لبنان
27 شباط 2026, 08:50

فرنسيس الأسيزيّ رسالة في عالم اليوم!

تيلي لوميار/ نورسات
عقد مؤتمر صحافيّ في المركز الكاثوليكيّ للإعلام لمناسبة اليوبيل المئويّ الثّامن لعبور القدّيس فرنسيس الأسيزيّ إلى الحياة بعنوان "فرنسيس الأسيزيّ، رسالة في عالم اليوم"، شارك فيه رئيس اللّجنة الأسقفيّة لوسائل الإعلام المطران منير خيرالله، النّائب الرّسوليّ لطائفة اللّاتين في لبنان المطران سيزار إسايان، الرّئيس الإقليميّ للإخوة الأصاغر الكبّوشيّين الأب إيلي رحمة، رئيس دير مار أنطونيوس البدوانيّ للإخوة الأصاغر الأب نجيب إبراهيم ومدير المركز المونسنيور عبده أبو كسم.

بداية رحّب المطران خيرالله بالمشاركين، ونوّه "بالتّاريخ العريق وبالعلاقات الكنسيّة والأخويّة الّتي تربط تلاميذ مار فرنسيس بلبنان، وبالموارنة بنوع خاصّ". وقال: "نذكر منهم شخصيّتين بارزتين: الأخ بطرس دي فرّارا (وكان من دير المخلّص للفرنسيسكان في بيروت) الّذي أرسله البطريرك يوحنّا الجاحي الثّاني بعد انتقاله من إيليج إلى قنّوبين سنة 1440 إلى روما ليحصل له على درع التّثبيت من البابا أوجانيوس الرّابع، ويشارك باسم البطريرك في مجمع الوحدة في فرّارا- فلورنسا. فعيّنه البابا ممثّلًا دائمًا له لدى الموارنة. أمّا الشّخصيّة الثّانية الّتي طبعت تاريخ الموارنة في القرن الخامس عشر فهي الأخ غريغون، وهو هولنديّ ألأصل. أرسل سنة 1442 إلى الأراضي المقدّسة واستقرّ في أورشليم في دير جبل صهيون. وبدأ يتعلّم العربيّة والسّريانيّة. سنة 1450 أرسل إلى جبل لبنان وراح يعيش في الجبل مع الموارنة. أرسله البطريرك يعقوب الحدثي إلى روما سنة 1455، ليحصل له على درع التّثبيت وبقي حتّى سنة 1458. وأرسله البطريرك بطرس الحدثي إلى روما سنة 1469 ليحصل له على درع التّثبيت.

وخلال رسالته في جبل لبنان، اختار الأخ غريغون الشّابّ جبرائيل ابن القلاعي اللّحفدي وأدخله مع اثنين من الموارنة رهبنة مار فرنسيس في القدس".

أضاف: "بعد أن احتفل الثّلاثة بنذورهم الرّهبانيّة في القدس، أرسلوا سنة 1471 إلى البندقيّة ومنها إلى روما لمتابعة دروسهم. وكانوا الموارنة الأوائل الّذين أرسلوا إلى الغرب بهدف الدّراسة. وبعدها عاد جبرائيل ابن القلاعي سنة 1493 إلى لبنان. وسنة 1507 رسم أسقفًا على نيقوسيا لموارنة قبرص وبقي حتّى وفاته سنة 1516".

وذكر أنّه "في 26 شباط 1626، كتب الملك لويس الثّالث عشر إلى البطريرك يوحنّا مخلوف يطلب منه الاهتمام بالآباء الكبّوشيّين الّذين أتوا إلى لبنان وفتحوا فيه رسالات عديدة. وهم يحتفلون هذه السّنة بالذّكرى الأربعماية لقدومهم إلى لبنان".

ثمّ تحدّث الأب رحمة عن شخصيّة القدّيس فرنسيس وحياته والمراحل الأساسيّة في مسيرته الرّوحيّة، مبرزًا أهمّيّة القدّيس فرنسيس في زمنه، وتأثيره الكنسيّ والإنسانيّ في القرن الثّالث عشر، وقال: "إنّه احتفال بالذّكرى، ولكنّه أيضًا احتفال بالحضور؛ احتفال بتاريخ مضى، ورسالة ما زالت تنبض فينا اليوم"، وأشار إلى أنّ "حياة القدّيس تحوّلت من بحث عن الشّهرة إلى بحث عن المعنى، ومن توق إلى البطولة العسكريّة إلى توق إلى البطولة الرّوحيّة."

وأجرى قراءة عن "حياته كمسار روحيّ متكامل: تحوّل داخليّ، تجرّد جذريّ، تأسيس أخوّة، رسالة سلام، ثمّ اتّحاد عميق بالمسيح في الألم والمحبّة"، وقال: "لقد علّمنا فرنسيس أنّ البساطة حرّيّة، وأنّ الفقر انفتاح، وأنّ السّلام شجاعة قلب، وبعد 800 سنة، ما زال صوته يهمس فينا سلامًا وخيرًا".

وأشار إلى أنّه "في قلب مرحلة شهدت تحوّلات عميقة على الأصعدة الاجتماعيّة، الاقتصاديّة، والدّينيّة، كان فرنسيس بمثابة النّور الّذي أضاء دربًا مظلمًا، استجاب بشكل جذريّ لعالم كان يمرّ بأزمة روحيّة واجتماعيّة في آن واحد. من خلال دراسة تأثيره في سياقه التّاريخيّ، نكتشف كيف استطاعت رسالته حول الفقر، الأخوّة والسّلام أن تغيّر وجه الكنيسة والمجتمع في زمانه".

وختم: "كان القدّيس فرنسيس الأسيزيّ في القرن الثّالث عشر جوابًا على أزمة روحيّة واجتماعيّة كبيرة. من خلال التزامه بالفقر، والأخوّة، والسّلام، لم يصلح الكنيسة فحسب، بل قدّم رسالة أمل ومصالحة لعالم كان في أزمة. واليوم، لا يزال إرثه حيًّا، ولا تزال رسالته ذات أهمّيّة كبيرة، تدعو إلى إيمان أكثر جرأةً، وأكثر تواضعًا، وأكثر إنسانيّةً. إنّ حياته دعوة لنا جميعًا أن نبحث عن معنى أعمق في حياتنا، وأن نعيش بمحبّة وسلام مع الآخرين ومع العالم من حولنا".

بعد ذلك تطرّق الأب ابراهيم إلى الحضور الفرنسيسيّ في الشّرق، تاريخيًّا وكنسيًّا وراعويًّا، وإسهامه في خدمة الكنائس والمجتمعات، فأشار إلى أنّ "الحضور المنظّم للأخوة الأصاغر في الشّرق إلى سنة 1217، عندما اجتمعوا في كنيسة سيّدة الملائكة قرب أسيزي، في أوّل مجمع عامّ لهم. في هذا المجمع قرّر القدّيس فرنسيس إرسال الإخوة إلى كلّ الأمم، وانقسم العالم المعروف آنذاك إلى أقاليم فرنسيسيّة."

ولفت إلى "انطلاق الإخوة من أسيزي إلى الجهات الأربع، وكانت حراسة الأرض المقدّسة إحدى الأقاليم الأولى في تاريخ الرّهبنة"، مشيرًا إلى أنّ "في أسلوب حضوره، رسم القدّيس معالم رسالة الفرنسيسكان في هذا الشّرق: إعلان الإنجيل بالتّواضع وعلاقات المحبّة، مع إكرام الأماكن المقدّسة الّتي تحمل ذكرى حياة المسيح".

وقال: "عاش الفرنسيسكان في الأرض المقدّسة شهودًا للإنجيل، وخدموا الحجّاج والمزارات، وقدّموا شهادة الدّم، من شهداء القدس إلى شهداء دمشق. وكان لهذا الحضور دور أساسيّ في نشوء الكنيسة المحلّيّة، حتّى إعادة إنشاء البطريركيّة اللّاتينيّة سنة 1847. وأقام الفرنسيسكان علاقةً عميقةً مع الكنيسة المارونيّة، وأرسل بعضهم مندوبين رسوليّين. واليوم، يتابع الفرنسيسكان رسالتهم في الأرض المقدّسة وبلدان الشّرق، في الرّعايا، المدارس، المراكز العلميّة، والخدمة الاجتماعيّة والإعلاميّة".

كما أشار إلى أنّ "حضور الإخوة الأصاغر الكبّوشيّين في الشّرق الأوسط يعود إلى سنة 1626، لذلك نحتفل اليوم بمرور 400 سنة على وجودهم. ووصل الإخوة الأوائل إلى صيدا، ثمّ انتشروا في بيروت، طرابلس، عبيه، غزير، ومنها إلى دمشق، حلب، مصر وغيرها. وكانت رسالتهم دعم إيمان الموارنة وتعزيز العلاقة مع الكنائس الشّرقيّة. واليوم، يركّز الكبّوشيّون على الحياة الأخويّة، التّنشئة، وخدمة الكنيسة، شاهدين للرّجاء والمحبّة".

أما الإخوة الأصاغر الدّيريّون فلفت ابراهيم إلى أنّهم "يعملون في لبنان وتركيا في خدمة الكنيسة المحلّيّة. وبدأت رسالتهم في لبنان سنة 1966"، وعدّد الرّهبانيّات الفرنسيسيّات النّسائيّة الّتي تنتشر في لبنان والشّرق، متطرّقًا إلى تأسيس الرّهبنة الفرنسيسيّة العلمانيّة في الرّعايا الّتي "ترتكز روحانيّتها على رسالة القدّيس فرنسيس إلى المؤمنين، وعلى القانون الّذي ثبّته البابا بولس السّادس".

من جهته، أضاء المطران إسايان على واقعيّة الرّوحانيّة الفرنسيسيّة اليوم، أمام تحدّيات العالم المعاصر، خصوصًا في مجالات السّلام، والأخوّة، وخدمة الإنسان، وحماية الخليقة. ورأى أنّ "القدّيس فرنسيس يذكّرنا أنّ السّلام ليس نظامًا من صنع الإنسان. هو ليس مجموعة معاهدات واتّفاقيّات ولو سمّيت بمعاهدات سلام. السّلام عطيّة من عند الرّبّ. فالسّلام الحقيقيّ حين يبنى هو السّلام الّذي يدوم وليس السّلام المرتبط بتواريخ وبشروط محدّدة. فالسّلام هو إلهام ربّانيّ نستمدّه من الصّلاة ومن كلمة الله في الإنجيل."

وأشار إلى أنّ "القدّيس فرنسيس كوّن علاقة أخوّة في المسيح مع جميع المخلوقات منها الشّمس والغيوم والنّار وعبّر عن هذه العلاقة في نشيد المخلوقات. وكلّل هذا النّشيد بمقطع أضافه وهو على فراش المرض: "كن مسبّحًا ربّي بأولئك الّذين يصفحون حبًّا بك". هذا المقطع كان قد كتبه ليصالح به أسقف أسيزي وعمدتها بعد خلاف وقع بينهما. إنّ الأخوّة والسّلام مع الآخر كانا هاجس فرنسيس كلّ حياته وحتّى مماته وتركه إرثًا إلى اليوم لجميع أبنائه. نشيد المخلوقات إلى جانب كونه يسبّح الله في مخلوقاته إنّما هو دعوة الآخر وكلّ آخر إلى عيش التّوبة الّتي أعطاه إيّاها الرّبّ. فمحبّة الآخر وخدمته تبدآن بمساعدته على اللّقاء بالمسيح الّذي خلقه على صورته ومثاله. في هذا السّياق يدرج فرنسيس في توصيته الخامسة هذه الكلمات: "تأمّل أيّها الإنسان عظمة المرتبة الّتي رفعك إليها الله. فقد خلقك وصنعك على صورة ابنه الحبيب من حيث الجسد وعلى مثاله من حيث الرّوح".

وإعتبر أنّ "الخطوة الأولى نحو السّلام والأخوّة وخدمة الآخر هي الحفاظ على كرامته. والإنسان لا يستطيع أن يحدّد معايير السّلام بذاته، إذ ليس بإمكانه أن يأتي به من عنده". وقال: "أحبّ فرنسيس المخلوقات جميعها لأنّ الله هو الّذي خلقها".

وشدّد على أنّه "لا يمكن التّكلّم عن الأخوّة الشّاملة دون ذكر الوثيقة التّاريخيّة، ثمرة اللّقاء بين قداسة البابا الرّاحل فرنسيس وإمام الأزهر الشّيخ أحمد الطّيّب: وثيقة الأخوّة الإنسانيّة. وهذا اللّقاء ذكّرنا جميعًا بلقاء فرنسيس مع السّلطان المالك الكامل الّذي تكلّل بنجاح وباحترام وتقدير متبادلين".

وقال: "كان القدّيس فرنسيس يرجع كلّ شيء إلى الله مدركًا تمام الإدراك أنّ لا سلام دون أخوّة، ولا أخوّة دون خدمة. إنّ حياة الأخوّة الّتي عاشها فرنسيس في الرّهبنة مع إخوته لم تكن حياةً كاملةً إنّما كانت حياةً مثاليّة، بحيث أنّها كانت مبنيّةً على تعاليم المسيح وكانوا في سعي دائم للحفاظ على بعضهم البعض".

وختم: "الأخوّة الشّاملة الّتي تكلّم عنها البابا فرنسيس والقدّيس فرنسيس تكمن في العيش معًا مع اختلافاتنا تحت سماء واحدة في حضن "أمّنا الأرض" كما أسماها فرنسيس في نشيد المخلوقات".

وفي ختام المؤتمر شكر أبو كسم المشاركين، وأكّد أهمّيّة العائلة الفرنسيسيّة وحضورها في لبنان والعالم.