لبنان
19 كانون الثاني 2026, 06:55

عوده: هل حياتنا هي ذبيحة شكر؟

تيلي لوميار/ نورسات
ترأّس متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس المطران الياس عوده، صباح الأحد، خدمة القدّاس الإلهيّ في كنيسة القدّيس نيقولاوس، وقد تخلّل القدّاس جنّاز لراحة نفس النّائب د. غسان سكاف.

بعد قراءة الإنجيل المقدّس ألقى عوده العظة التّالية:

"باسم الآب والإبن والرّوح القدس، آمين.

أحبّائي، تضعنا الكنيسة اليوم أمام كلمة إلهيّة غنيّة، لا تقرأ كحدث تاريخيّ بل كمرآة تكشف حقيقة الإنسان في كلّ زمان ومكان، وكدعوة حيّة إلى التّوبة والرّجاء والشّكر.

نلتقي في إنجيل اليوم بالبرص العشرة الّذين استقبلوا المسيح عند دخوله إحدى القرى. البرص في الفكر الكتابيّ ليس مرضًا جسديًّا فقط، بل حالة انفصال عن الجماعة والعبادة والحياة الطّبيعيّة. في العهد القديم كان يعتبر نجاسةً وعقابًا على الخطايا، ومن تثبت إصابته بالمرض كان يفرز من بين الجماعة، و"خارج المحلّة يكون مقامه" (لا13: 46)، لا يحقّ له الاقتراب ولا المشاركة ولا اللّمس. إنّها حالة الإنسان السّاقط المجروح بالخطيئة، الحامل في داخله موتًا يجعله عاجزًا عن الشّركة، وإن بدا حيًّا في الظّاهر.

هؤلاء البرص، رغم بعدهم، امتلكوا ما هو جوهريّ، أيّ الإيمان المعبّر عنه بالصّرخة، إذ "رفعوا صوتهم قائلين: يا يسوع المعلّم ارحمنا". الرّحمة هنا ليست طلب شفاء وحسب، بل طلب حياة. يعلّمنا الآباء أنّ الرّحمة الإلهيّة ليست شفقةً عاطفيّةً، بل قوّة خلاصيّة تعيد الإنسان إلى موضعه الصّحيح. يقول القدّيس كيرلّس الإسكندريّ الّذي نعيّد له اليوم إنّ البرص "لم يطلبوا أجرةً، بل اعترفوا بحاجتهم"، وفي هذا الاعتراف يبدأ الخلاص. المسيح، إذ رآهم، قال لهم: "أمضوا وأروا الكهنة أنفسكم" لأنّه يحقّ للكهنة وحدهم، بحسب الشّريعة، إعلان الشّفاء، ولم يرد ربّ الشّريعة أن يكسر الشّريعة، فيما نحن نخرق الشّريعة كلّ يوم آلاف المرّات.

اللّافت أنّ شّفاء البرص لم يتمّ في لحظة اللّقاء بل "فيما هم منطلقون طهروا". يعلّمنا الإنجيل أنّ الطّاعة تسبق الفهم أحيانًا، وأنّ الإيمان الحقيقيّ ليس انتظار المعجزة بل السّير نحوها بثقة ورجاء. كم من مرّة نطلب إلى الله أن يغيّر واقعنا دون أن نتحرّك، فيما هو يدعونا أن نريد، أن نطلب لنشفى! هنا يتجلّى الفرق بين الإيمان النّظريّ والإيمان المقرون بالعمل.

واحد فقط، حين "رأى أنّه قد برئ رجع يمجّد الله بصوت عظيم"، وخرّ على وجهه عند قدمي يسوع شاكرًا. هذا الرّجوع ليس حركةً مكانيّةً بل تحوّل داخليّ. لقد فهم السّامريّ الغريب أنّ المعجزة ليست الغاية، بل هي العلامة، وأنّ الشّفاء الحقيقيّ هو اللّقاء مع المسيح نفسه. اليهود التّسعة الّذين كانوا يظنّون أنفسهم أخصّاء الله كانوا عديميّ الشّكر ونالوا شفاء الجسد فقط، أمّا العاشر، السّامريّ الوثنيّ، فقد خلص. تخلّص من المرض ونال محبّة الله ورحمته لأنّه أدرك عظم النّعمة المعطاة له، وعاد ليشكر، فاستحقّ سماع قول الرّبّ: "إيمانك قد خلّصك".

سؤال الرّبّ: "أليس العشرة قد طهروا؟ فأين التّسعة؟" موجّه إلى كلّ منّا: كم مرّةً نأخذ عطايا الله وننسى المعطي؟ نطلب بإلحاح وعندما يستجاب لنا ننسى الشّكر ونتابع حياتنا بأخطائها؟ فيما تكون نهاية العالم إذا أحسنّا لإحد إخوتنا ولم يغرقنا بعلامات الشّكر.

الشّكر من أهمّ الفضائل الرّوحيّة الّتي تميّز الإنسان المسيحيّ الّذي يشكر الله في كلّ الظّروف، على كلّ شيء ومن أجل كلّ شيء، لأنّه يؤمن أنه غير مستحقّ وما أعطي له هو منحة من الله الّذي لا يريد إلّا خير الإنسان، وهو يعلم حاجاتنا ويعطينا ما يساعدنا على الخلاص.

في رسالة اليوم نقف أمام بعد آخر من الشّكر، هو الشّكر الكنسيّ والوجوديّ. يقول الرّسول بولس: "أذكروا مدبّريكم الّذين كلّموكم بكلمة الله، تأمّلوا في عاقبة تصرّفهم واقتدوا بإيمانهم". الذّكر هنا ليس استذكارًا عاطفيًّا، بل فعل إيمان. الكنيسة تذكر الآباء والمدبّرين لأنّها تؤمن بأنّ الحياة لا تقاس بطولها، بل بالثّمر الّذي تركته. المدبّرون بشر نذروا أنفسهم لخدمة الكلمة، وتسلّموا العقيدة من جيل إلى جيل، منذ الرّسل حتّى أيّامنا، وسوف يسلّمونها بدورهم إلى من بعدهم. يربط الرّسول الذّكر بالإيمان، لأنّ الإيمان ينقل حيًّا من خلال أشخاص عاشوه، لا من خلال أفكار مجرّدة لا وقع لها ولا نتيجة.

ثمّ يؤكّد الرّسول "إنّ يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى مدى الدّهر". في هذا الإعلان يتأسّس الرّجاء. فالمسيح الّذي شفى البرص وقبل شكر السّامريّ هو نفسه الّذي يعمل اليوم في الكنيسة، والّذي نستودع بين يديه الرّاقدين. هو لا يتغيّر، ولا يخذل رجاء الّذين يتّكلون عليه. من هذا الثّبات تنبع دعوة الرّسول إلى عدم الانجراف وراء "تعاليم غريبة" وإلى التّمسّك بالنّعمة لا بالمظاهر، لأنّ القلوب تثبّت بالنّعمة.

يبلغ النّصّ ذروته اللّاهوتيّة حين يقول الرّسول: "فلنقرّب به إذًا ذبيحة التّسبيح كلّ حين وهي ثمر شفاه معترفة لاسمه. لا تنسوا الإحسان والمؤاساة، فإنّ الله يرتضي مثل هذه الذّبائح". هنا يلتقي النّصّان حيث السّامريّ قدّم ذبيحة تسبيح لا على مذبح حجريّ بل عند قدميّ المسيح، والرّسول يعلن أنّ الذّبيحة الجديدة هي حياة شكر تترجم تسبيحًا وأعمال محبّة ورحمة.

يا أحبّة، نصلّي اليوم لراحة نفس الدّكتور غسّان سكاف، الطّبيب اللّامع، والنّائب الّذي حمل آلام وطنه حتّى الرّمق الأخير، ففقد لبنان بفقده طبيبًا ناجحًا وأحد أوجه الثّقافة والاعتدال والانفتاح والحوار. كانت حياته، بكلّ ما حملته من علم وخبرة ومسؤوليّة، مسيرة عمل وجهاد أكثر منها مسيرة بحث عن مجد شخصيّ. أدرك أنّ الحقّ ليس تكديسًا للمعلومات ولا سعيًا وراء المناصب والمكاسب، بل خدمة للحقيقة والإنسان. عمل بخفر حاملًا ما أعطي له كأمانة لا كامتياز. أحسن الإصغاء ولم يكثر الكلام الفارغ. شهادته لم تكن صاخبةً بل كانت ثابتةً تشبه ذبيحة التّسبيح الصّامتة الّتي يتحدّث عنها الرّسول. فإذ نذكره اليوم في صلاتنا، لا نضعه في موضع بشريّ مثاليّ، بل نراه شاهدًا على أنّ الإيمان يمكن أن يعاش في قلب العالم، في غرفة العمليّات وفي البرلمان وفي الحياة اليوميّة. لقد تميّز باستقامته والتزامه واحترامه للإنسان ومحبّته لبلده والعمل من أجل مصلحته، بتواضع ومحبّة لا تفرّق بين مواطن وآخر، كما عرف بتعقّله وانفتاحه وقبوله الآخر والحوار معه ضمن حدود اللّياقة والاحترام. كان نموذجًا فريدًا في العمل النّيابيّ ووجهًا مضيئًا في السّياسة، عمل على مدّ الجسور فيما غيره يقيم الحواجز، وتوسّل الحوار عوض التّشبّث بالرّأي، وتميّز بالنّزاهة والصّدق والأخلاق عوض تقديم المصلحة والكسب الرّخيص. وكان دائم البحث عن الحلول. خلال أعوام الفراغ الرّئاسيّ، ورغم مرضه، لم يأل جهدًا من أجل التّوصّل إلى حلّ يؤدّي إلى انتخاب رئيس، فزار كلّ الأطراف ساعيًا إلى ما يجمع، دون الإخلال بالتّنوّع السّياسيّ والفكريّ والدّينيّ.

يا أحبّة، ما خاطبنا به الكتاب اليوم لا يعزّينا فقط، بل يحاسبنا. هل حياتنا هي ذبيحة شكر؟ هل نعيش كما لو أنّ لنا هنا مدينةً باقيةً، أم نسعى إلى المدينة العتيدة؟ هل نكتفي بأن نطلب من الله أم نعود إليه ساجدين شاكرين؟

فلنطلب أن يمنحنا الرّبّ قلب السّامريّ الأبرص، وأمانة المرشدين والمدبّرين، ورجاء الرّسول، وحكمة الدّكتور غسّان، لكي نصير نحن أيضًا شهادةً حيّةً لنعمة الله وعمله الخلاصيّ، آمين".