رسالة يونان إلى الكهنة في خميس الأسرار: جبلتني واضعًا يدك عليّ
وفي هذه الرّسالة كتب:
"إخوتي الأجلّاء أصحاب السّيادة رؤساء الأساقفة والأساقفة الجزيلي الاحترام
وأبنائي الأحبّاء الخوارنة والكهنة الأفاضل
بعد إهدائكم البركة الرّسوليّة والمحبّة والدّعاء والسّلام بالرّبّ يسوع مخلّصنا ومثالنا في الخدمة الكهنوتيّة:
"ܓܒܰܠܬܳܢܝ̱ܘܣܳܡܬܝ̱ܥܠܰܝܐܺܝܕܳܟ"
"جبلتَني واضعاً يدكَ عليَّ" (مز139: 5)
أيّها الإخوة والأبناء الرّوحيّون الأعزّاء،
بهذا العنوان المبارَك المستقى من سفر المزامير (التّرجمة السّريانيّة البسيطة ܦܫܺܝܛܬܳܐ)،يسرّني أن أكتب إليكم لنتبادل التّهاني القلبيّة بمناسبة تأسيس سرّ الكهنوت المقدّس، يوم خميس الأسرار. فنتأمّل بعمق في سرّ دعوتنا المقدّسة ورسالتها السّامية في قلب الكنيسة، متشاركين فرح خدمتنا وشجونها، وموطّدين الوحدة الرّوحيّة والمحبّة الّتي تجمعنا بربّنا يسوع المسيح، الرّاعي الصّالح.
الكاهن رجل الله
يقول القدّيس البابا بولس السّادس: "الكاهن هو رجل الله، خادم الرّبّ، بإمكانه القيام بأعمال تتجاوز القدرة الطّبيعيّة، لأنّه يعمل "بشخص المسيح"، هو يملك فضيلة سامية، ويكون، بتواضعه وجلاله، أداةً فعّالة لها في بعض الأحيان. إنّه أداة الرّوح القدس. ثمّة علاقة فريدة، وتفويض، وثقة إلهيّة تربطه بالعالم الإلهيّ" (من رسالته إلى جميع كهنة الكنيسة الكاثوليكيّة، 30 حزيران 1968). من هنا، الكهنوت ليس وظيفة ولا مجرَّد خدمة اجتماعيّة، بل هو سرّ عظيم، فيه يضع الله يده على إنسانٍ ضعيف ليجعله أداةً لعَمَلِه الخلاصيّ. هو هذا الكنز الّذي "نحمله في آنيةٍ مِن خَزَف" (2كور4: 7). فمنذ البدء، جَبَلَنا الله واضعًا يده علينا، واختارنا للتّكرُّس له بمحبّته الّتي قادته إلينا، على حدّ قول المفريان الذّائع الصّيت مار غريغوريوس يوحنّا ابن العبريّ: «ܚܽܘܒܳܟܢܰܓܕܰܢܝ̱ܠܰܡܟܰܗܳܢܽܘܠܳܟܥܰܙܺܝܙܳܐ»،وترجمتها: "لقد قادتني محبّتك لأتكرّس لك بالكهنوت أيّها القدير".
الدّعوة الكهنوتيّة إذًا هي ثمرة محبّة الله، هي مبادرة حبّ إلهيّ اختارنا لنكون رعاةً بحسب قلبه، حاملين بشرى الخلاص، موزِّعين الأسرار، وناقِلين المسيح للآخرين: "قبل أن أصوِّرَك في البطن عرفتُك، وقبل أن تخرج من الرّحم قدّستُك، وجعلتُك نبيًّا للأمم" (إر1: 5). هذه الكلمة الّتي قيلت للنّبيّ، تنطبق على كلّ دعوة كهنوتيّة، إذ يختار اللهُ الكاهنَ منذ الأزل ليكون شاهدًا لحضوره ووسيطًا لنِعَمِه.
الكاهن إنسان يختاره الله من بين النّاس ليكون لهم: "لأنّ كلّ رئيس كهنة مأخوذ من بين النّاس، يُقام لأجل النّاس في ما لله، ليقرِّب قرابين وذبائح عن الخطايا" (عب5: 1). لا يعيش الكاهن لنفسه، بل هو مكرَّس بالكامل لشعب الله، حاضر بينهم، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويقودهم إلى الله بالصّلاة والتّعليم والشّهادة. فالكاهن، على حدّ قول البابا بنديكتوس السّادس عشر، "يُدعى ليقود المؤمنين المُوكَلين إليه: إلى الحياة الحقيقيّة، إلى "حياة وافرة" (را. يو١٠: ١٠)... هو الشّخص الوحيد الّذي يشارك بشكلٍ فريد في سرّ ذبيحة المسيح من خلال اتّحاد شخصيّ معه، وذلك لتوسيع نطاق رسالته الخلاصيّة" (من موعظته يوم الأحد الرّابع من زمن القيامة، 29 نيسان 2012).
الكهنوت علامة تكريس ومسؤوليّة
إنَّ يد الله الموضوعة على الكاهن هي علامة تكريس، لكنَّها أيضًا مسؤوليّة جسيمة، تتطلَّب أمانة يوميّة، وتواضعًا عميقًا، وانفتاحًا دائمًا وتامًّا على عمل الرّوح القدس. فاللَّه، إذن، دعانا بمحبّته: "لأنّه هكذا أحبَّ الله العالمَ حتّى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كلُّ من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة" (يو3: 16). أحبَّنا الله حتّى المُنتهى، كما يقول الإنجيل: "إِذ كان قد أحبَّ خاصَّته الّذين في العالم، أحبَّهم إلى المنتهى" (يو13: 1).
ظهرت محبّة الرّبّ لنا بمجرَّد أن جَبَلنا فاختارنا، على حدّ قول كاتب المزمور «ܓܒܰܠܬܳܢܝ̱ܘܣܳܡܬܝ̱ܥܠܰܝܐܺܝܕܳܟ» "جبلتَني واضعًا يدكَ عليَّ" (مز139: 5)، ولأنَّه أحبَّنا وضع يَدَه علينا ودعانا للكهنوت، دعانا للتّكرُّس لاسمه. لكنَّ هذا الاختيار لا يكتمل إلّا بتجاوبنا وبقولنا "نعم" له، على مثال أمّنا مريم العذراء الّتي أعلنت تسليمها لمشيئة الرّبّ: "ها أنا أمة الرّبّ، ليكن لي كقولكَ" (لو1: 38). نحن اليوم مدعوّون أن نكون أحبّاء الرّبّ، وأن نقول له "نعم"، مسلّمين حياتنا له. "يدعونا الرّبّ أحبّاء، ويجعلنا أحبّاءه، ويعهد إلينا بنفسه، ويعهد إلينا بجسده في سرّ القربان المقدّس، ويعهد إلينا بكنيسته. لذلك، يجب أن نكون أصدقاء حقيقيّين له، وأن نتشارك معه نفس الرّؤية، وأن نرغب فيما يريده لا فيما لا يريده. يقول لنا يسوع نفسه: "أنتم أحبّائي إن فعلتم ما أوصيكم به" (يو15: 14). فلنجعل هذا عزمنا المشترَك: أن نعمل جميعًا معًا حسب إرادته، الّتي فيها حرّيّتنا وفرحنا" (من كلمة البابا بنديكتوس السّادس عشر إلى الإكليروس في روما، الجمعة 13 أيّار 2005). وبذلك نعيش بتكرّسنا سيرةً فاضلةً مزيَّنةً بالأعمال الصّالحة، يشعّ منها نور المسيح.
هذه أمانة كبرى نحملها على أعناقنا، أن نبقى ممتلئين من يسوع. ولا يظنَّنَّ أحدٌ منّا أنّه حصل على الملء الكامل، بل نحن في مسيرة امتلاء دائمة من الرّبّ، نحتاج دومًا أن نجدِّد عهدنا معه، ونستعيد ذكرى يوم رسامتنا الكهنوتيّة، اليوم الّذي فيه بدأنا هذا العهد معه وسلّمنا حياتنا له. كما يجاهر بولس الرّسول: "إحفظ الوديعة الصّالحة بالرّوح القدس السّاكن فينا" (2تيم1: 14)، هذه الوديعة الكهنوتيّة سلّمنا إيّاها الرّبّ منذ أن جَبَلَنا، ونحن مدعوّون كي ننمّيها، فنتاجر بالوزنة الّتي ائتمننا عليها ولا نطمرها، لنبقى مخلصين في خدمتنا وسيرتنا الصّالحة، وأمناء لدعوة المحبّة الّتي جذبَتْنا وسحرَتْنا منذ أن أحبّنا الرّبّ ووضع يده علينا. لننقل، أحبّائي، هذا الإيمان السّليم إلى المؤمنين بكرازتنا الصّادقة، بسيرتنا الصّالحة، بكلماتنا الوديعة، بمواقفنا الرّصينة، بكتاباتنا المسؤولة والهادفة للخير والبناء، لاسيّما على مواقع التّواصل الاجتماعيّ، ودومًا بالمحبّة المقرونة بالحقيقة، كما يعلّمنا البابا بنديكتوس السّادس عشر.
الكهنوت سرّ حبّ
الدّعوة الكهنوتيّة هي سرّ حبّ، فيها يختار اللهُ الإنسانَ ليكون خادمًا كلمته وأسراره، كما أوضح يسوع لتلاميذه: "ليس أنتم اخترتُموني بل أنا اخترتُكم وأقمتُكم لتذهبوا وتأتوا بثمرٍ ويدوم ثمركم" (يو15: 16). هذه الكلمة تكشف لنا أنَّ الكاهن لا يختار الكهنوت بنفسه، بل يُختار من الله، ولا يُرسِل نفسه، بل يُرسَل، ولا يعمل بقوَّته الذّاتيّة، بل بقوَّة المسيح السّاكن فيه، بحيث يضحي هيكلًا يحلّ فيه الرّبّ سكناه، على حدّ تعبير آباء كنيستنا السّريانيّة: «ܫܽܘܒܚܳܐܠܪ̈ܰܚܡܰܘܗ̱ܝ̱ܕܰܐܠܳܗܳܐܕܠܳܐܡܶܬܕܰܪ̈ܟܺܝܢ܆ܕܕܽܘܟܬܳܐܙܥܽܘܪܬܳܐܫܳܩܶܠܠܶܗܡܶܢܒܰܪܢܳܫܳܐܕܢܶܫܪܶܐܒܳܗ̇܆ܕܢܶܥܒܕܺܝܘܗ̱ܝ̱ܗܰܝܟܠܳܐܠܪܰܒܽܘܬܶܗܘܰܫܟܺܝܢܬܳܐܠܰܐܠܳܗܽܘܬܶܗ. ܢܰܦܫܳܐܥܒܺܝܕܳܐܠܶܗܒܰܝܬܳܐ܆ܘܠܶܒܳܐܥܒܺܝܕܡܰܕܒܰܚܩܽܘܕܫܳܐ܆ܕܒܶܗܗܽܘܬܶܫܪܶܐܘܬܶܫܬܰܡܰܫܝ̱ܐܰܠܳܗܽܘܬܳܐܡܪܰܝܰܡܬܳܐ»،وترجمته: "المجد لمراحم الله غير المدرَكة، إذ يأخذ له مكانًا صغيرًا من الإنسان ليحلّ فيه، ويجعل منه هيكلًا لربوبيّته ومسكنًا لألوهته. النّفس تضحي بيتًا له، والقلب يصبح المذبح المقدّس، والّذي فيه تحلّ الألوهة السّامية وتُخدَم".
لا تقتصر مسؤوليّة الكاهن على الاحتفال باللّيتورجية أو إدارة الرّعيّة، بل تمتدّ لتشمل الحضور الشّخصيّ والإنسانيّ مع شعبه. الكاهن هو أب وأخ ورفيق، يرافق المؤمنين في مسيرتهم الرّوحيّة، يفتح لهم أبواب الرّجاء، ويذكِّرهم دومًا بأنَّ الله قريب منهم، بخاصّة في هذه الظّروف الصّعبة الّتي نعيشها اليوم. وقد وجّه بولس الرّسول التّحذير بقوله: "ويلٌ لي إن كنتُ لا أبشِّر" (1كور9: 16)، فالكاهن لا يستطيع أن يصمت أمام عطيّة الإنجيل، بل يحملها كالنّار في قلبه، ويعلنها بفرح وجرأة، حتّى إن واجه الصّعوبات والاضطهادات.
أحبّائي،
إنَّ يد الله الموضوعة علينا هي يد محبَّة، لكنّها أيضًا يد مسؤوليّة. لقد جَبَلَنا الله ووضع يده علينا لنكون شهودًا لملكوته، ونكون حاضرين مع شعبه في كلّ الظّروف. الدّعوة الكهنوتيّة دعوة إلى الأمانة، إلى التّضحية، وإلى الثّبات في المحبّة. إنّها دعوة لنضحي "نور العالم" و"ملح الأرض" (مت5: 13-14). فلنجدِّد اليوم وعينا لهذه الدّعوة، ولنضع أنفسنا من جديد بين يدي الله، ضارعين إليه كي يثبّتنا في رسالتنا، ويجعلنا رعاةً بحسب قلبه، كما وعد في سفر إرميا: "أعطيكم رعاةً حسب قلبي فيرعونكم بالمعرفة والفهم" (إر3: 15).
وعلى مثال الرّاعي الصّالح، نصبح علامة حيّة لعمل الله في التّاريخ، حتّى إذا ما وقفنا أمامه في نهاية المسيرة، نسمع صوته يقول لنا: "نِعِمَّا أيُّها العبد الصّالح والأمين، كنتَ أمينًا في القليل، فأقيمك على الكثير، أدخُل إلى فرح سيِّدك" (مت25: 21).
أيّها الإخوة والأبناء الأحبّاء،
فيما أعبّر لكم عن عميق تقديري للخدمة الكنسيّة الجليلة الّتي تؤدّونها في هذه الظّروف العصيبة الّتي تمرّ بها بلدان الشّرق الأوسط، وفي ظلّ تحدّيات العلمنة والإلحاد الّتي تعمّ بلدان الانتشار في الغرب، أسأل الله أن يبارك خدمتنا جميعًا. ومع مار أفرام السّريانيّ نضرع سويًّا إلى الرّبّ يسوع، راعي الرّعاة، كي يمنحنا بحنانه أن نسمع ونصنع إرادته كلّ حين: «ܫܰܟܶܢܠܺܝܡܳܪܝ̱ܒܰܚܢܳܢܳܟ܆ܕܶܐܫܡܰܥܘܶܐܥܒܶܕܨܶܒܝܳܢܳܟ».
أختم بتجديد التّهنئة لكم جميعًا، وأمنحكم البركة، داعيًا لكم بأسبوع آلام خلاصيّ يقودنا إلى الفرح والسّلام في عيد القيامة المجيدة. المسيح قام، حقًّا قام. والنّعمة معكم.
ودمتم للمحبّ."
