لبنان
05 شباط 2026, 12:50

كلمة البطريرك الرّاعي في افتتاح السّنة القضائيّة

تيلي لوميار/ نورسات
في افتتاح السّنة القضائيّة للمحاكم المارونيّة في بكركي، كانت للبطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي كلمة توجّه بها إلى القضاة والموظّفين القضائيّين، قائلًا:

"1.يسعدني أن أحيّيكم في مستهلّ هذه السّنة القضائيّة، وفي مقدّمتكم أصحاب السّيادة إخواننا المطارنة حنّا علوان المشرف على محكمتنا الابتدائيّة الموحّدة، ومارون العمّار رئيس محكمتنا البطريركيّة الاستئنافيّة، والياس سليمان المشرف على توزيع العدالة في محاكمنا المارونيّة في لبنان والنّطاق البطريركيّ. وأشكر عزيزنا الأب مارون حرب الّذي تكلّم باسمكم، معبِّرًا عن عواطفكم وتطلّعاتكم. وفي المناسبة أعرب لكم جميعًا عن تقديري لعملكم في خدمة العدالة والمحبّة والحقيقة.

حديثي اليوم يتمحور حول وظيفة القاضي بالنّسبة لهذه الثّلاث، على ضوء مفهوم الزّواج.

I- مفهوم الزّواج

2. الزّواج هو أساس العائلة، الّتي هي الخليّة الحيّة للمجتمع المدنيّ والدّينيّ. وترى فيها الكنيسة "كنيسة بيتيّة". قمّة تعليم الكنيسة عن الزّواج والعائلة نجده في تعليم المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، وبخاصّة في دستوره الرّعويّ "فرح ورجاء". ليس الزّواج جماعة رهن إرادة الإنسان يخلقها ويدمّرها ساعة يشاء. "الزّواج هو جماعة الحياة والحبّ، أسّسها الخالق، ووضع لها شرائع خاصّة، وثبّتها "بالعهد الزّوجيّ، أيّ بالرّضى الشّخصيّ الّذي لا رجوع عنه" (بند 48). "يحتّم خير الزّوجين والأولاد والمجتمع نفسه ألّا يخضع هذا الرّباط المقدّس، لأهواء الإنسان، إذ إنّ الله نفسه هو الّذي أسّس الزّواج وما يمتاز به من قيم وأهداف" (بند 48). "هذه الوحدة الوثيقة الّتي تتأسّس على هبة الذّات المتبادلة بين شخصين والمستهدفة خير الأولاد، تقتضي أمانة الزّوجين الكاملة، واتّحادهما برباط لا يقبل الانفصام" (بند 48).

"إنّ الحبّ المؤيَّد بالعهد المتبادل بين الزّوجين، والمكرَّس في المقام الأوّل بسرّ المسيح، فإنّه يبقى وفيًّا لا ينفصم جسمًا وروحًا في السّرّاء والضّرّاء، وبذلك يستبعد كلّ زنى وكلّ طلاق (بند 49).

​II-دور القاضي خدمة قول الحقيقة والعدالة وحمايتهما

3. على القاضي الكنسيّ قول حقيقة الزّواج والعدالة وحمايتهما. فهو مفسّر الشّريعة وحاميها، والشّريعة هي شريعة الله مؤسّس الزّواج وواضع نواميسه، وشريعة الكنيسة والتّقليد، والاجتهاد الكنسيّ. الزّواج الحقيقيّ يتطلّب هبة متبادلة للحبّ الاستئثاريّ وغير المنفصم والمنفتح على الإنجاب. يقول شيشرون: "إنّ القاضي هو الشّريعة نفسها الّتي تتكلّم". هذه الأمانة تدفع بالقاضي لاكتساب مجمل الصّفات الّتي يحتاج إليها من أجل القيام بواجباته الأخرى تجاه الحقيقة، أعني: الحكمة لفهمها، العلم لإيضاحها، الغيرة للدّفاع عنها، الفطنة لتفسيرها، والإنصاف المسيحيّ لتطبيقها.

4. القاضي، بكونه كاهن القانون في المجتمع الكنسيّ، هو خادم الحقيقة والمحبّة في الكنيسة ومن أجل الكنيسة.

خادم الحقيقة:

أ. هو خادم الحقيقة تجاه أصالة المفهوم المسيحيّ للزّواج وسط ثقافات أو ممارسات تسعى للتّعتيم عليه.

ب. وهو خادم الحقيقة تجاه الجماعة المسيحيّة، بحيث تُحمى من الشّكّ في رؤية قيمة الزّواج المسيحيّ تتفكّك بشكل آليّ متكاثر، ويُعلن بطلانه، في كلّ صعوبة زوجيّة، لأسباب واهية من مثل الادّعاء بعدم نضج أو ضعف نفسانيّ لدى الزّوجين.

ج. وهو خادم المحبّة تجاه الزّوجين اللّذين حبًّا بالحقيقة، يجب رفض بطلان زواجهما، بحيث يُساعدان على معرفة حقيقة إخفاقهما، فلا يتكرّر في حال عَقْدِ زواج جديد. من هنا أهمّيّة سماعهما ومرافقتهما في الأبرشيّة أو في مكتب الوساطة والمرافقة البطريركيّ.

خادم المحبّة:

القاضي هو خادم المحبّة تجاه المؤسّسات والأجهزة الرّاعويّة الأخرى في الكنيسة، بحيث ترفض المحكمة أن تكون طريقًا سهلًا، لحلّ الزّيجات المخفّقة والأوضاع غير الشّرعيّة بين الأزواج، الأمر الّذي يولّد كسلًا في تنشئة الشّبّان والشّابّات على سرّ الزّواج، كشرط مهمّ لعقده.

بنتيجة خدمة الحقيقة والمحبّة، على القاضي ألّا يتأثّر بالنّزاعات والمحاولات الجارية الّتي لا تحمي بالكفاية عدم انفصام الزّواج. نذكر منها:

أ. الذّهنيّة القائمة على أنّه باسم النّشاط الرّاعويّ وخير النّفوس لم يكن من شدّة لتقييم الأسباب لصالح صحّة الزّواج. وبخفيّة ذهب القاضي إلى إعلان بطلان الزّواج، بدون أيّة مراعاة للمبدأ القانونيّ القائل: "الشّكّ لصالح الزّواج" (ق. 779).

ب. تفضيل اللّجوء إلى ضمير الزّوجين تجاه انحلال صحّة زواجهما.

ج. باسم علم النّفس لدى الفرد، انتشرت ممارسة إعلان بطلان زواج فقط لأنّه أخفق. وإخفاقه بسبب انعقاده بين شخصين غير قادرين على العيش معًا لأنّهما كانا يفتقران إلى التّمييز في الحكم عندما عقداه.

III- العلاقة بين الحقيقة والمحبّة

5. هذا الموضوع مستمدّ من خطاب قداسة البابا لاون الرّابع عشر لقضاة الرّوتا الرّومانيّة في افتتاح السّنة القضائيّة (في 26 كانون الثّاني 2026).

يتكلّم قداسة البابا عن العلاقة بين الحقيقة والمحبّة، انطلاقًا من كلمة بولس الرّسول: "إذا عملنا للحقيقة بالمحبّة، نموّنا وتقدّمنا في جميع الوجوه نحو ذاك الّذي هو الرّأس، نحو المسيح" (اف 4: 15). عبارة "عاملين للحقيقة بالمحبّة"، لا تعني "حقيقة" نظريّة، بل الحقيقة الّتي يجب أن تنير كلّ عمل. ويجب أن يتمّ ذلك بالمحبّة الّتي هي المحرّك العظيم الّذي يؤدّي إلى إحقاق العدالة الحقيقيّة. وبعبارة أخرى للقدّيس يوحنّا الرّسول: "أنتم مدعوّون لتكونوا معاونين للحقيقة". البابا بندكتوس السّادس عشر سلّط الضّوء في رسالته العامّة "الحقيقة في المحبّة" على الحاجة الى الجمع بين المحبّة والحقيقة، ليس فقط بالاتّجاه الّذي رسمه بولس الرّسول: "الحقيقة في المحبّة" (أفس 4: 15)، بل أيضًا في الاتّجاه العكسيّ والمتكامل: "المحبّة في الحقيقة". فيجب أن تُفهم المحبّة وتثمّن وتمارس في ضوء الحقيقة.

من هنا وجوب التّقيّد بحقيقة الإنجيل، فيوضع النّشاط القضائيّ وفق المبدأ: "الشّريعة الأسمى خلاص النّفوس". وهكذا، فإنّ خدمة حقيقة العدالة مساهمة حبٍّ في خلاص النّفوس. إنّ خدمة "الحقيقة في المحبّة" ينبغي أن تتجلّى في كلّ عمل المحاكم. وهذا يجب تأييده من الجماعة الكنسيّة، وبخاصّة من المعنيّين، أعني من الّذين يطلبون الحكم بشأن اتّحادهم الزّوجيّ؛ ومن الّذين يتّهمون بارتكاب جرم كنسيّ؛ ومن الّذين يعتبرون ذواتهم ضحايا ظلم جسيم؛ ومن الّذين يطالبون بحقّهم. على المحاكمات الكنسيّة أن تلهم تلك الثّقة الّتي تأتي من الجدّيّة المهنيّة، ومن العمل المكثّف والدّقيق، ومن التّفاني المقتنع بما يمكن ويجب أن يُنظر إليه كدعوة مهنيّة حقيقيّة. فللمؤمنين ولكلّ الجماعة الكنسية الحقّ في ممارسة الوظائف القضائيّة كطريق يؤثّر في الضّمير والحياة.

خاتمة

6. إنّ القاضي يلتزم في البحث عن الحقيقة، وفي تأكيد العدالة، وفي خدمة المحبّة. ولذا مهمّته كنسيّة ومكرَّسة بسلطان إلهيّ، فيبدأ حكمه بعبارة: "باسم الله تعالى" ويختمه بعبارة: "والله وحده نصب عينيّ".

مع الشّكر لإصغائكم!".