ثقافة ومجتمع
20 شباط 2020, 10:30

بين "السّكارى" و"الذّكارى"، ما حقيقة تسمية هذا الخميس؟

ريتا كرم
بين العيد والعادة، مشهد يتكرّر سنويًّا في كلّ بيت مسيحيّ ليلة الخميس السّابقة للصّوم الكبير: المائدة جُهّزت، كلّ أنواع المأكولات حُضّرت للمناسبة من بياض ولحوم ودسم، الكلّ متحلّق حولها وها إنّ كأس الخمر يأتي ليترافق مع القائمة المعدّة ويكمّلها. وبين اللّقمة والأخرى، رشفة من هذا الكأس ونخب يرفعه المجتمعون: "كاس هالجَمعة!"، "عقبال كلّ سنة!"... "يرحم موتاكم!" ولكن لماذا النّخب الأخير؟

ومنذ بضع سنوات نشأ جدل حول التّسمية الصّحيحة لهذا الخميس السّابق لأحد المرفع، هل هو خميس "السّكارى" أم الذّكارى"؟

وفي هذا السّياق، يوضح رئيس أنطش دير سيّدة التّلّة- دير القمر وخادمه الأب جوزيف أبي عون الجدل القائم حول هذا الموضوع، فيقول:  

"بالواقع، هذه المناسبة ليست بمناسبة ليتورجيّة أو كنسيّة، بل تقليد مسيحيّ اجتماعيّ قديم يجتمع فيه العائلات والأصدقاء، فيفرحون بأكل اللّحوم المسموحة طيلة الأسبوع. وهذه اللّحوم تُهيّأ بأحد المرفع، كما يُسمّى "أحد الدّبيح"، أيّ كما كانت العادة، كانت كلّ عائلة تربّي خروفًا أو جديًا، أو أكثر حسب حاجة كلّ عائلة، ويُذبح في أحد المرفع، أيّ في بداية أسبوع المرفع.    

ويوم الخميس هو الذّروة في الملتقى، فيلتئمون حول المائدة، ويتشاركون الأكل وشرب العرق أو النّبيذ، ويفرحون ويغنّون الأغاني البلديّة الفولكلوريّة... فكانت- ونتمنّى أن تبقى- من أجمل المناسبات وأحلاها في اجتماع العائلات والأصدقاء.

ليس من الضّرورة بلوغ السّكر، لكن إسمه هكذا "خميس السّكارى"، للإشارة إلى وجوده في أسبوع المرفع السّابق لزمن الصّوم، حيث كان غير مسموح أكل "الزّفرة" وشرب الكحول.

وكم من الشّبّان والشّابّات "راحو" خطيفة ليلة خميس السّكارى وتكلّلوا يوم الأحد، أحد عرس قانا الجليل... كانت كنائسنا تعجّ بأفراح الأكاليل خلال أسبوع المرفع.

هو يوم "خميس السّكارى" وليس "خميس الذّكارى"، كما يُقال إنّه حدث تحريف للكلمة، إذ لا يوجد في اللّغة العربيّة "ذكارى"... نحن نتذكّر موتانا لكن بفرح وسلام. وأسعد شيء على قلوب الّذين سبقونا هو أن نكون مجتمعين على المحبّة والوئام والإلفة... والمائدة هي الرّمز والعلامة...

إنّ المسيحيّة ليست جماعة الحزن فقط، بل هي الجماعة الّتي تعرف أن تفرح مع الفرحين وتحزن مع المحزونين... يسوع فرح بعرس قانا الجليل وحزن مع أختيْ ألعازر مرتا ومريم...".

إذًا فلنستطيب اللّقاء ونستطيب طعامه ومشروبه بجوّ فرح ومحبّة يرسّخ الرّوابط العائليّة ويشدّ أواصرها، ولنحوّل هذه السّهرة إلى "ذكرى" طيّبة في سجلّ ذكريات لقاءاتنا العائليّة، ولنتذكّر من سبقونا إلى الآب، مهيّئين أنفسنا لزمن الصّوم، متذكّرين خمرة المسيح الّتي شربها تمهيدًا لموته وقيامته بأجواء محبّة وفرح وأخوّة.