عودة في عيد الظّهور الإلهيّ: يذكّرنا الظّهور الإلهيّ بأنّ السّماء ما زالت مفتوحة
"في عيد الظّهور الإلهيّ نقف بخشوع أمام سرّ الله الذي أعلن في الجسد، حين دخل الرّبّ يسوع، الذي هو بلا خطيئة، مياه الأردن ليعتمد من يوحنّا، لكي يقدّس الخليقة ويكشف لنا طريق الخلاص. هذا العيد هو إعلان دائم لحضور الله في العالم، وانفتاح السّماء على الإنسان، وتجديد دعوة الخلاص لكلّ منا. يخبرنا الإنجيليّ متّى أنّ الرّبّ يسوع أتى من الجليل إلى الأردن ليعتمد من يوحنّا، فتعجب المعمدان وتراجع قائلًا: "أنا محتاج أن أعتمد منك، وأنت تأتي إليّ؟". يكشف هذا الحدث تواضع المسيح العميق، إذ يقبل أن يقف في صف الخطأة، ليس لأنّه محتاج إلى تطهير، بل لأنّه جاء ليحمل خطيئة العالم. يقول القدّيس غريغوريوس اللّاهوتيّ: "المسيح يعتمد لا ليغتسل، بل ليغسل المياه، فيغسلنا نحن معه". بنزوله إلى المياه يبدأ عمل الفداء، حيث تلتقي طهارة الإبن الإلهيّ بضعف الطّبيعة البشريّة، فتتقدس المياه وتزرع فيها قوّة الولادة الجديدة. عندما خرج الرّبّ يسوع من الماء انفتحت السّماوات ونزل الرّوح القدس بهيئة حمامة، وصوت الآب شهد قائلًا: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت". هنا يتجلّى الثّالوث القدّوس علنًا حيث الآب يشهد، والإبن يعتمد، والرّوح القدس ينحدر.
الظّهور الإلهيّ هو عيد الثّالوث القدّوس، حيث يعلن الله الواحد في ثلاثة أقانيم، لا كفكرة لاهوتيّة مجرّدة، بل كحياة تعطى للإنسان. يقول القدّيس كيرلس الإسكندريّ: "عند الأردن أعلن سرّ التّدبير، لأنّ الآب والإبن والرّوح القدس اشتركوا في خلاصنا". يرتبط هذا الإعلان الإلهيّ ارتباطًا وثيقًا بما يقوله الرّسول بولس في رسالته إلى تيطس عن نعمة الله التي ظهرت مخلّصة لجميع النّاس. فالظّهور الإلهيّ ليس حدثًا منعزلًا، بل تحقيق لنعمة الخلاص التي دخلت التّاريخ لتجدّد الإنسان وتربّيه على حياة جديدة، "لننكر النّفاق والشّهوات العالميّة، فنحيا في الدّهر الحاضر على مقتضى التّعقّل والعدل والتّقوى" كما يقول الرّسول بولس لتلميذه تيطس. إنّ المعمودية التي ابتدأها المسيح في الأردن ليست طقسًا بل انتقال من حياة قديمة إلى أخرى جديدة، من عبوديّة الخطيئة إلى حرّيّة أبناء الله، من الظّلمة إلى النّور. يؤكّد الرّسول بولس أنّ خلاصنا لم يكن بأعمال برّ عملناها نحن، بل برحمة الله، "بغسل الميلاد الثّاني وتجديد الرّوح القدس". هذا الغسل هو امتداد لمعموديّة المسيح في الأردن، حيث ندفن معه في الماء ونقوم معه بشرًا جددًا. يقول القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم: "كما خرج المسيح من الماء حاملًا شهادة الآب، هكذا يخرج المعتمد حاملًا ختم البنوّة، مدعوًّا أن يعيش كابن للنّور". لذلك يضعنا عيد الظّهور الإلهيّ أمام مسؤوليّة روحيّة عميقة. فالمسيح الذي ظهر في الأردن يدعونا لإظهاره في حياتنا اليوميّة، في قراراتنا وعلاقاتنا وشهادتنا وسط عالم مشوّش. إنّ نعمة الله التي ظهرت لا تلغي الجهاد، بل تمنحه معنى، إذ تصير حياتنا إستجابة محبّة لمن أحبّنا وبذل نفسه من أجلنا "ليفتدينا من كل إثم، ويطهّر لنفسه شعبًا خاصًّا غيورًا على الأعمال الصّالحة".
وإختتم: "في عالم اليوم، حيث يضيع الإنسان بين الضّجيج والقلق ، يذكّرنا الظّهور الإلهيّ بأنّ السّماء ما زالت مفتوحة، وأن الرّوح القدس ما زال يعمل، وصوت الآب ما زال يدعونا أبناء أحبّاء. لم يكن الأردن نهاية الحدث، بل بدايته، لأنّ المسيح بعد المعموديّة خرج ليخدم ويعلّم ويشفي ويخلّص. هكذا نحن، بعد أن ننال نعمة المعموديّة، نرسل إلى العالم شهودًا للنّور، حاملين في ذواتنا أثر ذلك اليوم الذي فيه التقى الماء بالرّوح والأرض بالسّماء والإنسان بالله. فلنقترب إذًا من هذا العيد بإيمان حيّ، ولنجدّد عهود معموديّتنا، طالبين أن ينقّي الرّبّ قلوبنا كما قدّس المياه، وأن يجعل حياتنا ظهورًا دائمًا لنعمه، لكي يرى النّاس أعمالنا الصّالحة ويمجدّوا أبانا الذي في السّماوات، آمين".
