في أجواء من الخشوع والفرح، ارتفعت الصّلوات من كنيسة مار شربل في دير مار مارون- عنّايا، خلال قدّاس إلهيّ ترأّسه الأحد البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي في عيد مار شربل.
وعاون الرّاعي في خدمة القدّاس راعي أبرشيّة جبيل المارونيّة المطران ميشال عون، الرّئيس العامّ للرّهبانيّة اللّبنانيّة المارونيّة الأباتي هادي محفوظ، وأمين السّرّ الأب طوني عيد، ورئيس الدّير الأب ميلاد طربيه، بحضور السّفير البابويّ في لبنان المونسونيور باولو بورجيا، لفيف من المطارنة ومجلس المدبّرين العامّين في الرّهبانيّة اللّبنانيّة المارونيّة، وخدمته جوقة الصّوت العتيق، بحضور ممثّل رئيس الجمهوريّة اللّبنانيّة وزير الأشغال العامّة والنّقل فايز رسماني، وعدد من الفعاليّات.
بعد الإنجيل المقدّس، ألقى الرّاعي عظة بعنوان: “حينئذٍ يتلألأ الأبرار كالشّمس في ملكوت أبيهم” (متّى 13: 43)، وقال:
“1. يسعدني أن أحتفل معكم بهذه اللّيتورجيا الإلهيّة إكرامًا للقدّيس شربل. فأهنّىء الرّهبانيّة اللّبنانيّة المارونيّة، بشخص رئيسها العامّ قدس الأباتي هادي محفوظ ومجلس المدبّرين ورئيس هذا الدّير العامر. وأهنّئكم جميعًا أيّها الحاضرون الأحبّاء، راجين أن ننال النّعمة الإلهيّة الّتي بها تلألأ القدّيس شربل كالشّمس في ملكوت الله.
2. عاش القدّيس شربل حياته كلّها بعيدًا عن الأضواء، ولم يكن في نظر النّاس شخصيّة استثنائيّة. عاش ناسكًا متوحّدًا، مجهولًا، مكتفيًا بالله وحده. لكن الله كان يرى فيه ما لم يره أحد، ولذلك، عندما اكتملت رسالته، أظهره للكنيسة وللعالم.
إنّ القداسة لا تحتاج إلى ضجيج حتّى تُعرف، بل إلى أمانة حتّى تُثمر. وهذا ما عاشه مار شربل. لم يكن يسعى إلى أن يراه النّاس، بل إلى أن يراه الله. لم يكن يبحث عن الاعتراف البشريّ، بل عن رضى الآب السّماويّ. لذلك، فإنّ حياته الّتي بدت مخفيّة، أصبحت بعد انتقاله نورًا يشرق على العالم كلّه.
لقد تلألأ كالشّمس، لا لأنّه امتلك قوّةً بشريّة، بل لأنّ نعمة الله سكنت فيه. وما إن انتقل إلى بيت الآب حتّى بدأت أشعّة هذه القداسة تمتدّ إلى كلّ القارّات، حتّى أصبح اسم مار شربل حاضرًا في الكنائس والمزارات والبيوت والمستشفيات، في العالم كلّه، يرافق المتألّمين، ويعزّي الحزانى، ويشدّد الضّعفاء، ويقود الكثيرين إلى الإيمان، ويصنع العجائب.
وهكذا تتحقّق أمام أعيننا كلمة الرّبّ: إنّ الإنسان الّذي يختار الله أوّلًا، يجعل اللهُ منه نورًا للآخرين. هذا هو سرّ القدّيس شربل: عاش في الخفاء، لكنّه ظهر بعد موته مشعًّا كالشّمس. اختفى عن عيون النّاس، لكنّه بقي حاضرًا في قلوب المؤمنين، لأنّ القداسة لا تختفي، بل يزداد نورها مع مرور الزّمن.
3. إنّ اللّيتورجيا الإلهيّة الّتي نحتفل بها اليوم تجعلنا نعيش ما أعلنه الرّبّ في الإنجيل، لأنّها تكشف أنّ القداسة ليست فكرةً نتأمّلها، بل حياةً نغتذي منها. فالكنيسة، عندما تعيّد لقدّيسيها، إنّما تمجّد الله العامل فيهم، وتدعو أبناءها إلى أن يسيروا في الطّريق نفسه. في عيد القدّيس شربل، نتذكّر أنّ سرّ حياته كان سرّ الإفخارستيّا.
فمن قدّاسه اليوميّ استمدّ قوته، ومن كلمة الله استنار، ومن الصّلاة الدّائمة نمت قداسته. لذلك فإنّ أعظم تكريم نقدّمه لهذا القدّيس لا يكون بالإعجاب بسيرته فحسب، بل بالاقتداء بإيمانه، والاتّحاد بالمسيح، والعيش بأمانة للإنجيل، حتّى تصبح حياتنا نحن أيضًا شهادةً حيّةً لمحبّة الله.
4. أسبوع يفصلنا عن الحدث العظيم في حياة الكنيسة المارونيّة ولبنان، هو الاحتفال بتطويب البطريرك مار الياس بطرس الحويّك (1843 – 1931)، عرّاب لبنان الكبير، ورجل العناية الإلهيّة، ومؤسّس جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة، صاحب الإنجازات الكبيرة في لبنان وروما وفرنسا والقدس، المشبَّه “بأرزة قويّة صلبة، دائمة النّضارة الّتي تجسّدت فيه. فمنها صلابته، وبأسه، وقلبه الكبير الكريم، وخصبه القدير”.
5. “حينئذٍ يتلألأ الأبرار كالشّمس في ملكوت أبيهم” (متّى 13: 43). بهذه الكلمة الإنجيليّة نتأمّل أيضًا في واقع وطننا. فكما يشرق الأبرار بنور الله، يبقى لبنان مدعوًّا إلى أن يستعيد إشراقه الحقيقيّ، لأنّ هذا الوطن لم يُعرف يومًا إلّا برسالته، وبحضوره، وبالقيم الّتي حملها إلى الشّرق والعالم.
في عيد القدّيس شربل، يلتقي اللّبنانيّون حول قدّيسٍ وحّدهم في الإيمان والرّجاء، لأنّ القداسة كانت وستبقى القاسم المشترك الّذي يجمع أبناء هذا الوطن. فلبنان، مهما اشتدّت عليه الأزمات، ومهما تعاظمت التّحدّيات، ليس تائهًا ما دام الله يرافقه، وما دام قدّيسوه يسيرون معه ويشفعون له. هذا الرّجاء هو الّذي يدفعنا إلى التّطلّع بثقة إلى المستقبل، وإلى الإيمان بأنّ هذا الوطن قادر، بنعمة الله وبإرادة أبنائه، على أن يستعيد تألّقه ودوره ورسالته.
من هذا المقام المقدّس، وفي حضرة القدّيس شربل، نصلّي من أجل لبنان، ومن أجل جميع مسؤوليه، لكي يوفقهم الله إلى كلّ ما يعزّز وحدة الوطن، ويحصّن مؤسّساته، ويحفظ كرامة شعبه، ويصون سيادته. فالسّلام خيارنا، وعلى لبنان أن يختار طريق الحقيقة لا الأوهام، لأنّ الحقيقة وحدها تبني الدّولة، وتجمع اللّبنانيّين، وتؤسّس لمستقبل آمن ومستقرّ.
6. من واجبنا الوطنيّ دعم كلّ خطوةٍ تعيد للدّولة هيبتها، وللبنان سيادته، ولشعبه أمنه واستقراره. من هذا المنطلق، فإنّ كلّ اتّفاقٍ يحفظ سيادة لبنان، ويصون حقوقه الوطنيّة، ويعزّز سلطة الدّولة على كامل أراضيها، هو خطوةٌ تستحقّ الدّعم، على أن يلتزم جميع الأطراف بتنفيذ موجباته كاملةً وبأمانة.
فنجدّد التّأكيد على أهمّيّة تنفيذ اتّفاق الإطار تنفيذًا كاملًا ودقيقًا، لما يشكّله من مدخلٍ إلى ترسيخ سيادة الدّولة، وبسط سلطتها الشّرعيّة على كامل أراضيها، وتثبيت الأمن والاستقرار، وصون حقوق لبنان الوطنيّة. غير أنّ تحقيق الغاية المرجوّة منه لا يتوقّف على نصوصه فحسب، بل على التزام جميع الأطراف بتنفيذ موجباته كاملةً وبأمانة.
7. ويبقى الحياد الفاعل خيارًا وطنيًّا لا غنى عنه، ينسجم مع هويّة لبنان ورسالته، ويحصّنه من صراعات المحاور، ويعزّز وحدته الدّاخليّة، ويعيد إليه دوره التّاريخيّ وطنًا للّقاء والحوار، ورسالةً للحرّيّة والعيش المشترك. فلبنان لا يكتمل حضوره إلّا بدولته، ولا تترسّخ رسالته إلّا بسيادته، ولا يطمئن مستقبله إلّا بحيادٍ فاعلٍ يحفظه، ويُريح محيطه، ويجعله شاهدًا للسّلام في هذا الشّرق، وفاعلًا في سبيله.
8. ولتبقَ عنّايا، كما كانت دائمًا، منارة صلاة ورجاء، وليبقَ القدّيس شربل نورًا يرافق لبنان في مسيرته، حتّى يستعيد هذا الوطن كامل إشراقه، ويظلّ أمينًا لهويّته، ثابتًا في رسالته، ومشرقًا بنور الحقّ، كما أراده الله، لمجده تعالى الآن وإلى الأبد، آمين.”



