عوده: طريق السّماء يمرّ دائمًا عبر الأمانة للمسيح والرّجاء واحتمال التّعب والجهاد
وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى عوده عظة قال فيها: "أحبّائي، إنّ عيد الصّعود الإلهيّ ليس ذكرى لحدث تمّ بعد القيامة بأربعين يومًا، بل هو إعلان إلهيّ عن اكتمال التّدبير الخلاصيّ الّذي بدأ منذ سقوط الإنسان. فالإبن الوحيد، الّذي نزل من حضن الآب وتجسّد من مريم العذراء لأجل خلاص العالم، الّذي احتمل الآلام بإرادته، وقبل الموت على الصّليب، وقام سابيًا الجحيم والموت، هو نفسه يصعد بمجد إلى السّماء، حاملًا في ذاته طبيعتنا البشريّة الّتي كانت ساقطةً ومائتةً، ليدخلها إلى حضرة الآب.
منذ البدء، خلق الإنسان في الفردوس، ليكون في شركة مع الله. عصى الله فأبعدته الخطيئة عن الفردوس، وأغلقت دونه أبواب الحياة، فصار غريبًا عن المجد الإلهيّ. إلّا أنّ الله، بمحبّته الّتي لا تحدّ، لم يترك الإنسان أسير الموت والفساد، بل أرسل ابنه الوحيد لكي يعيد الخليقة إلى مجدها الأوّل. لذلك فإنّ الصّعود ليس حدثًا منفصلًا عن الصّليب والقيامة، بل هو تتمّة لهما. المسيح لم يقم فقط ليظهر قدرته على الموت، بل قام وصعد ليرفع الإنسان إلى حيث يكون الله.
لقد رأت الكنيسة في العهد القديم ظلال هذا السّرّ العظيم. فداود النّبيّ، بهدي الرّوح القدس، هتف قائلًا: "صعد الله بتهليل، الرّبّ بصوت البوق" (مز 46: 5)، وكأنّه شاهد مسبقًا ذاك الموكب السّماويّ العظيم، حين دخل المسيح الظّافر إلى المجد بعدما هزم الموت. قال أيضًا: "إرفعوا أيّها الرّؤساء أبوابكم وارتفعي أيّتها الأبواب الدّهريّة ليدخل ملك المجد" (مز 23: 7). "من هو هذا ملك المجد؟ ربّ الجنود هو ملك المجد" (مز23 : 10)، لأنّ الّذي دخل إلى السّماوات لم يكن فقط كلمة الله الأزليّ، بل أيضًا كلمة الله المتجسّد، حاملًا جسدنا الإنسانيّ الممجّد.
الإنجيل المقدّس يظهر لنا هذا المشهد المهيب ببساطة مملوءة مجدًا. فبعدما ظهر الرّبّ لتلاميذه أربعين يومًا يكلّمهم عن أمور الملكوت، أخذهم إلى جبل الزّيتون، وهناك "رفع يديه وباركهم، وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وصعد إلى السّماء" (لو 24: 50-51). إنّ آخر ما تركه المسيح لكنيسته قبل الصّعود كان البركة، وكأنّه يقول لنا إنّ الكنيسة، وسط آلام العالم وتجارب الحياة، ستبقى محفوظةً ببركته وحضوره. لذا، لم يعد التّلاميذ من جبل الزّيتون حزانى، بل "رجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم" (لو 24: 52)، لأنّهم أدركوا أنّ المسيح لم يبتعد عنهم، بل دخل إلى مجده ليرسل لهم الرّوح المعزّي كما وعدهم، وليبقى حاضرًا في كنيسته إلى انقضاء الدّهر.
يقول القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ إنّ المسيح "رفع طبيعتنا البشريّة فوق الشّيروبيم والسّيرافيم". أيّ كرامة أعظم من هذه؟ الإنسان الّذي سقط بالمعصية إلى التّراب، صار في المسيح جالسًا عن يمين الآب. لهذا، فإنّ عيد الصّعود هو عيد رجاء الإنسان، لأنّه يكشف لنا غاية حياتنا الحقيقيّة. نحن لسنا مخلوقين للأرض وحدها، ولا للحياة الزّائلة، بل للحياة الأبديّة. لذلك يدعونا الرّسول بولس قائلًا: "أطلبوا ما فوق، حيث المسيح جالس عن يمين الله" (كو 3: 1). يشرح القدّيس أثناسيوس الكبير هذا السّرّ حين يقول: "صار الله إنسانًا ليصير الإنسان إلهًا بالنّعمة". فالمسيح لم يصعد وحده، بل حمل معه طبيعتنا إلى المجد. لذلك تعلّم الكنيسة أنّ الحياة المسيحيّة ليست مجرّد التزام أخلاقيّ أو ممارسة خارجيّة، بل هي مسيرة صعود دائم نحو الله. فكلّ صلاة وتوبة ومحبّة حقيقيّة، هي ارتقاء القلب نحو السّماء.
في وسط هذا العيد السّيّديّ المجيد، تعيّد الكنيسة أيضًا للقدّيسين العظيمين قسطنطين وهيلانة، اللّذين ارتبط إسماهما بسرّ الصّليب المجيد وانتصار الإيمان المسيحيّ في العالم. لقد شاء الله أن يتحوّل عصر الاضطهادات الدّامية آنذاك إلى عصر إعلان للإيمان، فاختار الإمبراطور قسطنطين ليكون أداةً لتحقيق ذلك. عندما رأى قسطنطين علامة الصّليب في السّماء وسمع القول: "بهذا تغلّب"، أدرك أنّ القوّة الحقيقيّة ليست في حدّ السّيف ولا في الجيوش والبطش، بل في المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات. منذ ذلك الحين صار الصّليب، الّذي كان علامة عار وعذاب، راية نصر وخلاص.
أمّا القدّيسة هيلانة، فقد أظهرت قلبًا مملوءًا إيمانًا وغيرةً مقدّسةً إذ سافرت إلى أورشليم باحثةً عن خشبة الصّليب الكريم، إلى أن وجدت الصّليب الّذي تقدّس بدم المخلّص. لم يكن بحثها مجرّد اهتمام أثريّ أو تاريخيّ، بل كان شهادةً حيّةً على أنّ الكنيسة تحفظ ذكرى الخلاص وتعيشها. لذلك أكرمتها الكنيسة مع ابنها لأنّهما سخّرا مجدهما الأرضيّ لخدمة المسيح وكنيسته.
اليوم يلتقي العيدان في معنى المجد الحقيقيّ. فالمسيح لم يدخل إلى المجد إلّا عبر الصّليب، والقدّيسان لم ينالا إكليل القداسة إلّا لأنّهما تمسّكا بالصّليب وآمنا بقوّته. هكذا تعلّمنا الكنيسة أنّ طريق السّماء يمرّ دائمًا عبر الأمانة للمسيح، وعبر الرّجاء واحتمال التّعب والجهاد. فإذا أردنا مشاركة مجده، علينا حمل صليبه بإيمان، والسّلوك في طريق القداسة والمحبّة والتّواضع والتّوبة، عالمين أنّ "سيرتنا نحن هي في السّماوات" (في 3: 20)."
