10 يونيو 2026
فئات الأخبار لبنان

في عيد العنصرة تيلي لوميار نار لن تنطفئ

في عيد العنصرة، احتفلت تيلي لوميار ونورسات بمرور ستّة وثلاثين عامًا على انطلاقتهما، في جوّ روحيّ وإنسانيّ عميق تزامن أيضًا مع الذّكرى الأربعين لانتقال الأخ نور، مؤسّس تيلي لوميار/ نورسات.

ترأّس الذّبيحة الإلهيّة البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي، وعاونه رئيس مجلس إدارة تيلي لوميار المطران أنطوان نبيل العنداري، وعدد من الأساقفة والكهنة وبحضور مجلس إدارة تيلي لوميار/ نورسات، وعائلة الأخ نور والعاملين في المحطّة والإعلاميّين وحشد كبير من محبّي تيلي لوميار.

وفي عظته تحدّث الرّاعي عن الأخ نور وعن تيلي لوميار/ نورسات، فوجّه تحيّة خاصّة إلى أسرة تيلي لوميار- نورسات، متوقّفًا عند المناسبات الثّلاث الّتي تحييها، فقال:

“أ. المناسبة الأولى: ذكرى التّأسيس السّادسة والثّلاثين لانطلاقة المحطّة الأمّ، أيّ تيلي لوميار، ثمّ فضائيّاتها نورسات الّتي أُطلقت كلّها، فيما بعد، بالتّزامن مع أحد العنصرة، لإيمان المؤسّسين بدور الرّوح القدس الفاعل في تحقيق رسالتهم الإعلاميّة، الّتي كانت أشبه بشعلة النّور الّتي نعم بضوئها الكثيرون، وكانوا لها شهودًا.

ب. المناسبة الثّانية: ذكرى أربعين الأخ نور، المؤسّس، بل رجل المؤسّسات والمبادرات الكثيرة، الإعلاميّة، والإنسانيّة، والتّربويّة، والصّحّيّة. ورجل التّجرّد والتّأمّل والصّلاة، الّذي غادرنا صباح الجمعة العظيمة، ويوافينا اليوم إلى علّيّة صهيون، ليقبل مع الرّسل حلول الرّوح، وهو ينعم بصحبتهم في حضن الآب الّذي أحبّ.

ج. المناسبة الثّالثة: إطلاق جريدة “الدّستور”، تكريمًا لذكرى الأخ نور، وهي سياسيّة، أسبوعيّة اشتُري امتيازها منذ سنوات، والهدف تركيز مفهوم السّياسة كخدمة للخير العامّ، ونقل الحقيقة المجرّدة، ونشر القيم والمبادئ السُّميا، لأنّ الحقيقة أساس دعوتنا، وأعمالنا، ومشاريعنا، ويجب أن تكون دستور حياة المسؤولين، المدنيّين والرّوحيّين، وكلّ المؤمنين والمواطنين.”

وفي كلمة مؤثّرة خلال الاحتفال، تحدّث مدير عامّ تيلي لوميار رئيس مجلس إدارة نورسات جاك الكلّاسي عن مسيرة تيلي لوميار وعن صديق العمر الأخ نور في ذكرى مرور أربعين يومًا على رحيله والّذي تزامن مع عيد العنصرة، وقال:

“إنّ هذا التّزامن ليس مجرّد صدفة زمنيّة، بل بدا وكأنّه مشهد رمزيّ تختصر فيه مسيرة كاملة من الرّسالة والصّمود. فالعنصرة كانت يوم ولادة الكنيسة بالنّار الإلهيّة قبل ألفي عام، و”تيلي لوميار” جاءت امتدادًا حيًّا لهذه النّار في زمن الإعلام، فيما جسّد الأخ نور، طوال خمسين عامًا، إنسان العنصرة الحقيقيّ: ناسكًا مشتعلًا بالله، متجرّدًا من كلّ شيء إلّا من نور الرّوح.”

وفي خطاب الكلّاسي، استُعيدت مسيرة المحطّة الّتي ولدت وسط الحروب والأزمات، واستمرّت رغم الضّغوط الماليّة والسّياسيّة والإداريّة. فـ”تيلي لوميار”، الّتي لم تكن يومًا محطّة تجاريّة أو حزبيّة أو سياسيّة، قامت منذ تأسيسها على تضحيات المؤمنين برسالتها، وعلى إيمان عميق بأنّ الإعلام يمكن أن يكون مساحة لنشر المحبّة والسّلام والعيش المشترك، لا منصّة للفتنة والانقسام.

كما أثيرت خلال المناسبة قضيّة الضّغوط الّتي تتعرّض لها المحطّة من بعض الجهات الرّسميّة، رغم وجود قرارات حكوميّة واضحة تعفيها من الرّسوم المتعلّقة بالبثّ، وتؤكّد حقّها في دعم الدّولة نظرًا لطبيعة رسالتها العامّة والرّوحيّة. وتمّ التّذكير بأنّ المحطّة، الّتي دُمّرت منشآتها خلال حرب تمّوز 2006، كما خسرت استوديوهاتها وأجهزتها بالكامل في انفجار مرفأ بيروت عام 2020، لم تتلقَّ حتّى اليوم التّعويضات المستحقّة لها، رغم كلّ الملفّات والوثائق المرفوعة إلى الجهات المعنيّة.

لكن، وسط الحديث عن الصّعوبات، بقي اسم الأخ نور حاضرًا كجوهر هذه المسيرة. ذاك الرّجل الّذي اختار الفقر طوعًا، وارتدى الخيش، وعاش على الخبز والماء لعقود طويلة، تاركًا وراءه شهادة صامتة عن قوّة الإيمان حين يتحوّل إلى حياة كاملة. لم يكن الأخ نور مجرّد مسؤول أو مؤسّس مشارك لمسيرة روحيّة وإعلاميّة، بل ظاهرة إنسانيّة نادرة في زمن المادّة والاستهلاك.

وفي شهادة شخصيّة مؤثّرة، جرى التّوقّف عند تفاصيل حياته النّسكيّة القاسية: وجبة واحدة يوميًّا، خمسون عامًا تقريبًا بلا طبيب ولا علاج، فيما أظهرت الفحوصات الطّبّيّة الّتي أجريت له في سنواته الأخيرة نقصًا حادًّا في البروتينات والفيتامينات والمعادن، بشكل يناقض كلّ المقاييس العلميّة والطّبّيّة. حتّى إنّ أحد الخبراء في مؤتمرات التّغذية العالميّة أكّد أنّ العيش لعقود على الخبز والماء وحدهما “مستحيل علميًّا”.

غير أنّ الّذين عرفوا الأخ نور عن قرب رأوا في حياته نفسها الأعجوبة الحقيقيّة، أعجوبة رجل عاش بالنّار الإلهيّة، وعبر في هذا العالم بنور القدّيسين وصمتهم.