ساكو: تجارب يسوع هي تجاربنا
ويشرح ساكو بحسب إعلام البطريركيّة: "إنّ إدراك الإنسان للواقع صعبٌ إلى حدٍّ ما في عصر الإنترنت وتضليل وسائل التّواصل الاجتماعيّ والذّكاء الاصطناعيّ. كيف يمكننا أن نعرف أنّ ما نتصوّره هو بالفعل حقيقة؟ لكي نتصرّف بطريقة سليمة، إنّنا نحتاج إلى التّمييز عبر العقل، والخبرة، والحسّ السّليم، والحدس والاستشارة.
تحمل لنا تجاربُ يسوع في طيَّاتِها بُعدًا روحيًّا عميقًا ورسالةَ رجاء، وتشجيعًا كبيرًا وسط مجتمع يسوده حبّ الذّات، والفرديّة والمصالح والكذب والفساد…
يحذّرنا يسوع من الكبرياء والسّلطة والمال، ومن الشّياطين الّذين يحاولون إغراءنا بالمال. نحن في زمن الصّوم الكبير، لنحوّل التّجارب إلى طريق للاتّحاد بالمسيح من خلال التّركيز على الصّلاة، والبساطة والتّواضع والخدمة بمحبّة وسخاء وتجرّد .
يُشير إنجيل متّى إلى صوم يسوع وتجاربه مقارنة بتجربة آدم وحوّاء. يسوع يُلجم المجرّب ويحجمه بأجوبةٍ صريحة مقتبسة من الكتاب المقدّس، رافضًا رفضًا قاطعًا إغراءات الشّيطان، بينما سقط آدم وحوّاء في فخِّه، وكان سقوطهما عظيمًا.
يدعونا يسوع في صمت زمن صومنا، إلى اتّباع مثاله بشجاعة، والالتزام به، وعدم الانجرار وراء المغريات الّتي نتعرّض لها. لنُنصت إلى ما يقوله المزمور 55 الّذي نتلوه في صلاة مساء الصّوم: "أَلقِ على الرَّبِّ حِملَكَ وهو يَعوُلكَ ولا يَدَعُ البارَّ يَتَزَعزَعُ لِلأَبد" (مزمور 55/21)، ولكن هناك من لا يقرأ ولا يفهم: "الغَبِيُّ الّذي لا يَعلَمُ هذا والجاهِلُ الّذي لا يَفهَمُه" (مزمور 92/7).
التّجارب الثّلاث الكبرى الّتي ينقلها إنجيل متّى (4/1-11)، والّتي واجهها يسوع كإنسان، في نهاية صيامه في البرّيّة تُشكّل لحظة بالغة الأهمّيّة في تاريخ الخلاص: فالكلمة المتجسِّد تحمّل بكامل حرّيّته الحالة البشريّة القابلة للخطيئة، وتعرّض للتّجربة.
تجارب- إغراءات السّلطة والمال، هي السّبب في النّزاعات والحروب وزعزعة السّلم العالميّ. هذه التّجارب تتجذّر في داخلنا- قلبنا، وتظهر سواء في أفعالنا اليوميّة، أو في علاقتنا مع الآخرين، وفي مجتمعاتنا. أليس من أجل تجنّبها نطلب في صلاة أبانا الّذي "(لا تدعنا نسقط في التّجربة)؟
ورد نصُّ التجارب أيضًا في إنجيل لوقا(4/ 1–13)، لكن بنبرة مختلفة.
متّى، يهوديّ متشبّع بالثّقافة العبريّة (العهد القديم)، يقدّم لليهود تعاليم ليستوعبوها. أمّا لوقا فيخاطب القادمين من الأمم الوثنيّة، فيحرص على تكييف تعليمه مع ثقافتهم.
التّجارب الثّلاث بحسب متّى تشكّك يسوع في هويّته:
التّجربة الأولى:"إِن كُنتَ ابنَ الله، فمُرْ أَن تَصيرَ هذِه الحِجارةُ أَرغِفة. فأَجابَه: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله."
التّجربة الثّانية:"ومَضى بِه إِبليسُ إِلى المدينَةِ المُقدَّسة وأَقامَه على شُرفَةِ الهَيكل، وقال له: إِن كُنتَ ابنَ الله فأَلقِ بِنَفسِكَ إِلى الأَسفَل، لأَنَّه مَكتوب: يُوصي مَلائكتَه بِكَ فعلى أَيديهم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجرٍ رِجلَكَ، أجاب: لا تجرّب الرّبّ إلهك."
التّجربة الثّالثة: "ثُمَّ مَضى بِه إِبليسُ إِلى جَبَلٍ عالٍ جدًّا وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدُّنيا ومَجدَها، وقالَ له: أُعطيكَ هذا كُلَّه إِن جَثوتَ لي سـاجدًا. فقالَ له يسوع: اِذهَبْ، يا شَيطان! لأَنَّه مَكتوب: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وإيَّاهُ وَحدَه تَعبُد".الشّيطان، يريد أن يسرق ممالك العالم الّتي ليست له ويمنحها ليسوع. هذا هو الفساد بعينه.
يبيّن يسوع تفوّق الرّوح على الجسد، وخدمة المحبّة على السّلطة، والتّجرّد عن المال. ثروتنا ليست في سلطتنا ومالنا، بل في إيماننا وروحانيّتنا ومحبّتنا وخدمتنا المتجرّدة.
يقدّم يسوع بأجوبته، تعليمًا أخلاقيًّا صارمًا، يهمّنا جميعًا، حتّى نقوم بقلع الشّرّ من جذوره، من أعماق القلب. هذا التّعليم الواضح ينبغي أن يرنّ في آذان السّياسيّين والفاسدين الّذين يتكلّمون عن المثاليّات! هذا يتطلّب فحص الضّمير بصرامة، والالتصاق بالله لكي ننتصر على التّجارب. يقول مار بولس: "فليكن فيكم هذا الفكر الّذي في المسيح يسوع" (فيلبّي5/2).
المسيحيّ يؤسّس وجوده على أجوبة يسوع الثّلاثة الّتي تعلن التّحرير الكامل الّذي يأتي به الإنجيل في قطاعات الحياة الأساسيّة: الشّهوة السّلطة والمال، وجاعلًا إيّاها موضوع هداية دائمة،لأنّ المشاعر البشريّة غالبًا ما تكون ملتبسة. وكما جسَّد يسوع في ذاته كلمة الله، هكذا المسيحيّ مدعوّ للسّير على خطاه في: "الطّريق والحقّ والحياة" (يوحنّا 14/6) ويحوّل التّجارب إلى شهادة حياة، وعلامة الرّجاء في عالم بائس!
"الصِّدّيقُ كالنّخلةِ يزهو، وكأرزِ لبنان يَنمو" (مزمور 12/ 92)."
