليّة، لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي. فهي مدعوّة دائمًا إلى أن تكون صوت الضّمير، وأن تعطي صوتًا لمن لا صوت له. نحن لا نمارس السّياسة، لكنّنا نعلن مبادئ الحقّ والعدالة. نحن لا ننافس أحدًا في السّلطة، لكنّنا ملتزمون بالدّفاع عن الإنسان وكرامته.

الكنيسة لا تستطيع أن تهمل الفقراء، ولا تستطيع أن تتجاهل الألم الّذي يعيشه النّاس، لأنّ رسالتها هي رسالة المحبّة، والمحبّة لا يمكن أن تكون صامتة أمام الظّلم.

إنّ عيد بشارة العذراء يحمل أيضًا رسالة وطنيّة عميقة. فكما دخلت نعمة الله إلى العالم من خلال "نعم" مريم، يحتاج وطننا اليوم إلى "نعم" جديدة تُقال لله: نعم للحقّ، نعم للعدالة، نعم للكرامة الإنسانيّة، نعم للمحبّة الّتي تبني المجتمع.

7. في هذا العيد المبارك نرفع صلاتنا إلى الله بشفاعة العذراء مريم، لكي يفيض نعمته على كنيستنا ويقود رعاتها بروح الحكمة والخدمة، ولكي يحفظ وطننا لبنان في السّلام والاستقرار. فنرفع المجد والشّكر، للآب والابن والرّوح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين."