25 يوليو 2026
مقالات

الأب محفوض: أحد الآباء القدّيسين للمجمع المسكونيّ الرّابع

في هذا الأحد دعوة للتّعرّف إلى الآباء الـ630 الّذين حملوا الله في المجمع المسكونيّ الرّابع الّذي عُقد في خلقيدونية، وإلى جوهر هذا المجمع التّاريخيّ، مع خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس الّذي يشرح:

“”يا نجوم السّماء الخفيّة المضيئة، أنيري قلوبنا بأشعتك” (صلاة العيد)

تُحيي كنيستنا الأرثوذكسيّة المقدّسة اليوم ذكرى الآباء الـ 630 الذين حملوا الله في المجمع المسكونيّ الرّابع، الذي انعقد في خلقيدونيّة في كنيسة القدّيسة اوفيميا ليؤكّدوا عقيدة طبيعتي المسيح، وذلك أساسًا لمواجهة المونوفيزيّة، بأنّ يسوع إله كامل وإنسان كامل.

انصبّ اهتمام مجمع الخلقيدونيّة، على طبيعة ربّنا يسوع المسيح. ونشأت تعاليم مفادها أنّ طبيعة المسيح البشريّة (الأقلّ كمالًا) تذوب في طبيعته الإلهيّة (الأكثر كمالًا): كما يذوب مكعّب السّكّر في كوب من الماء. وهكذا، في الحقيقة، لم يكن للمسيح إلّا طبيعة واحدة، هي الطّبيعة الإلهيّة. ومن هنا جاء مصطلح: المونوفيزيّة (“مونو”، و”فيزيس”) وقد بالغت المونوفيزيّة في التّركيز على الطّبيعة الإلهيّة للمسيح، على حساب طبيعته البشريّة.

المجمع الرّابع المسكونيّ الذي يُعدّ من أهمّ اللّحظات في تاريخ الكنيسة. لم يكن هذا المجمّع مجرّد نقاش لاهوتيّ، بل كان استجابة الكنيسة للأزمات الرّوحيّة والاجتماعيّة العميقة التي عصفت بالبلاد آنذاك. بمشاركة نحو 630 أسقفًا، برئاسة البطريرك أناتوليوس القسطنطينيّ، وبحضور ممثّلين عن البابا لاون، عُقد المجمع بأمر من الإمبراطورين مرقيان وبولخيريا، حرصًا على وحدة الكنيسة وحقيقة المسيح، الإله المتجسّد.

أصبحت مسألة اتّحاد الطّبيعتين في المسيح موضع جدل جديد، وأحدث ارتباكًا فيما يتعلّق بالتّمييز بين الشّخص والطّبيعة. كانت الحاجة إلى صياغة لاهوتيّة واضحة ملحّة، أصبح مجمع الخلقيدونيّة السّاحة التي استجاب فيها آباء الكنيسة لهذه المخاوف تحديدًا، رابطين اللّاهوت بالواقع التّاريخيّ. يُصاغ اعتراف خلقيدونيّة بدقّة ووضوح سرّ المسيح، الشّخص الواحد، ابن الله وكلمته، المتّحد بطبيعتين، إلهيّة وبشريّة، “بشكل لا يختلط ولا يتغيّر ولا ينفصل”. تضمن هذه المصطلحات ما يلي:

– عدم اختلاط الطّبيعتين أو تغييرهما (لا تتحوّل الألوهيّة إلى بشريّة والبشريّة إلى إلهيّة).

– عدم انقسام الطّبيعتين أو انفصالهما، بل تظلّان كاملتين ومتّحدتين في الشّخص نفسه.

– الحفاظ على الطّبيعة البشريّة للمسيح بشكل كامل، بينما تبقى الألوهيّة سليمة. بهذا الاعتراف، واجهت الكنيسة كلّاً من المنهج الفلسفيّ للهراطقة والنّتائج العمليّة للخداع، مقدّمةً إجابةً مبنيّة على الوحي وتجربة الإيمان.إنّ مجمع خلقيدونيّة ليس مجرّد حقيقة تاريخيّة أو جدال فلسفيّ، بل هو تجربة إيمانيّة. لم يستخدم آباء الكنيسة مصطلحات “الطّبيعة” أو “الشّخص” أو “الأقنوم” لأغراض فلسفيّة، بل لحفظ وحيّ المسيح كما ورد في الأنبياء والرّسل. تتعايش الطّبيعتان الإلهيّة والبشريّة في المسيح، كما تجلّى ذلك في نهر الأردن، وعلى جبل طابور، وقبل كلّ شيء في الصّليب والقيامة، وهي أحداث تُظهر البُعد الخلاصيّ لوحدة الطّبيعتين.

يقول القدّيس يوحنّا فم الذّهب: “إنّ الجهل بالكتب المقدّسة قد أدخل وباء البدع وأفسد الحياة، وقلب كلّ شيء رأسًا على عقب. لماذا؟ لأنّ هناك جهلًا بالكتب المقدّسة. فنحن لا ندرس كلمة الله دراسة كافية. ولا نعرف جوهر إيماننا. إنّه لأمرٌ مؤسف.

من المؤسف أن نسمّي أنفسنا مسيحيّين ونحن نجهل جوهر إيماننا. الآباء هم المفتاح، لأنّهم يفسّرون الكتاب المقدّس داخل الكنيسة ومعها. فإذا لم يكن لدي هذا المفتاح لدراسة الكتاب المقدّس، وبدأتُ بدراسته وفهمه كما أشاء، فأنتم تعلمون يا أحبّائي أنّني سأصبح سريعًا مبتدعًا، وسأُحرف، وسأضلّ، فإنّ معرفة الكتاب المقدّس هي أيضًا محكّ الحقّ. ولكن لا يكفي أن ندرك الحقّ فحسب، بل يجب أن نفهم مضمونه ونعيش جوهره. وإلّا، فإنّنا نخلق أفرادًا مثقّفين فقط.”

يجب أن نتذكّر أنّ كلمة الله لا تأتي لإشباع العقل، بل تأتي لإنقاذ الإنسان بكامله…” ما هو “فِكْرِ الْمَسِيحِ”؟ إنّه يعني أن نصبح مسيحًا صغيرًا. أن نفكّر كما يفكّر المسيح.

لقد عرف آباء الكنيسة، من خلال دراسة الكتاب المقدّس، العهدين القديم والجديد، وخاصّةً وحي المسيح للرّسل، أنّ المسيح هو الإله الحقّ، ابن الله. وقد تجلّى وجود الثّالوث الأقدس عند نهر الأردن. فعلى جبل طابور، أشرق وجه المسيح كالشّمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنّور. كما غطّت سحابة ساطعة التّلاميذ، وسُمع صوت الآب. لم يُعتبر هذا النّور مخلوقًا، بل إلهيًّا، غير مخلوق، نور الألوهيّة.

كان للمسيح طبيعة بشريّة (نفس، جسد)، لكن إشعاع الألوهيّة انبثق أيضًا من داخله. لم يكن هذا النّور طبيعة أخرى، بل الطّبيعة الإلهيّة التي اتّحدت مع الطّبيعة البشريّة للمسيح. وهكذا، تجلّت ألوهيّة المسيح دون إلغاء الطّبيعة البشريّة. هذا ما دفع الآباء إلى القول بأنّ الطّبيعتين – الإلهيّة والإنسانيّة – يتصرّف في أقنوم الكلمة “بشكل لا تشوبه شائبة، ولا يتغيّر، ولا ينقسم، ولا ينفصل”.

“لنكن أناسًا صالحين”. يجب أن نفهم جوهر إيماننا لنعرف طريقنا ومسيرتنا. لذا، فإنّ إحياء ذكرى الآباء الـ 630 الذين حملّوا نور الله ليس مجرّد ذكرى عابرة، أو ذكرى من الماضي، أو ذكرى متحفّية. بل هو ذكرى حيّة. آباء كنيستنا موجودون وسيظلّون موجودين. هم موجودون في ملكوت الله.

هم موجودون من خلال عظاتهم. هم موجودون من خلال قراراتهم وتعاليمهم. هم حاضرون في حياتنا، يرشدوننا في درب وعر، في زمن عصيب ينهار فيه كلّ شيء، ويتحطّم فيه كلّ شيء، وعلينا أن نثبت على الحقّ. لذلك، فالآباء هم المنيرون، هم الرّكائز. هم العصا التي نعتمد عليها لنعلن الإيمان الحقّ ونعيش حياة فاضلة، حتّى نرى وجه الله يومًا ما.

لذا تدعونا ذكراه إلى عيش الإيمان بثبات، والحفاظ على الحقّ، وأن نكون شهودًا للمسيح الإله المتجسّد في عصرنا. وكما يقول القدّيس غريغوريوس بالاماس، فإن العقيدة هي وحي كلمة الله، وحياتنا وعبادتنا وكنيستنا هي استجابةٌ لهذا الوحي.”