يصف القدّيس يوحنّا فم الذّهب الكنيسة بأنّها “مستشفى روحيّ”، ولكن كيف تعمل وتعالج؟ ما دور الصّلوات والقراءات والنّصوص اللّيتورجيّة في تحقيق ذلك؟ لنكتشف أبعاد هذا القول مع خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض.
“من هي الحقيقة؟ فالحقيقة ليست فكرةً ولا نظريّةً ولا نظامًا، بل هي شخص، الشّخص القدّوس، كلمة الله المتجسّد، يسوع المسيح. هكذا ينبغي أن نسأل عن الأرثوذكسيّة أيضًا، لأنّها متطابقة مع شخص الله الكلمة الإلهيّ البشريّ. هو، بصفته إلهًا وإنسانًا، هي الأرثوذكسيّة؛ هو الحقّ المطلق.
تعريف المسيحيّة، أرثوذكسيّة، إنّها تجربة حضور غير المخلوق (الله) في التّاريخ، وإمكانيّة أن يصبح المخلوق (الإنسان) إلهًا “بالنّعمة”، بالنّظر إلى الحضور المستمرّ لله في المسيح في الواقع التّاريخيّ، فإنّ المسيحيّة تقدّم للإنسان إمكانيّة التّألّه (θέωσις).
إنّ الهدف للحياة في المسيح هو التّألّه، أيّ الاتّحاد بالله، بحيث يصبح الإنسان، من خلال مشاركته في نعم الله غير المخلوقة، “بالنّعمة” . هذا، من منظور مسيحيّ، هو معنى الخلاص. لا يتعلّق الأمر بتحسين الإنسان أخلاقيًّا، بل بإعادة خلق الإنسان والمجتمع وتشكيلهما في المسيح، من خلال علاقة حقيقيّة ووجوديّة مع المسيح، الذي هو التّجسّد الإلهيّ في التّاريخ. هذا هو مغزى قول الرّسول بولس: “إذن، إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة”.
إنّ المتّحد بالمسيح هو خليقة جديدة. لهذا السّبب، من منظور مسيحيّ، يُعدّ تجسّد كلمة الله، ودخول الأزليّ والمتعالي إلى الزّمن التّاريخيّ، بداية عالم جديد – حرفيًّا، “عصر جديد” – سيستمرّ حتّى نهاية الأزمنة، في أشخاص المسيحيّين الحقيقيّين، أيّ القدّيسين. الكنيسة، بوصفها “جسد المسيح” وشركة المسيح، موجودة في العالم لتقديم الخلاص، الذي يُفهم على أنّه دمج الإنسان والمجتمع في عملية التّجديد هذا هو يتحقق هذا العمل الخلاصيّ للكنيسة من خلال منهج علاجيّ محدّد، حيث تعمل الكنيسة، في جوهرها، عبر التّاريخ كمستشفى عالميّ. ويصف القدّيس يوحنّا فم الذّهب (†407) الكنيسة بأنّها “مستشفى روحيّ”.
(1) ما هو المرض الذي يعالجه الدّين المسيحيّ الأرثوذكسيّ؟
(2) ما هي الطّريقة العلاجيّة التي تستخدمها؟
(3) ما هي السّمة المميّزة للمسيحيّة الأصيلة التي تميزها جذريًّا عن الانحرافات الهرطقيّة عنها، وعن كلّ أشكال الدّين؟
مرض الطّبيعة البشريّة: هو حالة السّقوط التي يعاني منها الإنسان، وفي الوقت نفسه، كلّ الخليقة التي تتألّم معه. ينطبق هذا التّشخيص على كلّ إنسان، سواء كان مسيحيًّا أم لا، نظرًا للوحدة الطّبيعيّة للبشريّة جمعاء. لا تقتصر المسيحيّة الأرثوذكسيّة على حدود دين لا يهتمّ إلّا بأتباعه. بل إنّها، مثل الله، “تريد أن يخلص جميع النّاس، وأن يبلغوا معرفة الحقّ”،لأنّ الله هو “مخلّص جميع النّاس”.
لذلك، فإنّ المرض الذي تتحدّث عنه المسيحيّة الأرثوذكسيّة هو مرض عالميّ أنّ السّقوط (أيّ المرض) عالميّ، فإنّ العلاج الخلاصيّ يعتمد بشكل مباشر على الحالة الدّاخليّة لكلّ شخص. تُعرَّف الحالة الطّبيعيّة (الأصيلة) للإنسان، وفقًا لمصطلحات آباء الكنيسة، من خلال عمل ثلاثة أنظمة ذاكرة داخله، اثنان منها معروفان ويخضعان لرقابة الطّبّ، بينما الثّالث من اختصاص الرّعاية الرّوحيّة.
النّظام الأوّل هو الذّاكرة الخلويّة (الحمض النّوويّ)، التي تحدّد كلّ شيء داخل جسم الإنسان. أمّا الثّاني فهو الذّاكرة الخلويّة الدّماغيّة، أيّ عمل الدّماغ، الذي ينظّم علاقتنا بأنفسنا وبيئتنا. كلّا النّظامين معروفان للطّبّ، الذي يهتمّ بالحفاظ على عملهما المتناغم.
أمّا تجربة القدّيسين فتُعرف نظام ذاكرة آخر، هو ذاكرة القلب، أو الذّاكرة المعرفيّة، التي تعمل داخل القلب والتي لا يعرفها الطّبّ. فالقلب، وفقًا للتّقاليد الأرثوذكسيّة، لا يقتصر دوره على الجانب الجسديّ، كمضخّة لضخّ الدّمّ، بل يتجاوز وظيفته الطّبيعيّة إلى وظيفة فوق الطّبيعة.
ففي ظلّ شروط معيّنة، يصبح القلب موضعًا للتّواصل مع الله، أيّ مع طاقته غير المخلوقة. لا يُمكن فهم هذا، بطبيعة الحال، إلّا من خلال تجربة القدّيسين، المسيحيّين الحقيقيّين، وليس من خلال العقل أو التّنظير اللّاهوتيّ.
يُشير القدّيس نيقوديموس الأثوسي (توفي عام ١٨٠٩)، في كتابه “دليل الإرشاد الرّوحيّ”، إلى القلب باعتباره مركزًا طبيعيًّا، ومركزًا فوق طبيعيّ، ومركزًا شبه طبيعيّ، كلّما كان أداء القلب فوق الطّبيعيّ غير فعّال بسبب سيطرة الأهواء عليه.
إنّ الأداء فوق الطّبيعيّ للقلب هو الشّرط المُطلق لكمال الإنسان وتمامه، أيّ تألّهه، واندماجه الكامل في شركة المسيح. إنّ خمول الوظائف الإدراكيّة أو تذكّر الله، وخلطه بوظائف الدّماغ – كما يحدث لنا جميعًا – يستعبد الإنسان للقلق وللبيئة، وللسّعي وراء السّعادة من خلال الفرديّة والنّظرة المعادية للمجتمع.
لذلك، هذا هو المرض الذي يسعى الإنسان لعلاجه بالاندماج الكامل في “المستشفى الرّوحيّ” للكنيسة.
إنّ غاية وجود الكنيسة في العالم، كشركة في المسيح، هي شفاء الإنسان من خلال استعادة شركة قلبه مع الله – أيّ استعادة وظائفه الإدراكيّة. بحسب الأب الرّاحل يوحنّا رومانيدس، “إنّ التّقليد الآبائيّ ليس فلسفة اجتماعيّة ولا نظامًا أخلاقيًّا، ولا هو تعصّب دينيّ؛ بل هو نظام علاجيّ. وفي هذا الصّدد، يشبه الطّبّ إلى حدّ كبير، ولاسيّما الطّبّ النّفسيّ. فالطّاقة العقليّة للنّفس، التي تُصلّي في القلب بذهنيّة ودون انقطاع، هي عضو فسيولوجيّ يمتلكه كلّ إنسان ويحتاج إلى علاج.
وبناءً على ما سبق، فإنّ حاجة الإنسان إلى العلاج مسألة تهمّ جميع البشر، وتتعلّق في المقام الأوّل باستعادة كلّ شخص إلى حالته الطّبيعيّة من خلال إعادة تنشيط ملكته الذّاكريّة الثّالثة (ملكيّة العقل).
ومع ذلك، فإنّها تمتدّ أيضًا إلى وجود الإنسان الاجتماعيّ. لكي يكون الإنسان في شركة مع أخيه كأخ، يجب أن تتحوّل مصلحته الذّاتيّة، التي تُعدّ في جوهرها حبًّا للذّات، إلى نكران للذّات.
إنّ محبّة الله الواحد المثلّث الأقانيم، الذي يُعطي كلّ شيء دون انتظار مقابل، هي محبّة نكران للذّات. ولذلك، فإنّ المثل الأعلى الاجتماعيّ للمسيحيّة الأرثوذكسيّة ليس “الملكيّة المشتركة”، بل “عدم التّملّك”، أيّ التّخلّي الطّوعيّ عن أيّ حق. عندها فقط يتحقّق العدل.
إنّ الأسلوب العلاجيّ الذي تُقدّمه الكنيسة هو الحياة الرّوحيّة، الحياة في الرّوح القدس. تُعاش الحياة الرّوحيّة من خلال الزّهد والمشاركة في النّعمة الإلهيّة الممنوحة عبر الأسرار المقدّسة.
الزّهد هو كبح جماح طبيعتنا الذّاتيّة التي خمدتها الخطيئة، والتي تقودنا إلى الموت الرّوحيّ أو الأبديّ، أيّ الانفصال الأبديّ عن نعمة الله. يهدف الزّهد إلى الانتصار على الأهواء، بهدف التّغلّب على الاستعباد الدّاخليّ لمواطن المرض الرّوحيّ، والمشاركة في صليب المسيح وقيامته. يصبح المسيحيّ الذي يمارس ضبط النّفس تحت إرشاد مرشده الرّوحيّ (المعالج) مُستعدًّا لتلقّي النّعمة، التي ينالها من خلال مشاركته في الحياة السّرّيّة (الأسراريّة) لجسد الكنيسة.
تُفضي الاعتبارات السّابقة إلى ثوابت معيّنة تُؤكّد طبيعة المسيحيّة الأرثوذكسيّة:
(١) الكنيسة، بوصفها جسد المسيح، تعمل كعيادة أو مستشفى. وإلّا لما كانت كنيسة، بل دينًا.
(٢) المعالجون الخبراء في الكنيسة هم المتعافين بالفعل. فمن لم يختبر العلاج لا يُمكن أن يكون معالجًا. هذا هو الفرق الجوهريّ بين علم العلاج الرّعويّ وعلم الطّبّ.
(3) إنّ اقتصار دور الكنيسة على غفران الخطايا بهدف تسهيل دخول الفردوس بعد الموت هو تحريفٌ للمفهوم، ويُشبه قيام الطّبّ بغفران مريضٍ ليُشفى بعد موته! فالكنيسة لا تسعى لإرسال أحدٍ إلى الفردوس أو إلى الجحيم (أيّ العذاب الأبديّ). فالفردوس والجحيم ليسا مكانين، بل هما حالتان من حالات الوجود ومن خلال شفاء البشريّة، تُهيئ الكنيسة الإنسان لرؤية المسيح أبديًّا في نوره الأزليّ كفردوس، لا كجحيم، أيّ كنارٍ مُلتهمة.
(4) تُثبت صحّة أيّ علم بتحقيق أهدافه هكذا يُفرّق بين الطّبّ العلميّ الحقيقيّ والشّعوذة. ومعيار العلاج الرّعويّ للكنيسة هو تحقيق الشّفاء الرّوحيّ من خلال تمهيد الطّريق إلى التّألّه. لا يُؤجّل العلاج إلى الآخرة، بل يُمارس خلال حياة الإنسان، هنا في هذا العالم (في الحاضر). ويمكن التّأكّد من ذلك من خلال رفات القدّيسين التي لم تتحلّل، والتي نجت من التّحلّل البيولوجيّ، تُعدّ الرّفات التي لم تتحلّل، في تقاليدنا، دليلاً قاطعًا على التّألّه، أيّ على إتمام العلاج النّسكيّ للكنيسة.
(5) أخيرًا، فإنّ النّصوص المقدّسة للكنيسة ليست تقنينات لأيّ أيديولوجيّة مسيحيّة، بل هي علاجيّة بطبيعتها، وتعمل تمامًا كما تعمل الكتب الدّراسيّة في العلوم الطّبّيّة. وينطبق الأمر نفسه على النّصوص اللّيتورجيّة، كالصّلوات.
إنّ مجرّد قراءة صلاة، دون مشاركة المؤمن في الإجراءات العلاجيّة للكنيسة، لا يختلف عن حالة مريض يعاني من آلام مبرحة يلجأ إلى طبيب، فيقوم الأخير، بدلًا من التّدخّل الفعّال، بوضع المريض على طاولة العمليّات وقراءة الفصل المتعلّق بمرضه!
هذه، باختصار، هي الأرثوذكسية “المستشفى”.”



