لبنان
23 نيسان 2026, 14:00

في عيد مار جاورجيوس رسالة من السّلف إلى الخلف!

تيلي لوميار/ نورسات
وجّه راعي أبرشيّة جبيل والبترون وما يليهما للرّوم الأرثوذكس السّابق المتروبوليت جاورجيوس خضر، رسالة رعائيّة بمناسبة عيد شفيعه القدّيس جاورجيوس اللّابس الظفر، إلى خلفه المتروبوليت سلوان موسي.

وفي الرّسالة من السّلف إلى الخلف، جاء بحسب ما نشر إعلام الأبرشيّة:

""وأمّا أنت فاثبتْ على ما تعلّمتَ وأيقنتَ، عارفًا مـمّن تعلّمتَ" (2تيموثاوس 3: 14)

أيّها السّيّد الحبيب سلوان، 

أيّام قليلة تفصلنا على مرور ثمانية سنوات من قرار المجمع الأنطاكيّ المقدّس الاستثنائيّ بنقلك إلى خدمة هذه الأبرشيّة، فزرتني على الأثر في هذه الدّار الكريمة والتقيتُك في قاعة استقبالها المعهودة. يومها باركتُ الله عليك، وطلبتُ إليك أن تعطينا المسيح الّذي فيك.

أستذكر هذه الأيّام الخوالي لكوني أرافقك فيها، بالمعيّة والمشاركة والدّعاء، وأنت قائم في هذه خدمتك الرّسوليّة، في خبرة فريدة تجمع بين السّلف والخلف شاءت العناية الإلهيّة أن نعيشها بفيض بركاته ومراحمه.

لم تعرفني عن قرب قبل ذلك الحين. أتيتني وأنا في شيخوختي المعمّرة حتّى تخطّت السّنتَين ونيّف بعد المئة. رأيتني وأنا في ضعفي وانحلال جسدي. لكنّك لم تأبه لهذا الضّعف، بل وجدتَ فيه قوّة ونعمة وتجلّيًّا لا أراه في نفسي. كنتَ ترى كلماتي في الاتّجاه المعاكس لرؤيتي لنفسي. فبينما كنتُ أتّضع، كنتَ ترفعني؛ وإن قلتُ إنّي رجل خاطئ، قلتَ عنّي إنّي أمين للرّبّ؛ وإذا ما صرّحت أنّي فقير، كنتَ تراني أنّي أُغْني كثيرين... وكلّما غلتُ في الاتّضاع، كنتَ تمجّدني.

في هذه المعيّة الّتي تجمعني بك كنتَ تمشي عكس السّير، أنا في اتّجاه وأنتَ في اتّجاه آخر. على هذا النّحو، كنّا نلتقي ولا نلتقي في آن واحد! هذا هو شأنك معي، فماذا عساي أن أفعل معك؟ أنتَ تعرف تمام المعرفة أنّي عاجز، وفي عجزي لا آبه لما يقال عنّي. همّي أن أواجه الرّبّ ويغلبني في محاكمته لي، فيصْلِحني ويصالحني معه.

في كلّ جلسة ومشاركة على مائدة الطّعام، تسعى أن تلتقط فتات الكلمات المتساقطة من على مائدة الأسياد. ليس لأنيّ من هؤلاء الأسياد، ولكنّك لا تكلّ عن أن تراني على هذا النّحو، وتأتيني دومًا لأخذ البركة.

تسمع بين الحين والآخر بعضًا من صلاتي ومن كلمات فمي وقلبي. تلتقطها وتسعى أن تغتذي بها وأن تغذّي الآخرين بها، بالطّريقة والوسيلة الّتي تبتدعها لتمرير الرّسالة، فأبقيتَني تحت المجهَر، بينما أنا ملتمس وجه الرّبّ علّني أتّشح برحمته وأَلتحف بنوره.

لم أنتبه إلى ما يحدث فيك، فبينما تعاينني في شيخوختي وتبني معرفتك بي على أساسها، وتأخذ العِبَر لنفسك منها، تقوم بقراءتي في كتبي، فآتيك منها، فتتفاجأ كيف أنّي هو الشّخص إيّاه، الّذي تقرأه والّذي تراه. هذا ما أسمعك تقوله عنّي هنا وثمّة: أنّي أجسّد في شيخوختي ما سبق وكرزتُ به. هذا شأنك، لكنّ ما منّ الله به عليَّ هو غير مَن أكون. عاينتَ بنفسك أنّي لستُ شيئًا، فاعتبِرْ من ذلك لنفسك، لتكتمل بحقّ المعيّة بيني وبينك.

لربّما تقودك الأيّام إلى هذه الحقيقة. أرجو ألّا تقسو عليك الحياة ولا تنكسر فيها، بل تتأمّل كيف أنّ الله الّذي معي هو معك أيضًا، وأنّه إله آبائنا! يرعاني ويرعاك دون محاباة للوجوه، بل يقودك في خدمته.

يوم تنصيبك راعيًا لهذه الأبرشيّة، شاء صاحب الغبطة البطريرك يوحنّا العاشر أن أسلّمك عصا الرّعاية بعد أن رفعنا معه الصّلاة من أجلك: "اقبَلْ أيّها الأخ هذه العصا مثالًا للعصا الّتي شقَّ بها موسى البحر الأحمر، وعَبَر بالشّعب إلى أرض الميعاد. وتوكّأْ عليها وتقوَّ بها روحيًّا لتتمكّن من أن تشقّ أمواج البحر المتلاطمة حول الكنيسة المقدّسة وتقودَ شعبك الجديد سالمًا مِن كلّ عيبٍ وشائبةٍ إلى أرض الموعد الأبديّ. تشجّعْ أيّها الأخُ وتقوَّ واعلَمْ أنّك مزمعٌ أن تعطي جوابًا عن الرّعيّة أمام إلهنا ورئيسِ رعاتنا يسوع المسيح".

لهذا أستذكر معك ما أوصى به الرّسولُ بولس: "وأمّا أنت فاثبتْ على ما تعلّمتَ وأيقنتَ، عارفًا مـمّن تعلّمتَ" (2 تيموثاوس 3: 14). هذا أسوقه بداعي المعيّة الّتي حَكَمَ الله أن تكون بيننا وتجمعنا في خدمته، وبداعي ما أراك تفعله معي بترقّب منك نحوي، ليس كخلف مع سلفه، أو بين إخوة في رئاسة الكهنوت، أو بين معلّم وتلميذه، بل بمجّانيّة شاء الله أن نعيش بها: أن نعطي مجّانًا ما أُعطيناه مجّانًا. أعطيتك ذاتي في ضعفها، لكنّك رأيتَ فيَّ قوّة الله وغناه ومراحمه وبركاته عليك.

لذا انتبِه لنفسك! الطّريق وَعِر والباب المؤدّي إلى الحياة ضيّق! تُبْ إلى الله كلّ حين، وابكِ خطاياك الّتي لا تُحصى!

أَحبِب الرّبّ واطلبْ وجهه واسعَ وراءه! ادرسْ كلمته واعملْ بها! اتّكلْ عليه فهو يعولك!

ارعِ شعب الله وقدْه إلى يسوع! ولا تنسَ إخوة يسوع الصّغار الّذين أحبَّهم وأوصانا بهم!

كنْ مريميّ الرّوح في القول والفعل والفكر، فتعطينا على الدّوام يسوع الّذي فيك!

لا تهملْ أن تذكر مَن سبقوك في الخدمة، واعتبِرْ نفسك أنّك لستَ بشيء! تذكَّرْ أنّك إنّما أنتَ عبد بطّال، تقوم بما أُمرتَ به! فلا تنتظر أن تحصد ما تزرع، ولا أن تُشكر على ما تفعل!

تذكّرْ أنّك أسقف في كنيسة الله وأنّك مؤتمن على الحقّ، أمام وجهه وأمام إخوتك وأترابك!

لا تخفْ ولا تخشَ أحدًا أو شيئًا سوى الله! تذكَّرْ أنّك ماثل أمامه ليدينك!

إرفعْ الذّبيحة بخوف الله، وسبّحْه على عظائمه!

تذكّرْ هذه النّعمة الّتي تجمعنا، فلا يفرّقنا عنها شيء! امضِ ولا تنظرْ إلى الوراء! وجهَ يسوع نطلب!

بهذا أختم رسالتي إليك في اليوم الّذي نحتفل فيه بعيد القدّيس جاورجيوس، هذا الفلّاح العظيم في حقل الرّبّ! هذه كانت طريقتي لأخاطبك بها. أذكِّرك في وقت آخر بما لا تستطيع اليوم أن تفقهه، إنّما سيأتي يوم وتدركه بنفسك، فتراني في معيّتك على الدّوام!

هذه هي رسالة السّلف في يوم عيد شفيعه إلى خلفه. أراد بها السّلف أن يزرع في حقل خلفه البذار الّتي أودعه الله إيّاها، فيستكمل عمل الفلاحة الموكول إليه، حتّى في شيخوخته الصّالحة.

كيف لي أن أشكره على عمله هذا؟ باتت الأمانة أكبر والوديعة أكثر جلالًا، لكنّ الرّبّ سبق أن علّمنا أن نيره هيّن وحمله خفيف طالما تُبْنا إليه.

أَلا باركْ يا ربّ راعينا وزرعه وحصاده، وباركْ الّذين على غراره يخدمونك بكلّ تفانٍ وأمانة وإخلاص."