لبنان
18 أيار 2026, 05:55

عوده: نصلّي كي ينير الله بصيرة أبناء هذا الوطن والمسؤولين فيه

تيلي لوميار/ نورسات
ترأّس متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس الياس عوده قدّاس الأحد في كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس- وسط بيروت.

وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى عوده عظة قال فيها: "أحبّائي، يفتتح الإنجيليّ يوحنّا المشهد العجيب لإنجيل اليوم بعبارة: "فيما يسوع مجتاز رأى إنسانًا أعمى منذ مولده". لم يتكلّم على الأعمى نفسه، بل على نظرة المسيح إليه. فالإنسان الأعمى لم يكن قادرًا أن يرى الرّبّ، لكنّ السّيّد هو الّذي رآه أوّلًا. فنحن كثيرًا ما نظنّ أنّنا من يبحث عن الله، بينما الحقيقة هي أنّ الله هو الّذي يبحث عن الإنسان السّاقط في ظلمة هذا العالم، ويقترب إليه، ويلمس جراحه، ويقيمه من عماه.

كان هذا الأعمى مولودًا في الظّلمة، لم يعرف النّور أبدًا، ولا لون السّماء، ولا وجوه النّاس. عاش عمره كلّه متّكئًا على رحمة الآخرين، محكومًا بالعجز والوحدة. لكنّ المأساة الأكبر لم تكن في فقدان البصر الجسديّ، بل في نظرة النّاس إليه. التّلاميذ أنفسهم لم يروا فيه إنسانًا متألّمًا، بل رأوا فيه مسألةً لاهوتيّةً، فسألوا المسيح: "يا ربّ، من أخطأ، أهذا أم أبواه حتّى ولد أعمى؟". أمّا يسوع فقد رفض هذا المنطق القاسي، وأعلن أنّ الله لا يشتهي إذلال الإنسان بل يبتغي خلاصه، وأنّ ضعف الإنسان قد يصير موضعًا لإعلان مجد الله. قال: "لا هذا أخطأ ولا أبواه، لكن لتظهر أعمال الله فيه."

لم يكتف المسيح بالكلام، بل تفل على الأرض وصنع من تفلته طينًا وطلى به عينيّ الأعمى. الرّبّ الّذي، في البدء، خلق الإنسان من تراب الأرض، يعود الآن ليجدّد خلق هذا الإنسان بطين جديد. إنّه لا يصلح العين فقط، بل يخلق إنسانًا جديدًا. ثمّ يرسله إلى بركة سلوام ليغتسل "فمضى واغتسل وعاد بصيرًا. "هناك بدأ طريق الاستنارة الحقيقيّة. فالعينان انفتحتا بالماء، لكنّ القلب انفتح بالطّاعة والإيمان.

الرّواية لا تتوقّف عند معجزة الشّفاء. فبعد أن استعاد الأعمى بصره، بدأت محاكمته. لقد صار مبصرًا بالجسد، لكنّ الّذين ظنّوا أنفسهم مبصرين ظهر عمى قلوبهم. لم يحتمل الفرّيسيّون النّور، لأنّه يكشف ظلمة الكبرياء الّتي في الدّاخل. لذلك، راحوا يستجوبونه، ليس بغية أن يؤمنوا، بل لكي يدينوا. أمّا هو، فكان ينمو تدريجيًّا في معرفة المسيح. بدايةً قال عنه إنّه "إنسان يقال له يسوع"، ثمّ قال: "إنّه نبيّ، وأخيرًا، حين التقاه الرّبّ بعد أن أخرجه اليهود من المجمع، خرّ وسجد ليسوع قائلًا: "قد آمنت يا ربّ". إنّها رحلة الإيمان كلّها، من معرفة ناقصة، إلى استنارة متزايدة، إلى سجود حقيقيّ أمام ابن الله.

تلتقي هذه الحادثة مع ما سمعناه في سفر أعمال الرّسل، حين كان بولس وسيلا في فيليبّي، وكانت جارية بها روح عرافة تصرخ وراءهما. ظاهريًّا كانت تعرف الحقيقة، إذ كانت تقول إنّهما عبدا الله العليّ، لكنّ معرفتها لم تكن إستنارةً حقيقيّةً. فالشّيطان قد يعرف بعض الحقائق، لكنّه يبقى في الظّلمة لأنّه يرفض شركة الله. لذلك، انتهرها بولس وأخرج منها الرّوح النّجس. بعد ذلك ألقي الرّسولان في السّجن، وسدّت عليهما الأبواب، ووضعت أرجلهما في المقطرة. في عمق اللّيل، فيما كانا يصلّيان ويسبّحان الله، حدثت فجأةً زلزلة عظيمة، وانفتحت أبواب السّجن، وانفكّت القيود. في الإنجيل ينفتح بصر الأعمى، وفي أعمال الرّسل تنفتح أبواب السّجن، لأنّ عمل المسيح هو دائمًا تحرير الإنسان من عمى القلب، وقيود الخطيئة، وخوف الموت، وعبوديّة الشّرّ. حتّى السّجّان الّذي كان على وشك الانتحار، صار في ليلة واحدة مؤمنًا اعتمد هو وأهل بيته كلّهم لأنّ النّعمة الإلهيّة قادرة أن تحوّل الظّلمة إلى نور، واليأس إلى رجاء.

يا أحبّة، إنسان اليوم أيضًا يعيش أنواعًا كثيرةً من العمى. قد لا يكون أعمى جسديًّا، لكنّه أعمى القلب والبصيرة. فهناك من تعميه محبّة المال، فيقيس قيمة الإنسان بما يملك. وهناك من تعميه الكبرياء، فلا يرى خطاياه بل خطايا الآخرين فقط. وثمّة من تعميه الشّهوات والإدمانات، فيعيش عبدًا لما يدمّره. وهناك من تعميه الكراهيّة والتّطرّف، فلا يرى صورة الله في أخيه الإنسان. التّكنولوجيا نفسها، الّتي كان يفترض أن تقرّب البشر، صارت أحيانًا سببًا لعمًى داخليّ، إذ امتلأت العيون بالشّاشات بينما فرغ القلب من الصّلاة، من الإنسانيّة والمحبّة، وازدحم الفكر بالأخبار والثّرثرات فيما النّفس جائعة إلى كلمة الله.

إنّ أخطر أنواع العمى أن يظنّ الإنسان نفسه مبصرًا فيما هو غارق في الظّلمة. هذا ما قاله الرّبّ للفرّيسيّين: "لو كنتم عميانًا لما كانت لكم خطيئة، ولكنّكم الآن تقولون إنّنا نبصر، فخطيئتكم باقية" (يو9: 41 ). الإعتراف بالعمى هو بداية الشّفاء، أمّا التّظاهر بمعرفة النّور فهو استمرار في الموت الدّاخليّ.

لذلك، تدعونا الكنيسة اليوم إلى الوقوف أمام المسيح مثل ذلك الأعمى، غير ممتلئين من ذواتنا، ومتكبّرين بمعرفتنا، بل صارخين من أعماق القلب: "يا ربّ، أنر عينيّ". الإستنارة الحقيقيّة لا تأتي من ثقافة العالم ولا من كثرة المعلومات وعظم الممتلكات، والسّلطة والمجد، بل من اللّقاء الحيّ بالمسيح "نور العالم"، الّذي حين يدخل القلب، يرى الإنسان نفسه بصدق، ويرى أخاه بمحبّة، والحياة كلّها برجاء جديد.

مع اقتراب الفترة الفصحيّة من خاتمتها، إذ نودّع الفصح بعد أيّام، نصلّي كي ينير الله بصيرة أبناء هذا الوطن والمسؤولين فيه ليعملوا جميعهم من أجل إنقاذه من الموت المحدق به. لبناننا كالأعمى يتخبّط في التّناقضات والنّزاعات والحروب متلمّسًا طريق القيامة والخلاص.

إنجيل اليوم يعلّمنا، من خلال موقف الفرّيسيين من شفاء الأعمى، أنّ الخطيئة مرض يعمي بصيرة الإنسان، وهذا أخطر من فقد النّظر. مع الفرّيسيين المتمسّكين بحرفيّة الشّريعة ندرك مأساة البشر الّذين يتمسّكون بالقشور الخارجيّة ويهملون العمق، ما يوقعهم في الخطيئة والانحراف والهلاك.صلاتنا أن يمنحنا الرّبّ نعمة رؤية نوره لكي نستطيع الوصول إلى الخلاص، لأنّ خلاصنا يبدأ بشفائنا من عمانا الرّوحيّ. فلنطلب إلى الرّبّ أن يفتح أعين نفوسنا، وأن يحرّرنا من كلّ ظلمة، كي لا نبقى سجناء الخطيئة ولا أسرى الأوهام، بل نصير أبناء النّور، سائرين خلف المسيح الّذي يقودنا من عمى هذا العالم إلى مجد ملكوته، آمين."