دينيّة
08 شباط 2026, 14:00

كتاب "التّريوديون" الأكثر زهدًا أورثوذكسيًّا

تيلي لوميار/ نورسات
ما هو كتاب "التّريوديون"؟ ما هي هذه الفترة المنتظرة في الكنيسة الأرثوذكسيّة؟ ما الغاية منها ومن احتفالاتها المهيبة؟ الإجابة في مقال جديد لخادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض، وفيه يشرح:

"ينتظر المؤمنون في الكنيسة الأرثوذكسيّة بفرحٍ عظيمٍ وحنينٍ جارفٍ كلّ عامٍ احتفالات التّريوديون المهيبة. فالصّوم والاعتدال والتّوبة والحزن الرّوحيّ الممزوج بالفرح هي تجارب الأرثوذكس، الذين يتجدّدون وينتعشون من خلال الدّورة اللّيتورجيّة لأعياد التّريوديون. نشعر بجذور تقاليدنا تغذّينا وتروينا بالتّقوى والقداسة، ولاسيّما في فترة التّريوديون.

من يدرس كتاب التّريوديون بتأنٍّ، سيدرك مدى الحكمة الكامنة في بنيته المتناغمة التي وضعها الآباء القدّيسون. ولعلّ أفضل سبيل للمسيحيّ الأرثوذكسيّ للوصول إلى عيد الفصح هو التّريوديون، ليس كمجرّد عابر سبيل عبر الزّمن، بل كحاجّ تقيّ يخوض غمار آلام المسيح وقيامته. والسّبب في ذلك هو أنّ بنيته تقوم على مبدأ عامّ، وهو أنّ التّريوديون سُلّمٌ للمؤمن، تقوده درجته الأخيرة إلى نور قيامة الرّبّ البهيّ.

كتاب التّريوديون: يُطلق على الكتاب الكنسيّ الذي يحتوي على طقوس كنيستنا التي تُقام خلال الفترة الممتدّة من أحد العشّار والفرّيسيّ إلى سبت النّور، أيّ طقوس الأعياد المتغيّرة التي تسبق عيد الفصح، اسم "تريوديون" ويغطي ما يلي: (أ) الأسابيع الثّلاثة التي تسبق الصّوم الكبير، (ب) الصّوم الكبير بأكمله، وتحديدًا الفترة من إثنين التّطهير إلى أحد الشّعانين، (ج) أسبوع الآلام. سُمّي "تريوديون" لأنّ العديد من ترانيمه، ما يُسمّى "القوانين" (وبخاصّة قوانين صلاة الصّبح في أيّام الأسبوع)، غير مكتملة، أيّ أنّها لا تحتوي على ثمانية أو تسعة أناشيد، بل ثلاثة أناشيد فقط. بالطّبع، هناك قوانين مكتملة أيضًا، ولكن نظرًا لأنّ العديد منها، بل معظمها (وبخاصّة قوانين صلاة الصّبح في أيّام الأسبوع، كما ذكرنا)، تحتوي على ثلاثة أناشيد، فقد سُمّي الكتاب بأكمله "تريوديون". نظرًا لاحتوائه على ترانيم جليلة، يُطلق عليه أيضًا اسم "تريوديون الجليل". و"تريوديون" ليس اسم الكتاب فحسب، بل هو أيضًا اسم الفترة الزّمنيّة التي يغطّيها. لذا، يُعدّ "تريوديون" كتابًا طقسيًّا وجزءًا من السّنة الكنسيّة. تهدف فترة "تريوديون" بأكملها إلى إعدادنا، من خلال الصّيام والصّلاة والتّوبة، لقبول مخلّصنا وهو "يُهيّئنا لآلامه" ولنصبح شركاء في آلامه وقيامته.

إنّ فترة التّريوديون هي صورة مصغّرة للحياة الرّوحيّة للإنسان. يكفي أن يتأمّل المرء معاني ترانيم الأيّام ليرى مسار الجهاد الذي خاضه الإنسان. يبدأ هذا الجهاد من أساس الحياة الرّوحيّة إلى غايته، وهي تقديس الإنسان وتأليهه. التّريوديون فترة روحيّة ثريّة للغاية، ونظرًا لظروف كلّ فرد الخاصّة، والتزاماته المتعدّدة، فليس من السّهل استيعاب جميع الفرص الرّوحيّة التي تتيحها هذه الفترة.

إنّ فترة التّريوديون، التي ندخلها، ترفع معايير حياتنا، وتعيد الأمور إلى مسارها الطّبيعيّ. أوّلاً، إنّه يفصلنا عن المطالب الملحّة للجسم، بما يتجاوز ما هو ضروريّ، وكذلك الضّغوط النّاجمة عن عيوبه. ثانيًا، إنّه يُظهر لنا الجمال الرّوحيّ للعقل المتواضع والبريء، والقلب البسيط والنّقيّ. ثالثًا، إنّه يدفعنا للبحث عن اللّه، وبذل جهد لنكون مثل المسيح، ممّا يخلق لنا "معايير جماليّة" أخرى، حيث لدينا كمرشد تجارب مثل تجارب القدّيس سمعان اللّاهوتيّ الجديد، الذي أشرق وجهه مثل الشّخص الذي كان يرغب فيه.

لكن منذ أن أصبح المسيح مرادنا، كما كان للقدّيس سمعان، ابتعدنا كثيرًا عن قدرة التّكنولوجيا على تمثيل الجمال الافتراضيّ. لقد ارتقينا إلى مستوى آخر من الوجود والجمال.

أيضًا تُمثّل فترة التّريوديون توازنًا دقيقًا بين الإفراط والتّفريط، والاختلاط والانطواء، والاستقلال والطّاعة. فمن خلال ترانيم التّريوديون وكلمات الآباء، تُدين الكنيسة المقدّسة الإفراط في تناول الطّعام بلا حدود، كما تُنبّه إلى الإفراط في الصّيام، الذي قد يكون مرتبطًا بالكبرياء. إنّها لا تسعى إلى إرهاق الجسد فحسب، بل إلى تهذيب الأهواء وجعل العقل مسيطرًا على الغضب والشّهوة. ولذلك، تُوجّه العقل نحو الدّاخل، حثًّا على الصّمت والصّلاة، وعلى العطاء برحمة. إنّها تُلهم الطّاعة لإرادة اللّه، وفي المسيح للخليقة جمعاء، لأنّ هذه هي حرّيّة المحبّة.

في هذا العمل العظيم لجعل أنفسنا وخلقنا كنسيّين، نجد في فترة التّريوديون عونًا فعّالًا. ويُعدّ الصّيام عن الطّعام جوهريًّا في هذا العمل، لكنّ معناه لا يقتصر عليه، بل يتجلّى في أسلوب حياتنا. فهو يُعلّمنا تحديدًا كيف ينبغي للنّاس أن يعيشوا وهم يسعون إلى اللّه قبل القيامة الجماعيّة. ولهذا السّبب، نحن مدعوّون إلى خوض معركة الصّيام الحسنة، لندخل ساحة الفضائل - الصّوم الكبير - ليس فقط بسيف الصّيام الذي "يقطع الشّرّ من القلب"، بل بكلّ أسلحة الإيمان، كالصّلاة والصّدقة. بل إنّ الصّيام عن الطّعام سيُعتبر غير كافٍ إن لم يُصاحبه جهادٌ كبير ضدّ الأهواء، كما تقول إحدى التّرانيم المُستهلّة للصّيام: "يا نفسي، أنتِ تمتنعين عن الطّعام، ولا تطهّرين نفسك من الشّهوات؛ عبثًا تفرحين بعدم الأكل؛ فإن لم يُصلحكِ الصّيام، فسيكون باطلاً ومحتقرًا عند اللّه، ولن تُشبهي إلّا بالأرواح الشّريرة التي تمتنع عن الطّعام كلّيًّا" (صلاة الصّبح، أربعاء أسبوع الجبن).

إضافةً إلى ذلك، يتميّز مضمون الصّوم الكنسيّ الأرثوذكسيّ بعمقه واتّساعه. يقدّم القدّيس يوحنّا السّينائيّ، في كتابه "السّلّم" ، الذي يُقرأ عادةً في الأديرة الأرثوذكسيّة خلال الصّوم الكبير، تعريفًا شاملًا للصّوم، مُبيّنًا عمقه واتّساعه. يكتب القدّيس يوحنّا: "الصّيام هو كبح الطّبيعة والامتناع عن كلّ ما يُسعد الحواس، ومنع الشّهوة، واقتلاع الأفكار السّيّئة، والنّجاة من الأحلام، وطهارة الصّلاة، ونور الرّوح، وحراسة العقل، والنّجاة من العمى، وباب النّدم، والتّنهّد الخاشع، والتّوبة السّعيدة، وتهدئة الثّرثرة، ووسيلة للصّمت، وحارس للطّاعة، وتخفيف النّوم، وصحّة الجسد، وعامل للزّهد، وغفران الذّنوب، وباب الجنّة وبهجتها." 

في هذه الكلمات الموجزة والقويّة للقدّيس يوحنّا السّينائيّ، نجد المعنى الكامل للصّوم الأرثوذكسيّ. لن أحللّ النّصّ، بل سأشير فقط إلى أنّه نضال ضدّ الطّبيعة البشريّة السّاقطة. فالزّهد يُخضع الجسد للعقل، الذي يتحرّر من الأفكار الشّريرة ويُصلّي بنقاء. يرتبط هذا البُعد الباطنيّ للصّوم بالنّدم، وتنهّد التّوبة الخاشعة، وندم القلب الذي لا يغرق في الإحباط والحزن، بل يُدخل بهجة الأمل، بأنّ الذّنوب ستُغفر وأن باب الفردوس سيُفتح. وأمرٌ هام في العلاقات الشّخصيّة: الصّوم هو "هدوء في الكلام، ووسيلة للصّمت، وحارس للطّاعة". لا تتغذّى الكنيسة بالكلمات - وبخاصّة الكلمات المضطربة أو الدّنيويّة - بل تتغذّى بكلمات الكتاب المقدّس. من حولنا، النّاس - ونحن أيضًا - نرغب في بعض الكلمات، لكنّها ستنبع من صمت القلب، الذي يطيع بكل جوارحه إرادة اللّه صانع السّلام.

أخيرًا، إنّ الغاية من كتاب التّريوديون، كما أرادها الآباء القدّيسون في هذه الفترة من الصّيام الكبير هي بمثابة درس تحضيريّ وتحفيز على الاستعداد للجهد الرّوحيّ للصّوم، بعد أن نبذنا عاداتنا السّيّئة المعتادة."