فايز: زاهد في قلب العالم، ونور في قلب الإعلام
"لم يكن الأخ نور مجرد مؤسس لقنوات، بل كان تجسيداً لرسالة حملت اسمه قبل أن يحمل هو اسمها. لقد حمل هم الإعلام المسيحي في لبنان والعالم العربي، فأثبت أن الإضاءة الحقيقية تبدأ من الداخل، من شهادة الحياة قبل أن تنطق الكلمات، ومن حضور الروح قبل أن يُفعّل الميكروفون.
حلبي الأصول من أب تاجر، وكسرواني النشأة من أم تنتمي إلى عائلة إكليريكية، فجمع في كيانه عمق التجارة البشرية وصفاء الانتماء الروحي. درس الفلسفة وعلم الاجتماع، لكنه اختار أن يعلّم الدرس الأعظم: كيف تُحوّل آلام العالم إلى أعمال رجاء. في عام 1975، طوى صفحة المهنة ليفتح صفحة الرسالة، اختار طريقاً نسكياً لا في عزلة الصوامع، بل في قلب العالم المضطرب.
لم يكن راهبًا منتسبًا إلى دير، بل كان هو الدير نفسه. كانت جدرانه هي فضاءات العالم من حوله، وصلاته هي خدمته للآخرين، ونذره هو تفريغ الذات من أجلهم. صمته كان قلايته الروحية، وفقره المادي كان غناه الحقيقي، ووحدته بين الناس كانت انفتاحاً على السماء.
ومن هذا الفراغ المقدس، انبثقت الأعمال كالينابيع: "صوت المحبة" الذي أيقظ الضمائر، و"مدينة السلام" التي بنى فيها جسوراً للمهمشين، وعشرات المستوصفات والمبادرات التي كانت تعبيراً عن إيمان يعمل لا يتكلّم فقط. وفي التسعينيات، جاءت "تيلي لوميير" كتتويج طبيعي لمسيرته، لتحقق حلمه بأن يحضر السماء إلى قلب الإعلام. فتحولت بفضل الله وجهده من شرارة إلى نور مضاعف، حتى صارت عشر قنوات، كل واحدة منها امتداد لوجه من وجوه رسالته.
أما أنا، فقد عرفته من بعيد عبر شاشاته، ثم عن قرب في عام 2010، فكان اللقاء الأول دخولاً في نعمة صامتة. في كل مرة ألتقي فيه، كنت أرى رجلاً ترك العالم لا كراهية فيه، بل حباً به، فأت بالسماء إلى حيث لا يُتوقع وجودها.
لذلك، لم يكن بحاجة إلى نذر في دير، لأن حياته كلها كانت نذرًا مقدمًا. لم يطلب سلطة كنسية، لأن سلطته كانت المحبة التي تذلل الحصون. لم يبتغِ منصبًا، لأن منصبه كان خدمة من لا صوت لهم. عاش فقيرًا بالمال، غنيًا بالروح، وأغنى من كل شيء بنور المسيح الذي كان يشع من عينيه قبل أن يقرر إظهاره.
وبإرادة سماوية لا مصادفة، اختار أن يسلم الروح في الجمعة العظيمة، اليوم الذي سلم فيه سيده الروح على الصليب. لم تكن رحلته نهاية، بل كانت توقيعاً إلهياً على رسالته، إكمالاً للمسار الذي بدأه. لقد ختم حياته الأرضية بنفس علامة الصليب التي عاشها سراً وعلانية.
نوره ليس نوراً نطلب له البقاء، بل هو نور باقٍ بذاته. إنه يسكن الآن في كل قناة انطلقت، وفي كل مشروع بدأ، وفي كل قلب لمسه. الرسالة لم تنتهِ، بل تحررت من الجسد لتمتد وتتألق في كل مكان."
