لبنان
05 أيار 2026, 11:15

الرّاعي من بكفيّا: من يوبيل سيّدة النّجاة دعوة إلى ترسيخ الرّجاء وبناء لبنان على القيم

تيلي لوميار/ نورسات
في الأوّل من أيّار/ مايو، ترأّس البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي القدّاس الإلهيّ في دير سيّدة النّجاة للآباء اليسوعيّين في كفيّا، بمناسبة الاحتفال باليوبيل المئة والخامس والسّبعين على تأسيس أخويّة سيّدة النّجاة للرّجال، وذلك بالتّزامن مع انطلاقة الشّهر المريميّ.

وقد انطلق الموكب البطريركيّ من الصّرح البطريركيّ في بكركي عند السّاعة الرّابعة والرّبع بعد الظّهر، في إطار هذا الحدث الكنسيّ الّذي جمع بين البعد الاحتفاليّ والرّوحيّ.

في مستهلّ القدّاس الإلهيّ، وبعد رتبة الدّخول، ألقى رئيس الدّير الأب داني يونس كلمة ترحيبيّة مختصرة، شدّد فيها على رمزيّة هذه المناسبة الّتي تجمع بين أمانة التّاريخ وحيويّة الحاضر، معتبرًا أنّ هذا اليوبيل يشكّل محطّة شكر لله على مسيرة الأخويّة، ودعوة متجدّدة للثّبات في الإيمان والخدمة.

وبعد تلاوة الإنجيل المقدّس، كانت عظة للرّاعي بعنوان: "إعملوا لا للطّعام الفاني، بل للطّعام الباقي للحياة الأبديّة" (يو 6: 27)، قال فيها:

"1. بهذه الدّعوة يرفعنا الرّبّ يسوع من مستوى الحاجة المادّيّة إلى أفق الحياة الرّوحيّة. فهو لا ينكر الخبز الأرضيّ، لكنّه يضعه في مكانه الصّحيح. فلا نحصر الحياة بما يُرى ويؤكل ويُستهلك، بل نرتفع إلى ما يبقى، إلى ما يعطي المعنى لحياتنا، إلى ما يملأ القلب بالإيمان والرّجاء. هذا ما يعني كلامه: "اعملوا لا للّطعام الفاني، بل للطّعام الباقي للحياة الأبديّة" (يو 6: 27).

2. أوجّه تحيّة خاصّة إلى أخويّة الحبل بلا دنس للرّجال، في دير سيّدة النّجاة للآباء اليسوعيّين في بكفيّا العزيزة، بمناسبة الاحتفال بيوبيل 175 سنة على تأسيسها. وأحيّي جميع الحاضرين في قدّاس الشّكر لله على نعمة هذه الأخويّة، وعلى النّعم الّتي أغدقها الله، بشفاعة أمّنا مريم العذراء، سيّدة الحبل بلا دنس، على أعضاء الأخويّة وعائلاتهم وعلى هذه المدينة العزيزة. ونستذكر بمحبّة وإخلاص أخانا المرحوم ميشال الحايك، رئيس الأخويّة الّذي أحبّ مسيرتها، وأراد هذا الاحتفال وسعى إليه. لكنّه سبقنا إلى بيت الآب. فنصلّي لراحة نفسه وعزاء عائلته وعزائكم.

3. يتّخذ يوبيل الأخويّة شعار: "ذاكرة شكر ومسيرة رجاء".

ذاكرة شكر: نستتذكّر البدايات، نتذكّر الآباء المؤسّسين، نتذكّر الأمانة عبر السّنين، ونعترف أنّ كلّ هذا لم يكن بجهد بشريّ فقط، بل بنعمة الله. نتذكّر ونشكر، كما يقول القدّيس أغسطينوس: "إنّ الذّاكرة صُنعت من أجل الشّكر."

نستعيد كيف تأسّست أوّل أخويّة مريميّة في الشّرق، في ظلّ الرّوحانيّة اليسوعيّة الّتي أرادت مؤمنين فاعلين في العالم، لا يفصلون بين الإيمان والحياة. ومن هنا، نشأت هذه الأخويّة، لتكون مدرسة رجال: رجال صلاة، رجال التزام، رجال حضور في الكنيسة والمجتمع.

ومن هذا الدّير بالذّات، انطلقت أيضًا مسيرة الشّهر المريميّ في الشّرق منذ سنة ١٨٣٧، وها نحن اليوم نفتتحها للمرّة المئة والتّسع وثمانين. إنّه تاريخ مشبع بحضور مريم، أمًّا ومرشدة، رافقت هذه الأخويّة، وربّت أبناءها، وقادتهم إلى المسيح.

مسيرة رجاء: هي نظرتنا إلى الأمام. لا نتوقّف عند ما كان، بل ننطلق نحو ما سيكون. نريد أن نكون على مستوى الرّسالة، أن نحمل الإنجيل اليوم كما حمله الّذين سبقونا، أن نعيش إيمانًا حيّّا، مسؤولًا، متجسّدًا في العالم.

وهنا تبرز أهمّيّة الأخويّات في كنيستنا: فهي ليست مجرّد إطار تنظيميّ، بل مدرسة روحيّة، تنشّئ الإنسان، وتساعده على عيش الفضائل، ليكون خميرة في المجتمع، ناشرًا القيم، شاهدًا للرّجاء.

الرّجاء هو مسيرتنا إلى الأمام. لا نتوقّف عند الماضي، بل ننطلق منه. نحمل الشّعلة، ونكمل الطّريق، ونعيش إيمانًا حيًّا في زمننا. الرّجاء هو أن نبقى أمناء، وأن نكون رجالًا على مستوى هذه الدّعوة. وهنا تكمن خصوصيّة هذه الأخويّة: إنّها أخويّة للرّجال، والرّجال فيها مدعوّون ليكونوا ركائز إيمان، وليكونوا شهودًا للحقّ، وليكونوا حاملي رجاء في عالم يحتاج إلى الثّبات.

4. في هذا الاحتفال، نجدّد الوعد. نجدّد التزامنا بأن نعيش الإيمان بصدق، وأن نحمل الإنجيل في حياتنا، وأن نخدم الكنيسة بمحبّة. تجديد الوعد ليس مجرّد كلمات، بل قرار حياة. أن نكون أبناءً للكنيسة، وأن نعيش روح البنوّة، وأن نكون أمناء لما تسلّمناه.

وفي قلب هذا كلّه، تقف اللّيتورجيا، حيث نلتقي بالمسيح الّذي يعطينا جسده طعامًا ودمه شرابًا. هنا نفهم عمق قول الرّبّ: "اعملوا لا للطّعام الفاني، بل للطّعام الباقي للحياة الأبديّة" (يو 6: 27)، لأنّنا في الإفخارستيّا ننال هذا الطّعام الّذي لا يزول، هذا الخبز الّذي يغذّي حياتنا الرّوحيّة. ومن هنا، تنطلق رسالتنا: أن نعيش من هذا الخبز، وأن نحمله إلى العالم، وأن نكون شهودًا له في حياتنا اليوميّة.

5. "إعملوا لا للطّعام الفاني، بل للطّعام الباقي للحياة الأبديّة" (يو 6: 27). بهذه الكلمة، نطلّ اليوم على واقعنا الوطنيّ. لبنان يعيش بين القلق والانتظار، بين الحيرة والتّرقّب، بين هدنة غير مستقرّة ومفاوضات غير واضحة. الشّعب تعب… الشّعب خائف… الشّعب ينتظر… والوقت يمرّ بثقل وببطء، وكأنّنا عالقون في دوّامة لا تنتهي. كفانا هذا الواقع، كفانا هذا التّردّد، كفانا انتظارًا… كفانا قلقًا… كفانا غموضًا. نقولها بوضوح: نرفض الحرب ونريد السّلام.

لكن إنجيل اليوم يدعونا إلى أكثر من ذلك: ألّا نبني وطننا على ما يفنى، على المصالح الضّيّقة، على الحسابات المؤقّتة، بل على ما يبقى: على القيم، على العدالة، على الكرامة.

وهنا نربط بين الأخويّة والوطن: كما أنّها أخويّة للرّجال، كذلك الأوطان تُبنى برجالها. فكما نحن رجال للأخويّة، يجب أن نكون رجالًا للوطن. رجالًا ثابتين في الحقّ، رجالًا أمناء في المسؤوليّة، رجالًا لا يساومون على القيم.

لبنان اليوم بحاجة إلى رجال يشبهون هذه المسيرة، رجال يؤمنون أنّ الوطن رسالة، وليس ساحة انتظار، ولا ساحة قتال وتدمير وحرب بدون معنى. نحن كمن في سفينة تتقاذفها الأمواج، بين الطّمأنينة والقلق، لكنّنا لا نفقد الرّجاء. ننتظر، نعم… لكنّنا ننتظر برجاء. نأمل، لكنّنا أيضًا نعمل. نريد وطنًا يُعاش فيه، لا يُخاف منه، مستقبلًا يُبنى، لا يُؤجَّل.

6. نرفع اليوم قلوبنا إلى مريم، سيّدة الحبل بلا دنس، أمّنا وملكتنا، شفيعة هذه الأخويّة. هي الّتي رافقت هذه المسيرة عبر السّنين، وكانت الأمّ الحاضرة في كلّ مرحلة.

يا مريم، يا سيّدة النّجاة، نستودعك هذه الأخويّة، ونستودعك رجالها، ونستودعك وطننا لبنان. علّمينا أن نكون أمناء، أن نعمل لما يبقى، أن نحمل الرّجاء حيث اليأس، والنّور حيث الظّلمة.

نقف أمام هذا اليوبيل، لا كذكرى فقط، بل كبداية جديدة. نحمل معنا ذاكرة شكر، لأنّ الله كان معنا، ونسير بمسيرة رجاء، لأنّ الله سيكون معنا. فلتبقَ هذه الأخويّة منارة في الكنيسة، وليكن رجالها شهودًا للحقّ، وليكن لبنان، رغم كلّ الصّعوبات، أرض رجاء. وبشفاعتك يا مريم، لتستمرّ هذه المسيرة، وليثبت هذا الرّجاء، وليترسّخ هذا الإيمان في القلوب. بنعمة الثّالوث القدّوس، الآب والابن والرّوح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين."