صدور رسالة البابا لزمن الصّوم، ومضمونها؟
وكتب البابا في سطور رسالته: "إنّ زمن الصّوم هو الزّمن الّذي تدعونا فيه الكنيسة، بعناية والديّة، لكي نُعيد وضع سرّ الله في محور حياتنا، لكي يستعيد إيماننا اندفاعه ولا يتشتّت القلب بين اضطرابات وانشغالات الحياة اليوميّة. إنّ كلّ مسيرة ارتداد تبدأ عندما نسمح لكلمة الله بأن تبلغنا ونقبلها بطاعة روح. هناك رابط، إذن، بين عطيّة كلمة الله، وفسحة الضّيافة الّتي نقدّمها لها، والتّحوّل الّذي تحدثه فينا. لهذا السّبب، يصبح مسار الصّوم فرصة سانحة لإمالة الأذن لصوت الرّبّ وتجديد القرار باتّباع المسيح، والسّير معه في الطّريق الصّاعد إلى أورشليم، حيث يكتمل سرّ آلامه وموته وقيامته.
أودّ هذا العام أن ألفت الانتباه، أوّلًا، إلى أهمّيّة إفساح المجال للكلمة من خلال الإصغاء، لأنّ الاستعداد للإصغاء هو العلامة الأولى الّتي تُظهر الرّغبة في الدّخول في علاقة مع الآخر. إنّ الله نفسه، بكشفه عن نفسه لموسى من العليقة المشتعلة، يظهر أنّ الإصغاء هو سمة مميّزة لكيانه: "إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَذَلَّةَ شَعْبِي الَّذِي فِي مِصْرَ وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ". إنّ الإصغاء لصرخة المظلوم هو بداية تاريخ من التّحرير، يشرك فيه الرّبّ موسى أيضًا، مرسلًا إيّاه لفتح طريق خلاص لأبنائه الّذين استُعبدوا. إنّه إلهٌ يُشركنا معه، ويصل إلينا اليوم أيضًا بالأفكار الّتي تجعل قلبه ينبض. لذلك، فإنّ الإصغاء للكلمة في اللّيتورجيا يربّينا على إصغاء حقيقيّ للواقع: فمن بين الأصوات الكثيرة الّتي تعبر حياتنا الشّخصيّة والاجتماعيّة، تجعلنا الأسفار المقدّسة قادرين على تمييز ذلك الصّوت الّذي يرتفع من الألم والظّلم، لكي لا يبقى بلا جواب. إنّ الدّخول في هذه الحالة الدّاخليّة من التّقبّل يعني أن نسمح لله اليوم بأن يعلّمنا كيف نصغي مثله، حتّى ندرك أنّ "حالة الفقراء تمثّل صرخة تسائل باستمرار، في تاريخ البشريّة، حياتنا ومجتمعاتنا والأنظمة السّياسيّة والاقتصاديّة، والكنيسة أيضًا".
إذا كان زمن الصّوم هو زمن الإصغاء، فإنّ الصّوم يشكّل ممارسة ملموسة تهيّئنا لقبول كلمة الله. إنّ الامتناع عن الطّعام، في الواقع، هو تمرين نسكيّ قديم جدًّا ولا غنى عنه في مسيرة الإرتداد. ولأنّه يشرك الجسد، فإنّه يجعل ما نحن "جائعون" إليه وما نعتبره ضروريًّا لقوتنا أكثر وضوحًا. فهو يعمل إذن على تمييز وتنظيم "الشّهوات"، وعلى إبقاء الجوع والعطش إلى البرّ متيقّظًا، وعلى حمايته من الاستسلام، وتدريبه لكي يصبح صلاة ومسؤوليّة تجاه القريب.
يُظهر القدّيس أوغسطينوس، بروحانيّة دقيقة، التّوتّر بين الزّمن الحاضر والكمال المستقبليّ الّذي يمرّ عبر حراسة القلب هذه، عندما يلاحظ أنّه: "في مجرى الحياة الأرضيّة، من حقّ البشر أن يجوعوا ويعطشوا إلى البرّ، ولكن إشباعهم ينتمي إلى الحياة الأخرى. إنَّ الملائكة يشبعون من هذا الخبز، من هذا الطّعام. أمّا البشر فيشعرون بالجوع إليه، وجميعهم يتوقون إليه. وهذا التّوق يوسّع الرّوح ويزيد من قدرتها". إنّ الصّوم، بهذا المعنى، لا يسمح لنا فقط بضبط الرّغبة وتطهيرها وجعلها أكثر حرّيّة، بل يسمح أيضًا بتوسيعها، بحيث تتّجه إلى الله وتوجّهنا إلى فعل الخير.
ومع ذلك، لكي يحافظ الصّوم على حقيقته الإنجيليّة ويبتعد عن تجربة كبرياء القلب، يجب أن يُعاش دائمًا في الإيمان والتّواضع. فهو يتطلّب أن يبقى متجذّرًا في الشّركة مع الرّبّ، لأنّه "لا يصوم حقًّا من لا يعرف كيف يتغذّى من كلمة الله". وبما أنّه علامة مرئيّة لالتزامنا الدّاخليّ بالابتعاد عن الخطيئة والشّرّ بدعم من النّعمة، يجب أن يشمل الصّوم أيضًا أشكالًا أخرى من الحرمان تهدف إلى جعلنا نكتسب أسلوب حياة أكثر تقشّفًا، إذ "وحده التّقشّف يجعل الحياة المسيحيّة قويّة وأصيلة".
لذلك أودّ أن أدعوكم إلى شكل من أشكال الامتناع الملموس والّذي غالبًا ما يُستهان به، ألا وهو الامتناع عن الكلمات الّتي تجرح وتؤذي قريبنا. لنبدأ بتجريد اللّغة من السّلاح، والتّخلّي عن الكلمات الجارحة، والحكم الفوريّ، والتّحدّث بسوء عن الغائب الّذي لا يستطيع الدّفاع عن نفسه، والافتراءات. ولكن لنبذل جهدًا لكي نتعلّم كيفيّة وزن الكلمات وتعزيز اللّطف: في العائلة، وبين الأصدقاء، في أماكن العمل، في وسائل التّواصل الاجتماعيّ، في المناظرات السّياسيّة، في وسائل الإعلام، وفي الجماعات المسيحيّة. عندها ستترك كلمات كراهيّة كثيرة مكانها لكلمات رجاء وسلام.
أخيرًا، يسلّط زمن الصّوم الضّوء على البعد الجماعيّ للإصغاء للكلمة وممارسة الصّوم. والكتاب المقدّس بدوره يؤكّد على هذا الجانب بطرق عديدة. على سبيل المثال، عندما يروي في سفر نحميا أنّ الشّعب اجتمع لسماع القراءة العلنيّة لسفر الشّريعة، وإذ مارس الصّوم استعدَّ للاعتراف بالإيمان والعبادة، لتجديد العهد مع الله. وبالطّريقة عينها، تُدعى رعايانا وعائلاتنا والمجموعات الكنسيّة والجماعات الرّهبانيّة للقيام بمسيرة مشتركة في زمن الصّوم، يصبح فيها الإصغاء لكلمة الله، وكذلك لصرخة الفقراء والأرض، شكلًا من أشكال الحياة المشتركة، ويعضد الصّوم توبة حقيقيّة. وفي هذا الأفق، يشمل الارتداد، بالإضافة إلى ضمير الفرد، أسلوب العلاقات، ونوعيّة الحوار، والقدرة على السّماح للواقع بمساءلتنا وتمييز ما يوجّه الرّغبة حقًّا، سواء في جماعاتنا الكنسيّة، أو في البشريّة العطشى إلى العدالة والمصالحة.
أيّها الأعزّاء، لنطلب نعمة صوم يجعل آذاننا أكثر انتباهًا لله وللآخرين. لنطلب قوّة صوم يمرّ أيضًا عبر اللّسان، لكي تقلّ الكلمات الّتي تجرح وتزداد المساحة لصوت الآخر. ولنلتزم لكي تصبح جماعاتنا أماكن تجد فيها صرخة المتألّم ترحيبًا، ويولّد الإصغاء مسارات تحرير، فنصبح أكثر استعدادًا وهمَّة في المساهمة في بناء حضارة المحبّة. أبارككم جميعًا من كلّ قلبي وأبارك مسيرتكم في هذا الصّوم."
