بيتسابالا للمكرّسين: أنتم علامة مرئيّة للكنيسة
وفي عظته، توسّع بيتسابالا قائلًا بحسب إعلام البطريركيّة: "في احتفال اليوم نجد أنفسنا عند تقاطع ثلاثة آفاق كبرى: تاريخ خلاص إسرائيل، الإعلان النّهائيّ والكامل في المسيح، العلامة النّبويّة للكنيسة، أيّ حياتكم أنتم المكرّسين. إنَّ تقدمةَ الرّبِّ إلى الهيكل ليست مجرّدَ حدثٍ من طفولة يسوع؛ بل هي تحقيقٌ نبويٌّ مُشِعّ، وفي الوقت عينه نقطةُ تحوُّل.
يصعد كلّ من مريم ويوسف إلى الهيكل لإتمام طقسين مرتبطين بالشّريعة القديمة (راجع لا 12؛ خر 13: 12–13): تطهير الوالدة وتقديم البكر للرّبّ. إنّها لفتة عائلة فقيرة (يقدّمون زوج حمام، قربان الفقراء) الّتي تتناغم بتواضع وإخلاص مع طول انتظار شعبهم، وفي هذه الطّاعة للشّريعة، يتحقّق ما يتخطّى الظّاهر ويتجلّى جوهره. لم يعد الإنسان وحده هو الّذي يقدّم البكر الى الله، بل الله نفسه الّذي في ابنه، يقدّم نفسه للإنسان. هذا الحدث هو أوّل دخول للمسيح إلى بيته. يصف الإنجيليّ لوقا هذه اللّحظة بحكمة لاهوتيّة عظيمة، باستخدام كلمات تذكر بنبوءة ملاخي: "ويَأتي فَجأَةً إِلى هَيكَلِه السَّيِّدُ الَّذي تَلتَمِسونَه.." (ملاخي 3: 1). ففي ذلك الطّفل يعود مجد الله، الّذي كان قد فارق الهيكل قبل السّبي (راجع حز 10)، عودةً نهائيّة ولكن غير متوقَّعة: في ضعف الجسد البشريّ.
وهنا نلتقي شاهدَي الرّوح: سمعان وحنّة. إنّهما يمثّلان إسرائيل الأمين والفقير، ذاك الّذي "يَنتَظِرُ الفَرَجَ لإِسرائيل" (لو 2: 25) و"يَنتَظِرُ ٱفتِداءَ أُورَشَليم" (لو 2: 38). ليسا من أصحاب السّلطة في السّنهدرين، بل من "فقراء الرّبّ" (العناويم)، الّذين يعيشون في الإيمان والانتظار والصّلاة. قربهما من الله مكّنهما من التّعرّف إلى المسيح حين جاء في أكثر الأشكال تواضعًا. سمعان، بإلهام الرّوح القدس، ينطق بكلمات هي إنجيل مصغّر ونبوءة للكنيسة ولكلّ واحدٍ منّا.
ترنيمته("Nunc dimittis, Domine ...")وهي "الآنَ تُطلِقُ، يا سَيِّد، عَبدَكَ بِسَلام،…"، ترنيمة تحقيق النّبوءة. يرى في جسد الطّفل الخلاص الّذي أعدّه الله لجميع الشّعوب: "نُورًا يَتَجَلَّى لِلوَثَنِيِّين" (لو 2: 32). إنّه تحقيق وعد إشعيا لعبد الرّبّ: "قد جَعَلتُكَ نورًا لِلأُمَم" (إش 49: 6). لكنّ النّور، في الحال، يُلقي ظلّ الصّليب. فهذا الطّفل سيكون "آيَةً مُعَرَّضَةً لِلرَّفْض" (لو 2: 34). الصّورة قويّة: sēmeion antilegomenon تعني حرفيًّا علامة يُعارَضها المرء بالكلمات. فالمسيح هو المعيار النّهائيّ للتّمييز، وحجر العثرة الّذي تصطدم به القلوب (راجع 1 بط 2: 7–8؛ لو 20: 17–18). إنّ إعلان النّور يجبرنا على الخروج من الظّلمة، وهذا هو الدّينونة، والسّيف. السّيف الّذي سينفذ في نفس مريم (لو 2: 35) ويعلن اشتراكها الفريد في قصّة الفداء. فهي أمّ المخلّص، وأيضًا أولى التّلميذات اللّواتي يتبعنه إلى الصّليب (راجع يو 19: 25)، مشاركةً بنفسها في تقدمته. وأخيرًا يكشف سمعان غاية هذا السّرّ: "لِتَنكَشِفَ الأَفكارُ عَن قُلوبٍ كثيرة" (لو 2: 35). إنّ حضور المسيح يفضح حقيقة الإنسان العميقة، ما يسكن قلبه: القبول أو الرّفض، الحبّ أو اللّامبالاة.
وماذا يعني كلّ هذا لنا، نحن المكرّسين، هنا في الأرض المقدّسة؟ نحن مدعوّون لأن نكون معًا، كجماعة مكرّسة، شهودًا على مثال "سمعان وحنّة". إنّ حياتكم، في جوهرها، هي اعتراف علنيّ للانتظار. أنتم لا تنتظرون المسيح بعد الآن، بل تنتظرون اكتمال ظهوره وعودته المجيدة. في أرضٍ تبدو فيها الوعود أحيانًا مخذولةً بالتّاريخ، حضوركم علامة حيّة على أمانة الله. وعلى مثال سمعان وحنّة، فإنّ سلطتكم لا تأتي من القوّة، بل من قربكم من الله في الصّلاة، وانتظاركم الأمين، وقدرتكم على التّعرّف على علامات حضوره حيث لا يرى الآخرون سوى الصّراع. "كانَت حَنَّةُ ٱبنَةُ مُتَعَبِّدَةً بِالصَّومِ والصَّلاةِ لَيلَ نَهار" (لو 2: 37). هذه هي خدمتكم الأساسيّة في هذه الأرض: أن تكونوا أعمدة للصّلاة، وشفعاء لا يكلّون.
لنستقبل المسيح كما يهبُ نفسه. لم يستقبل سمعان مسيحًا منتصرًا، بل طفلًا من أبوين فقيرين. إنّ الحياة المكرَّسة مدعوّة إلى استقبال المسيح وإظهاره فيkenōsis ، أيّ في تجريده من ذاته (في 2:7). وفي أرضٍ تُثبَّت فيها الهويّات بالقوّة وبالمطالبة، يصبح نذوركم علامةً نبويّةً تعاكس هذا المنطق.
الفقر، في أرضٍ موسومةٍ بعدم المساواة والحرمان، يعلن أنّ الله هو الغنى الحقيقيّ، وأنّ الهويّة الأخيرة ليست في الأرض أو القوميّة، بل في كوننا أبناء أبٍ واحد.
العفّة، في أرضٍ ممزّقة بعلاقاتٍ مقطوعة، تعلن أنّ الحبّ الأمين والمجّانيّ ممكن؛ فهي تبني إخاءً عالميًّا تتغلّب على كلّ حاجز عرقيّ وطائفيّ، وتُظهر حبًّا لا يمتلك بل يبذل نفسه.
الطّاعة، في سياق الصّراع والمعارضة، تظهر أنّ التّاريخ لا يُترك للفوضى، بل يمكن أن يكون إصغاءً وتمييزًا؛ وتشهد الطّاعة بأنّ الحرّيّة الحقيقيّة تولد من الإصغاء لإرادة الحبّ الّذي يسبقنا، مقدِّمةً نموذجًا بديلًا عن الاكتفاء الذّاتيّ والخلاف.
كلّ يوم، بإيماءاتكم وأعمالكم البسيطة والمخلصة، تتيحون للمسيح أن يدخل من جديد إلى هيكله. ومثل سمعان وحنّة، أنتم أيضًا تعرفون الرّبّ وتخدمونه حيث الحاجة أشدّ، في:
التّربية: من خلال المدارس ومراكز التّنشئة، تُعدّون من هم أنوار المستقبل للأمم. التّربية هنا يعني تعليم الشّباب أنّ يخرجوا من ظلمات التّحيّز والحقد، وكشف لهم الحقيقة العميقة للإنسانيّة، وهي القبول والمحبّة.
الخدمة الاجتماعيّة: في دور رعاية المسنّين، والمستشفيات، واستقبال المهمّشين، أنتم تلمسون جسد المسيح في ضعفه. وكما قدّم مريم ويوسف تقدمة الفقراء، تكون محبّتكم فداءً يوميًّا لمنسيّين، مُظهرين ما يمثّله مفهوم "تعزية إسرائيل".
التّأمّل: أنتم على مثال حنّة الّتي كانت تخدم الله ليلًا ونهارًا بالصّوم والصّلاة. إنّ الحياة التّأمّليّة في كنيستنا هي ركيزة للشّفاعة والصّلاة الّتي لا تكلّ. "ثباتكم" الرّوحيّ هو صورة قويّة لأمانة الله الّذي لا يترك شعبه.
نحن نحمل النّور، عالمين أنّه يثير المعارضة. فالنّور الّذي دُعينا إلى عكسه لا يجلب الاطمئنان، بل يُدين ظلام العالم. إنّ وجودكم ذاته، إذا كان حقيقيًّا، سيكون "آيةً مُعرَّضةً للرَّفض"، سيُساء فهمكم من قِبل أولئك الّذين يبحثون فقط عن حلول سياسيّة أو عسكريّة. سوف يستجوبكم أولئك الّذين لا يفهمون الثّمار الّتي ليست ديموغرافيّة أو ناجحة على الفور. كما هو الحال مع مريم، قد يكون هذا لكم سيفًا يخترق النّفس. ولكن مشاركتكم في ذات المعارضة الّتي تعرّض لها المسيح هي بالضّبط ما يضفي مصداقيّة على شهادتكم.
دعونا نبقى في الهيكل. فالهيكل هو مكان اللّقاء والتّضحية والصّلاة. حياتكم المكرَّسة مدعوّة لأن تكون "هيكلًا روحيًّا"في هذه الأرض (راجع 1 بط 2: 5). إنّ ثباتكم الجسديّ والرّوحيّ في الأرض المقدّسة، ولاسيّما في الأماكن الأصعب، صورة قويّة لأمانة الله الّذي لا يتخلّى عن شعبه. ليس ثباتًا غير فعّال، بل ثباتًا "فيه" (يو 15: 4)، كالأغصان المتّحدة بالكرمة، تثمرون ثمار المحبّة، والغفران، والمصالحة، والتّربية، والعناية، وهي ثمار لا سياسة قادرة على إنتاجها.
أيّها الأحبّاء، اليوم لا تشكركم الكنيسة فحسب، بل تعترف فيكم كسرٍّ مقدّس: أنتم علامة مرئيّة للكنيسة العروس الّتي تنتظر عريسها، وللكنيسة الفقيرة الّتي تعيش معتمدة على العناية الإلهيّة، والكنيسة المُطيعة والمُصغية للكلمة. وفي الأرض المقدّسة، تُجسّدون على نحوٍ خاصّ وبشكل كبير دعوة الكنيسة إلى أن تكون "نور الأمم".
لنقدّم اليوم، مع مريم ويوسف، حياتنا للآب. ولنطلب شجاعة سمعان لاحتضان الرّبّ في واقعه، حتّى حين يحمل الصّليب. ولنطلب مثابرة حنّة في خدمة الله بفرح. ولنستودع أنفسنا إلى مريم، أمّ المخلّص وابنة صهيون، الّتي كانت تحفظ كلّ شيءٍ في قلبها (لو 2: 51). هي الّتي عرفت سيف الألم، تُعلّمنا أن نبقى أمناء، لأنّ مصباحًا واحدًا، يُغذّيه زيت الإيمان والمحبّة، يكفي لإبقاء الرّجاء متّقدًا في ليلٍ طويل الأمد... وسيأتي فجر الفصح."
