كلمة المطران معوّض في لقاء الصّلاة من أجل الوحدة في مار مارون- كسارة
"إنّ عنوان أسبوع الصّلاة من أجل وحدة المسيحيّين لهذه السّنة مأخوذ من أفسس 4/4: "إنّ الجسد واحد والرّوح واحد، كما دعيتم أيضًا برجاء دعوتكم الواحد".
الجسد الواحد هو رمز الكنيسة الّتي أرادها يسوع المسيح، رأسها، واحدة. وهي واحدة في تنوّع الأشخاص، والثّقافات، والمواهب، والتّقاليد اللّيتورجيّة. ومن يحبّ المسيح، لا بدّ أن يسعى الى أن تكون الكنيسة واحدة. توجد طرق متعدّدة لاستعادة هذه الوحدة، من أبرزها: الصّلاة، والمعرفة المتبادلة، والواقع التّاريخيّ المشترك.
الصّلاة هي تعبير عن المسكونيّة الرّوحيّة. وهي تدلّ على أنّ الوحدة، قبل كلّ شيء، عطيّة من الله. فالجهود البشريّة ضروريّة، ولكنّها وحدها غير كافية، لأنّ الرّوح القدس منبع الوحدة ومتمّمها. ومن ثمار الصّلاة أنّها تفتح القلب على نور المسيح، وعلى عمل الرّوح الواحد الّذي يعمل في جميع الكنائس موجّهًا ايّاها نحو الوحدة الكاملة.
ونسعى أيضًا إلى الوحدة عبر المعرفة المتبادلة. ففي لبنان تتواجد كنائس وجماعات كنسيّة عديدة، وأغلبيّتها موجودة في البقاع، وهي: الكاثوليكيّة، والأرثوذكسيّة، والأرثوذكسيّة القديمة، والأشوريّة، والبروتستانتيّة. إنّ السّعي المسكونيّ يحفّز إلى التّعارف المتبادل، بدءًا بالأشخاص، وإلى عيش الأخوّة معهم. فجميعنا ننادي بروحانيّة الإنجيل، وجوهرها المحبّة، فلنبدأ بعيشها معًا، ولنشهد لها معًا للعالم أجمع. نحن لم نصل بعد إلى الشّركة الكاملة في الحقيقة، ولكن لا عذر لنا ألّا نعيش الشّركة في المحبّة الّتي يحرّكها في قلوبنا جميعًا الرّوح الواحد. فالوحدة تفترض شركة محبّة فيما بيننا، مصدرها ومثالها شركة المحبّة بين الأقانيم الالهيّة في الثّالوث الأقدس.
وتشمل معرفة الآخر معرفةَ لاهوته، واختباراته الرّوحيّة، وتقاليدِه اللّيتورجيّة، وتاريخِه. وتقتضي هذه المعرفة الإصغاء. فلنصغِ الى بعضنا البعض. إنّ السّيّد المسيح الّذي هو ملء الحقيقة وكمالها، الّذي لا يحتاج إلى أيّ مشير، كان في حواراته يصغي إلى الآخرين: أصغى إلى نيقوديموس، وإلى المرأة السّامريّة، وإلى تلميذي عمّاوس. وعلّمنا أن نصغي بعضنا إلى بعض. وليتّسم هذا الإصغاء بالصّفات الأربع الّتي ذكرها مار بولس في أفسس: التّواضع، واللّطف، والصّبر، والمحبّة (أفس 4/2). ولنقدّر في هذا الإصغاء ما هو مشترك في إيماننا، وما يشكّل لدى أحدنا غنى لنا جميعًا، ولنعترف بعمل الرّوح الواحد الفاعل في قلوبنا، وبرجائنا الواحد. وأمّا النّقاط الّتي نختلف فيها، فلنتحاور بشأنها بروح الأخوّة والمحبّة، بدون مساومة على الحقيقة، بل سعيًا للوصول معًا إلى الحقيقة الّتي يريدها المسيح يسوع منّا جميعًا. وغنيّ عن البيان أنّ الحوارات اللّاهوتيّة البحتة، يخوضها لاهوتيّون مختصّون، سبق أن قاموا بسلسلة منها، صدرت عن آخرها، سنة 2023، وثيقة الإسكندريّة المشتركة بين الكاثوليك والأرثوذكس، عن السّينودوسيّة والأولويّة في الألفيّة الثّانية واليوم.
ويعزّز السّعيَ المسكونيّ أيضًا واقعُنا التّاريخيّ الّذي عشناه ونعيشه معًا، والتّعاونُ في القضايا الاجتماعيّة. فكنائس لبنان لديها ماضٍ مشترك ومأساة مشتركة في الحربين العالميّتين الأولى والثّانية، وفي حرب سنة 1975. وككنائس سعينا معًا الى الصّمود في وجه الصّعوبات والهجرة، ودعونا إلى السّلام والتّصرّف بحكمة، وواجهنا جميعًا الأزمة الاقتصاديّة، وحاولت كلّ كنيسة أن تقدّم ما أمكنها من مساعدات، أمام حاجات تتطلّب معالجتُها سياسةً اقتصاديّة شفّافة ورشيدة على مستوى الوطن. ومعًا ككنائس كنّا ولا نزال منفتحين على الأخوة المسلمين، تثبيتًا للعيش المشترك، وشهادة لروحانيّتنا المسيحيّة. لقد أسهم واقعنا المشترك واختباراتنا الماضية المشتركة، في لبنان، في نموّ التّواصل والتّعاون فيما بيننا.
أمّا المواقف الّتي تتعارض مع السّعي المسكونيّ فمنها: محاولة استمالة مسيحيّين عبر إغراءات متنوّعة، أو التّمسّك المتطرّف بالهويّة الجماعيّة إلى حدّ رفض هويّة الآخر المختلف، أو نقيض هذا التّمسّك، أيّ العاطفة الجامحة المتحمّسة للوحدة، لدرجة التّغاضي عن جرح الانقسام المؤلم، وبالتّالي عن معالجته.
نسأل السّيّد المسيح اليوم أن يهبنا روحه القدّوس الواحد، ليقوّينا في ترميم تصدّعات الجسد الواحد، الكنيسة، ولنكون شهودًا لرجائنا الواحد، رجاءٍ يحثّنا على الوحدة في هذا العالم، ويقودنا إلى المجد السّماويّ، حيث نجتمع جميعًا لتسبيح الله إلى الأبد. آمين."
