قدّاس جامع في صور: صلاة واحدة لكنائس المدينة ورجاء يثبت القلوب
خلال القدّاس الّذي احتفل به الأب ماريوس خير الله، تلا راعي أبرشيّة صور للرّوم الملكيّين الكاثوليك المتروبوليت جورج اسكندر الإنجيل المقدّس وألقى عظة جاء فيها:
"أيّها الأبناء الأحبّاء،
في هذا الأحد الرّابع من الصّوم، تضع الكنيسة أمامنا كلمتين تختصران حال قلوبنا ومسيرتنا اليوم:
مرساة… وصراخ.
في الرّسالة إلى العبرانيّين نسمع أنّ لنا مرساة للنّفس أمينة وراسخة.
وفي الإنجيل نسمع صرخة أب موجوع يقول للرّبّ:
"إنّي أؤمن يا ربّ، فأعن قلّة إيماني."
وهاتان الكلمتان تلخّصان ما نعيشه اليوم هنا، في صور:
بين مرساة تثبت القلب، وصراخ يخرج من عمق الوجع.
بين رجاء نحاول أن نتمسّك به، وخوف يطرق الأبواب والبيوت والقلوب.
بين إيمان نعلنه، وضعف نحمله إلى الله بصراحة الأب الّذي لم يخف فقره الدّاخليّ، بل حوله صلاة.
الرّسول يقول إنّ الله، عندما وعد إبراهيم، أقسم بنفسه، لأنّه لا يوجد أعظم منه يقسم به.
والمعنى عميق جدًّا:
أنّ الله أراد أن يطمئن القلب البشريّ إلى أنّ وعده لا يتغيّر، وأنّ عهده لا يتبدّل، وأنّ محبّته لا تتراجع.
الله لا يتراجع عن كلمته.
الله لا ينسى أبناءه.
الله لا يترك الّذين علّقوا رجاءهم عليه في منتصف الطّريق.
ولذلك يقول الرّسول إنّ الرّجاء هو مرساة للنّفس.
وأنتم، يا أبناء صور، تعرفون معنى المرساة أكثر من كثيرين.
هذه مدينة بحر.
هذه مدينة تعرف الرّيح، وتعرف الموج، وتعرف معنى أن تضطرب المياه.
لكن أهل البحر يعرفون أيضًا أنّ السّفينة لا تنجو لأنّ البحر هادئ دائمًا، بل لأنّ فيها مرساة تثبّتها حين يشتدّ الاضطراب.
وهكذا نحن أيضًا.
البحر من حولنا قد يعلو.
والرّيح قد تعصف.
والأخبار قد تربك.
والتّهديدات قد تخيف.
والقلق على الأولاد والبيوت والغد قد يثقل القلب.
لكن الخطر الأكبر ليس فقط بما يحدث حولنا، بل أن يسمح الإنسان للخوف أن يقتلع مرساة قلبه.
أنا لا أطلب من أحد أن يستخفّ بالخطر.
ولا أطلب من أحد أن ينكر وجعه أو قلقه.
ولا أقول كلامًا عاطفيًّا بعيدًا عن الواقع.
لكنّني أقول لكم: لا تسلّموا قلوبكم للخوف.
لا تجعلوا القلق يصير سيّدًا على أرواحكم.
لا تسمحوا للعاصفة أن تدخل إلى الدّاخل، إلى ذلك المكان الّذي يجب أن يبقى لله.
البيت ليس حجارة فقط.
البيت صلاة.
البيت ذكرى.
البيت وجه أمّ سهرت.
البيت ضحكة طفل.
البيت أيقونة على الجدار، وزيتونة في الحقل، ومائدة اجتمع حولها الأحبّاء.
البيت تاريخ حيّ، لا مجرّد مساحة للسّكن.
ولهذا، فإنّ الثّبات في البيت، حين يكون ممكنًا ومسؤولًا، ليس عنادًا ولا استعراضًا، بل شهادة هادئة إلى أنّ الإنسان لا يقتلع بسهولة من أرض صلّى فيها، وعاش فيها، وأحبّ فيها، وتألّم فيها.
أن تبقوا هنا، في صور، ليس تحدّيًا لأحد، بل هو قول هادئ وواضح:
نحن أبناء هذه الأرض.
نعيش عليها بسلام.
نصلّي فيها.
ونتعلّم كلّ يوم أن نسلّمها لله من جديد.
نحن لا نعبد الأرض، لكنّنا لا نتركها من دون صلاة.
ولا نترك تاريخنا فيها من دون حضور.
ولا نترك الكنيسة من دون شعبها.
غير أنّ مرساتنا ليست في الظّروف السّياسيّة، ولا في الحسابات البشريّة، ولا في الوعود الأرضيّة.
مرساتنا في الله.
في الله الّذي وعد.
في الله الّذي أقسم بنفسه.
في الله الّذي يبقى أمينًا حتّى حين يضعف الإنسان.
ثمّ نأتي إلى الإنجيل، فنرى أبًا يحمل وجعه أمام يسوع.
جاء بابنه المكسور، العاجز، الملقى تحت قسوة الشّرّ، وقال للرّبّ:
"إن استطعت شيئًا فتحنّن علينا وأغثنا".
ما أشبه هذه العبارة بصلاتنا اليوم.
كم من واحد منّا يقول في قلبه:
يا ربّ، إن بقي لنا غد…
يا ربّ، إن حفظت أولادنا…
يا ربّ، إن حميت بيوتنا…
يا ربّ، إن مرّت هذه الأيّام بسلام…
لكن يسوع لا يقسو على هذا الأب في الإنجيل، بل يأخذه إلى العمق.
يعيد السّؤال إلى قلبه:
"إن استطعت أن تؤمن، فكلّ شيء ممكن للمؤمن."
هنا يخرج من الأب أجمل صراخ في الإنجيل، لأنّه أصدق صراخ:
"إنّي أؤمن يا ربّ، فأعن قلّة إيماني."
ما أروع هذه الصّلاة.
وما أشدّ قربها من حياتنا.
لأنّ الإيمان ليس دائمًا يقينًا بلا اهتزاز.
الإيمان ليس دائمًا مشاعر قوّة.
الإيمان ليس دائمًا انتصارًا ظاهرًا.
الإيمان أحيانًا دمعة.
وأحيانًا ارتجاف.
وأحيانًا صلاة قصيرة في اللّيل:
يا ربّ، لا تتركني.
يا ربّ، احم بيتي.
يا ربّ، أمسك قلبي كي لا يسقط في اليأس.
ولهذا لا تخجلوا من ضعفكم.
لا تخجلوا من خوفكم.
لا تخجلوا من تعبكم النّفسيّ والرّوحيّ.
الله لا ينفر من القلب المرتجف، بل يقترب منه.
والمسيح لا يوبّخ هذا الأب لأنّ إيمانه ناقص، بل يكرّم صدقه، ويستجيب لصرخته، ويمدّ يده إلى الابن ويقيمه.
وهنا رجاؤنا:
أنّ يد المسيح ما زالت قادرة أن ترفع ما ظننّاه سقط نهائيًّا.
أنّ الّذي بدا كالميت قام.
أنّ الّذي بدا منتهيًا عاد إلى الحياة.
وهذا هو سرّنا نحن أيضًا.
قد نشعر أحيانًا أنّ المدينة متعبة.
قد نشعر أنّ النّاس أنهكتها الأيّام.
قد نشعر أنّ النّفوس أرهقت من طول الانتظار.
لكن الرّبّ الّذي أقام ذلك الصّبيّ قادر أن يقيم فينا ما تعب، ويشدّد ما انكسر، ويوقظ ما خمد، ويعيد إلى القلوب القدرة على الثّبات.
ثمّ يقول الرّبّ لتلاميذه بعد ذلك:
"هذا الجنس لا يخرج إلّا بالصّلاة والصّوم".
وهنا نفهم معنى هذا الزّمن الّذي نعيشه.
الصّوم ليس عادة موسميّة.
ليس لائحة أطعمة نمتنع عنها فقط.
الصّوم تربية للقلب على الحرّيّة.
الصّوم تدريب على الثّبات.
الصّوم مدرسة نتعلّم فيها ألّا نكون عبيد الخوف ولا عبيد الغريزة ولا عبيد القلق.
والصّلاة ليست مجرّد واجب أسبوعيّ.
الصّلاة ليست ترفًا روحيًّا نلجأ إليه حين يتبقى لنا وقت.
الصّلاة اليوم ضرورة حياة.
هي الحبل الممدود بين الأرض والسّماء.
هي النّفس الّذي يمنع الرّوح من الاختناق.
هي المرساة الّتي تمنع القلب من الانجراف.
في صور اليوم، الصّلاة ليست مجرّد فكرة جميلة.
إنّها حاجة يوميّة.
حين تجتمع العائلة وتصلّي، فهذه ليست حركة عابرة.
حين ترفع المسبحة في البيت، فهذه ليست عادة قديمة.
حين يفتح الإنجيل أمام الأولاد، فهذه ليست تفصيلة ثانويّة.
حين ترسم إشارة الصّليب على الجباه قبل النّوم، فهذه ليست حركة صغيرة.
هذا كلّه فعل ثبات.
هذا كلّه مقاومة روحيّة.
هذا كلّه إعلان بأنّ الله ما زال حاضرًا في البيت، وأنّ البيت ما زال قائمًا بالله.
نحن لا نحمل سلاحًا.
نحمل صليبًا.
والصّليب، في إيماننا، ليس علامة هزيمة، بل علامة محبّة ثابتة حتّى النّهاية.
ليس علامة سقوط، بل طريق عبور.
ليس نهاية الحكاية، بل الباب الّذي دخل منه المسيح إلى القيامة.
أيّها الأحبّاء،
أتوجّه إليكم اليوم لا كرجل يطلب منكم بطولة فوق طاقة البشر، بل كأب يقول لأولاده:
تمسّكوا بالرّجاء.
إن اضطرّ أحد إلى الخروج، فليخرج بسلام وكرامة ومن دون شعور بالذّنب.
وإن بقي أحد، فليبق بإيمان وهدوء ومن دون كبرياء.
لا نحاكم بعضنا بعضًا.
لا نوزّع التّهم على بعضنا بعضًا.
فلكلّ إنسان ظرفه، ولكلّ عائلة مسؤوليّتها، ولكلّ قلب معركته الدّاخليّة.
وفي كلّ الأحوال، يجب أن ندرك أنّ بقاءنا هنا، في صور، لا يفهم إلّا في ضوء المسيح الّذي سبقنا إلى عمق الألم. فنحن لا نثبت هنا من أجل شيء آخر، بل لأنّه هو الّذي دخل قبلنا إلى الجرح، وحوّل الألم طريقًا إلى الرّجاء.
فكما قالت الرّسالة، المسيح دخل إلى داخل الحجاب.
أيّ دخل إلى الموضع الّذي يعجز الإنسان أن يدخله وحده.
دخل إلى عمق الجرح البشريّ.
دخل إلى الموت نفسه.
فتح في العتمة كوّة نور.
وفي الألم بابًا للقيامة.
قد لا نفهم كلّ ما يحدث معنا اليوم.
وقد لا نملك جوابًا عن كلّ سؤال.
لكنّنا نعرف من نؤمن به.
وهذا يكفي كي لا نسقط في اليأس.
نعرف أنّ الرّبّ ليس بعيدًا.
نعرف أنّه ليس متفرّجًا على آلامنا.
نعرف أنّه معنا، في البيت، وفي القلق، وفي السّهر، وفي الدّمع، وفي الانتظار.
أيّها الأبناء الأحبّاء،
إذا شعرتم اللّيلة بثقل، فلا تفتّشوا عن كلمات كثيرة.
قولوا فقط:
إنّي أؤمن يا ربّ، فأعن قلّة إيماني.
وإذا شعرتم أنّ الموج يعلو، تذكّروا أنّ لكم مرساة لا تتحوّل.
وإذا شعرتم أنّ الخوف يقترب من القلب، قولوا لأنفسكم:
وعد الله لا يتغيّر.
عهد الله لا يسقط.
ويد الله لا تقصر.
صور ستبقى، لأنّ الرّجاء فيها أقدم من الخوف.
والكنيسة ستبقى، لأنّ المسيح حيّ فيها.
وأنتم ستبقون، لأنّ الله لا ينقض عهده مع الّذين يتّكلون عليه.
فلنمض في هذا الصّوم بخطوات هادئة،
بقلب مرفوع إلى الله،
وبإيمان يعرف أن يصرخ حين يتألّم،
ويعرف أيضًا أن يثبت حين تشتدّ الرّيح.
فلنمض نحو صليب لا يرعبنا،
لأنّ المسيح سبقنا إليه،
ونحو قيامة ننتظرها لا كحلم بعيد،
بل كوعد إلهيّ أكيد.
آمين".
