24 مايو 2026
مقالات

الأب محفوض: إضاءات على المجمع المسكونيّ الأوّل !


في ذكرى الآباء القدّيسين المتوشّحين لله في المجمع المسكونيّ الأوّل، بحسب الكنيسة الأرثوذكسيّة، إضاءات على هذا المجمع مع خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض الّذي كتب:

“اليوم الأحد السّابع من عيد الفصح، إذ تحيي الكنيسة الأرثوذكسيّة ذكرى الآباء القدّيسين المتوشّحين الله في المجمع المسكونيّ الأوّل. تحتفل كنيسة المسيح منذ القدم بذكرى المجمع المسكونيّ الأوّل في مدينة نيقية عام 325م. وقد ترك الرّبّ يسوع المسيح للكنيسة وعدًا عظيمًا: «سأبني كنيستي، ولن تقوى عليها أبواب الجحيم» (متى 16: 18). ورغم أنّ كنيسة المسيح على الأرض ستخوض صراعاتٍ عسيرة مع عدوّ الخلاص، إلّا أنّها ستخرج منتصرة. وقد شهد الشّهداء القدّيسون صدق كلمات المخلّص، متحمّلين الألم والموت في سبيل الإيمان بالمسيح، لأنّ سيف المضطهد قد تحطّم بصليب المسيح.

على الرّغم من أنّ الكنيسة لطالما تعرّضت للاضطهاد من قوى خارجية، فقد ظهرت بدعٌ من داخلها أيضًا لتدميرها عبر عقائد مُضلّلة. وكانت الآريوسيّة من أشدّ هذه البدع فتكًا. كان آريوس، كاهن الإسكندريّة، رجلًا شديد الكبرياء والطّموح. وبإنكاره ألوهيّة يسوع المسيح ومساواته بالله الآب، زعم آريوس زورًا أنّ المخلّص ليس من جوهر الآب، بل هو مجرّد مخلوق.

هذا المجمع، الذي ضمّ آباءً قديسين من شتّى أنحاء العالم المسيحيّ، أدان ولعن علنًا تعاليم آريوس وأتباعه المُضلّة، الذين ظلموا شخص يسوع المسيح، وأهانوا كرامته الإلهيّة، وحطّوا من قدره إلى مرتبة مخلوق أدنى: وكأن يسوع المسيح ليس الإله الحقّ، بل مخلوق من خلق الله. هذه التّعاليم المُضلّة، التي أوحى بها الشّيطان في آريوس وأتباعه، زعزعت الإيمان المسيحيّ وجوهره من أساسه. فإن اعترفنا بأنّ يسوع المسيح لم يكن مساويًا للآب في الجوهر ولم يجلس على العرش معه، وإن لم يكن هو الإله الحقّ، فإنّ خلاصنا يبقى مجرّد حلم، ونبقى في الخطيئة بلا رجاء في الخلاص والقيامة من الأموات.

فقوّة الإيمان المسيحيّ تكمن في الاعتراف بيسوع المسيح إلهًا حقًّا، الذي بآلامه وموته افتدى البشريّة، ومنح النّاس غفران الخطايا والحياة الأبديّة. لذلك، أثبت الآباء القدّيسون، وعددهم 318، حين اجتمعوا في مدينة نيقية، زيف وسخافة تعاليم أريوس، إذ يستحيل على أحدٍ غير ابن الله الوحيد أن يُتمّ فداء البشريّة وخلاصها، وأن يحمل على عاتقه خطايا العالم أجمع. أراد الهراطقة، من خلال تعاليمهم الكافرة، أن يسلبوا المؤمنين رجاءهم وثقتهم وفرحهم ومجدهم وقوّتهم – كلّ ما كان عليه يسوع المسيح، مخلّص العالم، وما هو عليه، وما سيكون عليه لنا. وبعد أن لعن الآباء القدّيسون الكفر الهرطقيّ، وضعوا تعاليمهم الأرثوذكسية وطبعوها في الاعتراف الأرثوذكسيّ، المعروف قانون الإيمان، الذي تحافظ عليه كنيستنا سليمًا.

كان عمل المجمع الكنسيّ مُلهمًا إلهيًا، وانصبّ على مجالين. أوّلًا، في الجانب اللّاهوتيّ، نجد مصطلحات (horoi)، كما هو موضح في المواد الأولى من وثيقة قانون الإيمان. في البداية، تنفي وثيقة الإيمان الغنوصية، التي زعمت أنّ العالم خُلق على يد إله أدنى، هو اللوغوس، وبالتّالي فسّرت الشّرّ الموجود فيه. ثم يدين المجمع المسكونيّ الأوّل بدعة آريوس، الذي أنكر ألوهيّة كلمة الله، مُعلِّمًا أنّ الابن هو أوّل خليقة بين الله والمادّة، وأنه “من جوهر مختلف” (eterousios) عن الآب، وأنّه “خاضع للتّغيير” (treptos) وجاهل بالآب، وأنّ الرّوح القدس أيضًا “قوّة مخلوقة ثانية وأوّل خليقة من خلال الابن”.

أمّا العمل الثّاني للمجمع المسكونيّ الأوّل فكان القوانين الكنسيّة، التي نظمت المسائل المتعلقة بوحدة الكنيسة. ولأن القرار اللاهوتي حدد الحدود بين الإيمان الأرثوذكسي والهرطقة، فقد نظمت هذه القوانين مسائل متنوعة تُحدد وحدة الكنيسة.أصدر المجمع المسكوني الأول عشرين قانونًا مقدسًا تنظم المسائل الكنسية، مثل إدخال نظام الأسقفية المتروبوليتية إلى الكنيسة، ومواعيد انعقاد المجامع الأبرشية، ورسامة الأساقفة، ومعاملة المرتدين، ومعاملة غير المؤمنين، و”عدم الركوع يوم الأحد وعيد العنصرة”، إلخ.

وقد حدّد المجمع المسكونيّ الأوّل، وكذلك المجامع اللّاحقة، بوضوح حدود الحقّ والباطل وشروطهما. الأمر المهمّ والجدير بالذّكر، عند دراسة ما جرى في المجمع المسكونيّ الأوّل، هو ظهور حركتين لاهوتيّتين فيه: الأولى هي الحركة الفلسفيّة اللّاهوتية للأريوسيّين التي أُدينت، والثّانية هي الحركة التّجريبيّة التي عبّر عنها الآباء القدّيسون، والمستندة إلى وحي كلمة الله للأنبياء والرّسل والقدّيسين، وهي الحركة الأرثوذكسيّة. وهذا يُظهر أيضًا متطلّبات العقيدة الأرثوذكسيّة والحياة الكنسيّة. ولتوضيح ذلك، يجب أن نُشير إلى أنّه في المسألة التي تناولها المجمع المسكونيّ الأوّل بشأن ألوهيّة الابن وكلمة الله، بتفسيريها الفلسفيّ والتّجريبيّ، سبقت ذلك مناقشة مستفيضة، بل إنّ قرارات المجمع المسكونيّ الأوّل استندت إلى قرارات مجمع أنطاكية عام 268/269 ميلاديّ.

وأكّد حقيقة أنّ جميع وحي الله في العهد القديم كان وحيًا من الكلمة المتجسّدة. وهذه الكلمة قبل التّجسّد صار إنسانًا، ولذلك فالمسيح هو الله. الأمر المهمّ هو أنّ مجمع أنطاكية هذا يُعدّ أساسًا لكلٍّ من المجمع المسكونيّ الأوّل والمجمعات اللّاحقة.

إلّا أنّ الأريوسيّة لم تُدفن بعد؛ فهي اليوم أكثر رواجًا من أيّ وقت مضى، وانتشرت على نطاق أوسع من أيّ وقت مضى. يتجلّى هذا في “ثقافة أوروبا”، حيث “يُحصر كلّ شيء في الإنسان وحده، وقد اختُزل المسيح، الإله المتجسّد، إلى حدود الإنسان. المفكّرون الأوروبيّون غالبًا ما يقولون إنّ “المسيح رجل عظيم، وحكيم، وأعظم فيلسوف، ولكنّه بالتّأكيد ليس إلهًا”. تشكّل هذه الأفكار الآريوسيّة، بل إنّ “النسبية الأوروبية الحديثة تتبع الآريوسية”.

لهذا تتمسّك الكنيسة الأرثوذكسيّة باحتفال الذّكرى السّنويّة للمجمع المسكونيّ الأوّل باعتباره “انتصار الإيمان الأرثوذكسيّ الجامعيّ على العقل الفرديّ المتكبّر، وانتصار الإله المتجسّد على الإنسان”. فالكنيسة الأرثوذكسيّة “لا تُغير إيمانها ولا وسائل نضالها ضد الأريوسيّة. فكما هزمت الأريوسيّة القديمة، فإنّها تهزم كلّ أشكال الأريوسيّة، بما فيها الأريوسيّة الحديثة”.

هذا يعني أنّ “الرّجل الأرثوذكسيّ يُكمِّلُ نفسه بالزّهد وفقًا للنّعمة والأسرار، ويُحَوِّلُ قلبه بالصّلاة، وعقله بالتّواضع، وإرادته بمحبّة المسيح التي تُطفئ الأنانيّة، وأفكاره عندما يُعَمِّدها في مياه الأبديّة الصّافية وإنسانيّة المسيح وألوهيّته، وروحه عندما يُغْرِسُها في أعماق الرّوح القدس، وشخصيّته عندما يندمج الإنسان بكامله في جسد المسيح المقدّس، عندما يصبح عضوًا فيه، ويخلص إلى أنّ هذا هو “السّبيل الوحيد. لا سبيل غيره”. لهذا السّبب تحديدًا، يجب علينا الالتزام بقرارات المجمع المسكونيّ الأوّل والمجامع المسكونيّة اللّاحقة”.