العالم
09 كانون الثاني 2026, 12:50

ماذا جاء في تحيّة البطريرك المسكونيّ في اليوم الأوّل من العام؟

تيلي لوميار/ نورسات

في اليوم الأوّل من السّنة الميلاديّة الجديدة 2026، وجّه البطريرك المسكونيّ برثلماوس الأوّل تحيّة إلى الهيكل الكنسيّ وجميع أعضاء الكرسيّ المسكونيّ، وقال بحسب إعلام البطريركيّة المسكونيّ: 

"نشكر بحرارة المتحدّثين قبلًا، الأخ المقدّس، متروبوليت خَلْكيدونية كيريوس إيمانوئيل، على ما ذكره بحكمة وقلب صادق عن السّنة الجديدة، نيابة عن الهيكل الكنسيّ المحترم للكرسيّ، وكذلك الفاضل والمحبوب، الأستاذ الفخريّ لجامعة أرستوتيل، سوتيريوس بارناليديس، المنحدر من خالكيذ (Chalkis) وزميل الدّراسة في روما، على التّحيّة الجميلة نيابة عن أصحاب المناصب الكنسيّة في الكنيسة الأمّ، وعن أبناء الجالية الحاضرين هنا.

لقد دخلنا السّنة الجديدة، سنة رحمة الرّبّ، في اجتماع ليتورجيّ في الكاتدرائيّة البطريركيّة الكبرى، مجدين بترانيم وتسابيح وأغانٍ روحيّة ابن الله المتجسّد، المختون جسديًّا، والكلمة الأزليّة للآب، ومكرّمين بوقار الذّكرى المقدّسة للقدّيس العظيم باسيل، من "قيصرية وكابادوكيا"، منير العالم، المدافع عن الإيمان، اللّاهوتيّ العظيم، الزّاهد المحبّ للبشر، العامل الاجتماعيّ والمصلح، الحامي للمحتاجين، منظّم الأخلاق الإنسانيّة، والّذي يختلف تمامًا عن المعروف باسم "سانتا كلاوس" أو «Santa Claus»، الّذي أُنشئ على صورة مجتمع استهلاكيّ ويسود التّلفزيون طوال موسم الأعياد.

بالنّسبة للشّعب المسيحيّ المُسمّى باسم المسيح، يستمدّ احتفال رأس السّنة الجديدة طابعه الاحتفاليّ الخاصّ من روح التّسبيح والنّور الكامل للاثني عشر يومًا المقدّسة. في الاحتفالات الكنسيّة، يأخذ الزّمن معناه من الأبديّة، وتظهر حياتنا كهديّة من نعمة الله، كتجسيد للحبّ المتجسّد. هنا يكمن الفرق بين الاحتفال الحقيقيّ وبين مجرّد التّسلية أو التّرفيه؛ فقد قيل بحقّ: "لا يوجد احتفال بدون الله".

نحمد الله المحبّ للبشر على ما أنعم به على كنيسته خلال عام 2025، الّذي صادف الذّكرى الـ1700 لانعقاد المجمع المسكونيّ الأوّل في نيقية، الّذي دافع عنه القدّيس باسيل العظيم، خلال فترة حاسمة في تطوّر الأمور الكنسيّة، الّتي شهدت انقسامات وانحرافات هرطقيّة. كانت مساهمة القدّيس باسيل في الدّفاع عن الإيمان الأرثوذكسيّ حاسمة، إذ تولّى، بعد القدّيس أثناسيوس الكبير، دورًا رائدًا في الصّراع ضدّ الآريوسيّة الجديدة.

وتوجّت الاحتفالات بزيارة الحجّ إلى نيقية في بيتيونية، برفقة قداسة بابا روما ليون الرّابع عشر، وقداسة بطريرك الإسكندريّة ثيودور، وممثّلين عن البطريركيّتين القديمة أنطاكية والقدس، وبطاركة الكنائس السّابقة للخلقيّة الخلقيدونيّة، وممثّلي الطّوائف المسيحيّة والمنظّمات المسكونيّة، حيث أقيمت الصّلاة المشتركة في المكان الّذي انعقد فيه المجمع.

بعيدًا عن هذا الحدث الفريد، تحظى الزّيارة الرّسميّة لبابا روما الجديد إلى الكرسيّ التّاريخيّ للكنيسة الكبرى خلال احتفال العرش بأهمّيّة خاصّة لمسار الحوار بين الكنائس المسيحيّة، حيث شارك الحبر الأعظم في القدّاس البطريركيّ والجماعيّ في الكاتدرائيّة البطريركيّة الكبرى، وتمّ توقيع "إعلان مشترك" ذا دلالة كبيرة.

نشكر أيضًا، من هذا المنطلق، لجنة التّحضير والتّنسيق لهذه الفعاليّات، برئاسة القدّيس خالكيدوني (رأس الهيكل الكنسيّ)، وجميع الّذين ساهموا في نجاح هذا المشروع الكبير.

نسبّح الاسم الأقدس للرّبّ، ونشكره على ما تحقّق على نطاق أوسع خلال عام 2025 في مجال الرّعاية الرّعويّة لأبناء الكنيسة الكبرى وفي العلاقات بين الكنائس المسيحيّة وضمن الأرثوذكسيّة.

نذكر بشكل خاصّ الزّيارة الرّسوليّة إلى أبرشيّة أميركا، والزّيارة الرّسميّة إلى المملكة المتّحدة بدعوة رسميّة من الكنيسة الأنجليكانيّة، وكذلك اللّقاءات والنّقاشات المثمرة، بالإضافة إلى الزّيارة الرّسميّة المثمرة للكنيسة الرّومانيّة بمناسبة مرور 140 عامًا على الاستقلال الذّاتيّ وقرن من البطريركيّة، وهي هدايا منحها الكرسيّ المسكونيّ.

كما نذكر بسرور الزّيارة السّلميّة حديثة الإنجاز لبطريرك بلغاريا السّيّد دانيال إلى مركزنا المقدّس، والّتي تمّت بنجاح كامل، وكانت بداية حقبة جديدة مزدهرة في العلاقات بين كنائس القسطنطينيّة وبلغاريا.

نعتبر بركة عظيمة أنّ الكنيسة القسطنطينيّة في العام الجديد ستحتفل باثنتين من الذّكريات المهمّة:

الأولى هي مرور 1400 عام على 7 أغسطس 626، عندما تمّ ترتيل التّسابيح القائميّة (الأكاثيستوس) في كنيسة السّيّدة العذراء في فلاخيرني أثناء الرّقابة اللّيليّة المقدّسة، تعبيرًا عن الشّكر والامتنان لسيّدة الكون ومقاتلة الأمّة، الحامية للمدينة من الغزو العدائيّ.

نبلغكم أيضًا أنّ التّقويم السّنويّ للكرسيّ المسكونيّ لعام 2026 مكرّس لهذه الذّكرى. إنّها حقًّا بركة لأمّتنا أنّ وعيها الذّاتيّ مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمجمع المسكونيّ الأوّل وترتيل الأكاثيستوس، أحداث تربط الهويّة الأرثوذكسيّة ارتباطًا لا ينفصم بالإيمان بالله الواحد في الثّالوث وبـ"سرّ الله المستمرّ" في الاقتصاد الإلهيّ. لا يمكننا تصوّر مسيرتنا نحو المستقبل دون هذه الإشارة العلويّة والرّوحانيّة.

الذّكرى الثّانية المهمّة في العام الجديد هي الذّكرى العشريّة للمجمع المقدّس والكبير للكنيسة الأرثوذكسيّة، الّذي انعقد في يونيو 2016 في الأكاديميّة الأرثوذكسيّة في كريت. تتناول النّصوص المجمعيّة هيكل الكنيسة وحياتها اللّيتورجيّة، والرّوحانيّة الأرثوذكسيّة، وعلاقات الكنيسة الأرثوذكسيّة مع باقي العالم المسيحيّ، ورسالتها وشهادتها الرّعويّة اليوم، وتعبّر أصيلًا عن التّقليد المتواصل للحقيقة المعيشة في الكنيسة، وتعدّ كنزًا روحيًّا ثمينًا للأرثوذكسيّة في جميع أنحاء العالم.

نعمل على استيعاب قرارات المجمع واستثمارها لاهوتيًّا ورعويًّا، بثقة راسخة أنّ الله، الّذي بارك تحضيرات المجمع المقدّس والكبير وإجراءه، إله الحكمة والمحبّة، سيدعم هذه العمليّة في استيعاب قراراته، ما أطلقنا عليه "المجمع بعد المجمع".

أيّها الإخوة الأعزّاء والأبناء الأحبّاء،

لم تعبّر الانعزاليّة يومًا عن الكنيسة بشكل جوهريّ ولم تفدها، إذ أنّ الانغلاق لا يمثّل فهمًا صحيحًا لخاصيّة "ليست من هذا العالم". الكنيسة هي المحرّر للتّاريخ، وليست خصمه. لكي تعلن بالقول والعمل إنجيل الحرّيّة وتبرز عمقها الوجوديّ وقدرتها التّحويليّة ومدى تأثيرها، يجب على كنيسة المسيح أن تعرف الحاجات الحيويّة ورؤى الإنسان المعاصر، وأن تسجّل وتقيم إشارات الأزمنة.

في هذا السّياق، وبين العديد من الأنشطة، كان محور رعايتنا خلال العام الماضي هو الكفاح من أجل السّلام وسط عنف حربيّ مستمرّ. بالنّسبة لنا شخصيًّا، من غير الممكن الحديث عن الإيمان والدّين دون الإشارة إلى دورهم في تحقيق السّلام. الإيمان الحقيقيّ بالله الحيّ يسهم ليس فقط في السّلام الدّاخليّ الرّوحّي، بل أيضًا في تعزيز "السّلام الخارجيّ" وتجاوز العدوانيّة والعنف في المجتمع.

نكرّر أمامكم إيماننا بأنّ نشاطات السّلام الّتي تقوم بها الأديان اليوم مرتبطة بسلام الأديان فيما بينها، بالحوار والتّعاون من أجل خير الإنسان. نحن نخدم هذا الحوار، بثقة أنّنا نساهم في تعزيز الثّقة في قوّة وفعاليّة الحوار بشكل أوسع. نصلّي أن يكون عام 2026، بفضل محبّة الله، عام سلام ومصالحة، وفاق وعدالة.

يا مخلّص العالم، يا من خفّضت السّماوات وأنزلت، قوِّ شعبك واهدِه إلى السّبل المستقيمة، وأرحِ نفوس أسلافنا المباركين الّذين رحلوا عن هذه الدّنيا، جميع الّذين خدموا كرّاسًا الأمّة في الكرسيّ المسكونيّ، سواء قديمًا أم حديثًا، وأبناء الكنيسة العظمى الّذين يستريحون هنا وفي كلّ أراضي السّيادة الإلهيّة، سواء كانوا أحياءً أو في مخيّمات الأبرار.

إمنحوا جميعكم، أحبّاؤنا الحاضرون، بشفاعات القدّيس البطريرك العظيم باسيليوس وكلّ القديسين، عامًا جديدًا مباركًا، صحّيًّا، مثمرًا، ومليئًا بالنّعم الإلهيّة.

ليكن اسم الرّبّ مباركًا من الآن وإلى الأبد. آمين.

كلّ عام وأنتم بخير!".