إلى جانب إعلان تطويب البطريرك المارونيّ الياس الحويّك، أذِن البابا لاون الرّابع عشر أيضًا، بعد مقابلة مع عميد دائرة دعاوى القدّيسين الكاردينال مارتشيلو سيميرارو، يوم الجمعة، بتطويب شهداء سانتاندير الثّمانين في إسبانيا، وبمنح لقب “مكرّم” لكلّ من: الرّاهب الكرمليّ الكاميرونيّ الشّاب الأخ جان تييري للطّفل يسوع وللآلام، والرّاهبة الفرنسيسكانيّة الإسبانيّة الأمّ ماريا آنا ألبيردي إيتشيزاريتا، والإيطاليَّين الأخ نازارينو دا بولا، الرّاهب الكبّوشيّ المعروف بـ”قدّيس السّكاكر”، وكوستانتينو فيندرامي، المرسل السّاليزيانيّ في الهند، “الفقير بين الفقراء”.
وفي نبذة عن حياة المعلنة أسماؤهم، فإنّ خدّام الله فرانسيسكو غونزاليس دي كوردوفا ورفاقه الـ79 تندرج شهادة إيمانهم ومحبّهم في سياق الحرب الأهليّة الإسبانيّة في ثلاثينيّات القرن الماضي وما تلاها من اضطهاد دينيّ؛ حيث، وبحسب “فاتيكان نيوز”، “أُلقي بعضهم في البحر مقيّدي الأيدي والأرجل مع ربط صخرة بأجسادهم، وقضى آخرون على متن سفينة السّجن “ألفونسو بيريز”، بينما قُتل آخرون وأُحرقت جثثهم، ومات البعض في ما يشبه معسكرات الاعتقال. ومن بين هؤلاء الثّمانين، كان هناك 67 كاهنًا، و3 رهبان كرمليّين، و3 طلّاب إكليريكيّين، و7 علمانيّين. وتجسّد سيرة فرانسيسكو غونزاليس دي كوردوفا أسمى معاني الأمانة للأشخاص الّذين كان يرافقهم في خدمته الكهنوتيّة في رعيّة “سانتا ماريا ديل بويرتو” في سانتونيا. فخلال فترة الاضطهاد، رفض الفرار رغم حظر الاحتفال بالقداس ومنح الأسرار. وقد أُسر ونُقل إلى السّفينة الّتي حُوِّلت إلى سجن، وبقي في عنبر السّفينة يسمع اعترافات السّجناء ويتلو المسبحة الورديّة يوميًّا. وعندما استُدعي لتنفيذ حكم الإعدام، طلب أن يكون الأخير لكي يتمكّن من منح الحلّ الأسراريّ ومباركة رفاقه، وكان يبلغ من العمر 48 عامًا.”
كذلك “رُفع إلى رتبة “مكرّم” الرّاهب الكرمليّ الكاميرونيّ جان تييري للطّفل يسوع وللآلام، الّذي توفّي عن عمر ناهز 23 عامًا في لينيانو بإيطاليا عام 2005 جرّاء إصابته بمرض سرطان العظام في الرّكبة. وكانت كلماته الأخيرة قبل وفاته: “كم من النّور، كم من النّور… ما أجمل يسوع!”. تميّزت حياته بتعبُّد مريميّ قويّ، والمواظبة على تلاوة المسبحة الورديّة، وحياة حرّكها الشّوق في أن يكون “مسيحًا آخر” للآخرين. وُلد عام 1982، ونشأت دعوته في سنّ مبكرة جدًّا (بين 8 و9 سنوات) بفضل لقائه بأحد مرسلي “خدّام مريم العذراء سيّدة الحبل بلا دنس” في الكاميرون. وفي عام 2003، قُبل في عائلة رهبنة الكرمليّين الحفاة. وفي العام التّالي، اكتشف مرضه وبُترت ساقه. نقله إخوته الرّهبان إلى إيطاليا لتلقّي العلاج، لكن حالته كانت مستعصية، فقُدّم طلب لإبراز نذوره الرّهبانيّة “في خطر الموت”، وفي 8 كانون الأوّل ديسمبر 2005 ارتدى جان تييري الثّوب الكرمليّ وأبرز نذوره الاحتفاليّة. وطلب حينها الكفّ عن الصّلاة من أجل شفائه، بل الصّلاة من أجل الدّعوات الكهنوتيّة والرّهبانيّة الّتي قدم حياته من أجلها. وتوفّي في 5 كانون الثاني يناير 2006.
طبعت العذوبة والمحبّة حياة المكرّمة الجديدة الأمّ ماريا آنا ألبيردي إيتشيزاريتا، وهي راهبة إسبانيّة وُلدت في إقليم الباسك عام 1912. تيتّمت من والديها في سنّ السّابعة وبدأت العمل مبكرًا، لكنّها اكتشفت دعوتها الرّهبانيّة بفضل لقائها بأحد الكهنة. وفي عام 1932، ارتدت في مدريد الثّوب الأبيض لراهبات سيّدة الحبل بلا دنس الفرنسيسكانيّات، وأبرزت نذورها الاحتفاليّة بعد ذلك بأربع سنوات. ومع اندلاع الحرب الأهليّة الإسبانيّة، اضطرّت إلى مغادرة ديرها الّذي عادت إليه لاحقًا لتصبح أوّلًا معلّمة للمبتدئات ثمّ رئيسة للدّير عام 1953، حيث أُعيد انتخابها مرّات عدّة في المجامع الرّهبانيّة اللّاحقة. لم تكن مهمّتها سهلة في مرحلة ما بعد الحرب وبعد المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، الّذي عملت في أعقابه على مراجعة قوانين الرّهبانيّة. قادت جماعتها بحكمة ووداعة، تبُثُّ السّلام في نفس كلّ من التقت به. وفي عام 1998 ألزمها المرض الفراش حتّى وفاتها. وكان شعار حياتها وهدفها الأسمى هو أن تصبح قدّيسة عبر المحبّة.
أُعلن مكرّمًا أيضًا السّاليزيانيّ كوستانتينو فيندرامي، الّذي أمضى جلّ حياته بين الفقراء في الهند، شاهدًا لمحبّة الله بابتسامة دائمة، ومقدّمًا نموذجًا عظيمًا للمحبّة الإنجيليّة. وُلد في مقاطعة تريفيزو عام 1893 لعائلة متجذّرة في القيم المسيحيّة، واختار طريق الكهنوت منذ شبابه والتحق بالرّهبنة السّاليزيانيّة معبّرًا عن حبّه للرّسالة والحياة الرّسوليّة. سيم كاهنًا في 15 آذار مارس 1924 في ميلانو، وتسلّم في 5 تشرين الأوّل أكتوبر الصّليب الإرساليّ في تورينو، داخل بازيليك سيّدة المعونة. انطلق بعدها إلى الهند، حيث خدم أوّلًا في إقليم أسام ثمّ في تاميل نادو. غدًا فقيرًا بين الفقراء، واجتاز سيرًا على الأقدام مسافات شاسعة جاذبًا نفوسًا كثيرة إلى المسيح. وإثر توقّف قسريّ لعمله خلال الحرب العالميّة الثّانية، أُسر مع كثيرين غيره، لكنّه أظهر حتّى في السّجن قوّة روحيّة عزّت رفاقه السّجناء وسندتهم. توفّي في ديبيروغار بالهند في 30 كانون الثّاني يناير 1975 جراء إصابته بمرض روماتيزم حادّ، وذلك عشيّة عيد القدّيس يوحنّا بوسكو.
كانت سكاكر البرتقال واللّيمون رفيقة درب الأخ نازارينو دا بولا؛ إذ كان يوزّعها موصيًا من يأكلها بتلاوة صلاة “السّلام عليك يا مريم” إكرامًا للعذراء. ولهذا السّبب عُرف بـ”قدّيس السّكاكر”، وهي سكاكر لا يزال إخوته الرّهبان الكبّوشيّون يوزّعونها على المؤمنين حتّى اليوم بعد تبريكها في قلّايته الصّغيرة داخل مزار سيّدة العزاء، الّذي شُيّد برغبة من الأخ نازارينو نفسه في بلدة بولا بالقرب من كالياري. وُلد جوفاني زوكا في هذا الإقليم الصّغير في جزيرة سردينيا عام 1911 لعائلة من الفلّاحين، وخلال الحرب العالميّة الثّانية أُرسل إلى أفريقيا حيث أسره البريطانيّون في إثيوبيا عام 1941 وبقي قيد الأسر لنحو 4 سنوات. بعد عودته، التقى بالقدّيس بيو وعبّر له عن رغبته في أن يصبح راهبًا ويبقى إلى جانبه، لكن القدّيس بيو حثّه على العودة إلى سردينيا ليخدم دعوته في أرضه. وفي عام 1951، تقدّم جوفاني بعمر 39 عامًا بطلب للالتحاق كأخ علمانيّ برهبنة الأخوة الأصاغر الكبّوشيّين في سردينيا. قُبل في مرحلة الابتداء بدير سانلوري، وارتدى الثّوب الكبّوشيّ متّخذًا اسم الأخ نازارينو. كان رجل صلاة مستعدًّا دومًا للقيام بمختلف الأعمال بتواضع كبير، فعمل جامعًا للتّبرّعات، وطبّاخًا، وبستانيًّا. ومنذ عام 1986 استقرّ في منزل صغير بريف بلدة بولا، حيث أُقيم لاحقًا المزار المخصّص للعذراء مريم، وهناك يرقد جسده بعد وفاته عام 1992 جرّاء إصابته بمرض السّرطان.”



