لبنان
11 آذار 2026, 12:04

القليعة ودّعت اليوم راعيها الشّهيد الأب بيار الرّاعي

تيلي لوميار/ نورسات
حزن عميق لفّ بلدة القليعة الجنوبيّة اليوم منذ ساعات الصّباح، إذ احتشد عدد كبير من المؤمنين لوداع كاهن رعيّة مار جرجس الأب بيار الرّاعي، هذا الرّاعي الصّالح الّذي أبى أن يترك القطيع تحت الخطر، فبذل نفسه حتّى روى أرض البلدة وقدّم نفسه قربانًا على مذبح الوطن.

بعد الاستقبال بالموسيقى ونثر الأرز والورود، وسط غصّة كبيرة بدت ظاهرة في عيون الحاضرين من أبناء البلدة والجوار، أقيم القدّاس والجنّاز ترأّسهما النّائب البطريركيّ المطران الياس نصّار موفدًا من البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي، إلى جانب راعي أبرشيّة صور المارونيّة المطران شربل عبدالله، بحضور السّفير البابويّ المطران باولو بورجيا، وميتروبوليت صيدا وصور ومرجعيون وتوابعهما للرّوم الأرثوذكس المطران الياس كفوري، إلى جانب لفيف من المطارنة والكهنة، وشخصيّات سياسيّة وعسكريّة وتربويّة واجتماعيّة وبلديّة واختياريّة.

وخلال الصّلاة، كانت كلمة للبطريرك الرّاعي جاء فيها: "البركة الرّسوليّة تشمل سيادة أخينا المطران شربل عبدالله رئيس أساقفة صور، وكهنة الأبرشيّة، وأعزّاءنا بسّام ميلاد الرّاعي وشقيقيه وشقيقاته، إخوة المرحوم الخوري الشّهيد بيار الرّاعي، وأبناء وبنات بلدتي دبل والقليعة المحترمين.

بالألم والأسى الشّديدَين تلقّينا معكم خبر استشهاد عزيزكم وعزيزنا الخوري بيار الرّاعي، ابن بلدة دبل الحزينة، وكاهن رعيّة القليعة الّتي تبكي بالدّموع راعيها الغيور والشّجاع وصاحب الصّفات الكهنوتيّة المفعمة بالفضائل الإلهيّة. لكنّنا برجاء قيامة المسيح فادينا نتطلّع إلى استشهاده المؤلم مشاركة في آلام الفداء، ونرافقه بالصّلاة في عبوره إلى بيت الآب في السّماء، حيث مقرّ الأبرار والشّهداء. ولم يمرّ شهر على وفاة والدتكم.

إنّه بعد في الرّابعة والخمسين من العمر، وهو في كامل نشاطه وعطاءاته في رعيّة مار جرجس- القليعة العزيزة مع معاونه عزيزنا الخوري أنطونيوس عيد فرح.

سيم كاهنًا سنة 2014 وانطلق في خدمته الرّاعويّة في القليعة معاونًا للمرحوم المونسنيور منصور الحكيّم، ثمّ عيّنه سيادة أخينا المطران شربل عبدالله كاهنًا للرّعيّة منذ العام 2021، وقد وصفه لنا بكلماته الأبويّة أنّه الأمين والغيور على تعاليم كنيسته الكاثوليكيّة، والأخ المحب دون تمييز لكلّ إخوته الكهنة. فدخل صلب الحياة الرّاعويّة بمفتاح المحبّة اللّامشروطة، مرحًا مع الأطفال، واعدًا بالمستقبل الأفضل للشّبيبة، وحصنًا منيعًا للعائلات ركن الكنيسة والمجتمع، حتّى باتت رعيّة مار جرجس– القليعة أنموذجًا لرعيّة المسيح النّابضة بالحياة.

هذا ما أهّل شهيدنا الغالي لخدمة أماكن عديدة كوكيل أسقفيّ في منطقة مرجعيون– حاصبيا، ومرشدًا لإقليم كاريتاس فيها. كما شغل منصب المسؤول عن الشّؤون القضائيّة والقانونيّة في أبرشيّة صور كونه محاميًا للعدل والوثاق في محكمتنا الابتدائيّة الموحّدة. ووسّع نشاطه في خدمة المتألّمين والمعوزين والمساجين فعمل مدّة ثلاث سنوات في مرشديّة السّجون بغيرة رسوليّة واعية وواعدة وتضحية مباركة حتّى النّفس الأخير.

كلّنا نعلم معكم كيف اتّخذ الموقف الشّجاع مع أهل بلدة القليعة الصّامدة بالبقاء فيها، حفاظًا على أرضها من جهة، وشهادةً لرفضهم الحرب الهمجيّة بين حزب الله وإسرائيل الّتي يدفع ثمنها اللّبنانيّون المخلصون لوطنهم رغمًا عنهم من جهة ثانية.

إنّا نصلّي معكم لكي يكون استشهاده فداءً عن أبناء القليعة العزيزة وكلّ لبنان واللّبنانيّين رافضي هذه الحرب، والرّاغبين في السّلام العادل والشّامل والدّائم.

يشارك اليوم، مع أبرشيّة صور وأهالي دبل والقليعة، قضاة محاكمنا المارونيّة وموظّفوها القضائيّون والعاملون فيها، والمحامون، إذ يقيمون قدّاسًا لراحة نفسه يترأّسه سيادة أخينا المطران حنّا علوان المشرف على محكمتنا الابتدائيّة الموحّدة الّتي يعمل فيها الشّهيد الخوري بيار، بمشاركة صاحبي السّيادة المطران مارون العمّار رئيس المحكمة البطريركيّة الاستئنافيّة، والمطران الياس سليمان المشرف على توزيع العدالة في محاكمنا المارونيّة.

وإنّا نوفد إليكم سيادة أخينا المطران الياس نصّار، نائبنا البطريركيّ السّامي الاحترام، ليرأس بإسمنا الصّلاة لراحة نفسه وينقل إليكم تعازينا الحارّة، سائلين له الرّاحة في الملكوت السّماويّ، ولكم العزاء، والتّعويض على الكنيسة بكهنة قدّيسين."