4 أغسطس 2026
لبنان

المطران رحمه في عيد تلاميذ مار مارون: لبنان يحتاج إلى رهبان تكون صلاتهم سندًا للوطن

أحيا رهبان بيت مارون في دير الأحمر عيد الشّهداء القدّيسين الـ350 تلاميذ مار مارون، في قدّاس إلهيّ ترأّسه رئيس أساقفة أبرشيّة بعلبك- دير الأحمر المارونيّة المطران حنّا رحمه، تخلّلته نذور مؤبّدة للإخوة أنطونيوس بو نعّوم، أفرام طوق وبنديكتوس نصر، ونذور مؤقّتة للأخوين إبراهيم داغر وعبد المسيح كرنفليان.

رحمة وفي عظته، انطلق من الآية: “هذه وصيّتي: أن يحبّ بعضكم بعضًا كما أحببتكم. ليس لأحد حبّ أعظم من هذا: أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه” (يوحنّا ١٥: ١٢-١٣)، وقال بحسب إعلام الأبرشيّة:

“في كلّ مرّة نحتفل فيها بعيد تلاميذ مار مارون الشّهداء، لا نحتفل بذكرى بعيدة، ولا نستعيد صفحةً من كتاب التّاريخ، بل نقف أمام سرّ ينبض بالحياة، وأمام روح ما زالت تحرّك الكنيسة حتّى اليوم.

إنّ الله يكتب التّاريخ بالقدّيسين، ويغيّر العالم بالقلوب الّتي سلّمت ذاتها له.

هناك، في براد، اختار القدّيس مارون أن يعيش في العراء، تحت السّماء المفتوحة، ليعلن أنّ الله وحده يكفي الإنسان. لم يبن مدينةً، ولم يؤسّس مملكةً، ولم يجمع ثروةً، بل بنى هيكلًا للرّوح في قلبه.

وعندما رقد في الرّبّ، لم تمت هذه الروح، بل انتقلت إلى تلاميذه، الّذين اجتمعوا في دير مار مارون في سوريا وبعدها على ضفاف العاصي، فتحوّل نسك رجل واحد إلى مدرسة روحيّة، وتحوّلت المدرسة إلى كنيسة، وتحوّلت الكنيسة إلى شعب.

وعندما هبّت رياح الاضطهاد، لم يساوموا على الحقّ، ولم يخافوا الموت، بل قدّموا ثلاثمئةً وخمسين شهيدًا، رووا بدمائهم شجرة كنيستنا، فأثمرت قداسةً وإيمانًا وثباتًا.

واليوم، نجتمع في هذه البرّيّة المقدّسة، وكأنّ التّاريخ يعيد نفسه ويبدأ من جديد.

فالبرّيّة، في الكتاب المقدّس، ليست مكانًا للعزلة، بل مكانًا للّقاء. فيها كلّم الله موسى، وفيها سمع إيليّا صوت النّسيم اللّطيف، وفيها انتصر الرّبّ يسوع على التّجارب، ومنها انطلق ليبشّر بملكوت الله.

وليس من الصّدفة أن تولد رهبنيّة جديدة في البرّيّة، لأنّ الرّهبنة، في جوهرها، هي عودة دائمة إلى الصّحراء، أيّ إلى نقاوة القلب، وبساطة الإنجيل، والاتّكال الكامل على الله.

واليوم، ونحن نشهد نذورًا رهبانيّةً مؤقّتةً ومؤبّدةً، ندرك أنّ روح مارون لم تنطفئ، بل ما زالت تنير قلوبًا جديدةً، وتدعو شبابًا جددًا ليقولوا للمسيح: “أنت وحدك نصيبي وميراثي.”

إخوتي الأحبّاء،

ما أجمل اسم هذه الرّهبنيّة: بيت مارون، خدّام أرزة لبنان.

إنّه اسم يحمل برنامجًا روحيًّا.

بيت مارون، أيّ العودة إلى الرّوح الّتي أنجبت قدّيسين.

وخدّام أرزة لبنان، أيّ أن تكونوا، كالأرزة، ضاربين جذوركم في التّراث، رافعين قلوبكم إلى السّماء، وباسطين أغصانكم لكلّ إنسان يبحث عن الظّلّ والرّجاء.

فالأرزة لا تعيش بارتفاعها، بل بعمق جذورها.

وهكذا الرّهبنة. لا تبقى حيّةً بكثرة مشاريعها، بل بعمق صلاتها، وأمانتها، واتّحادها بالمسيح، كما هي العذراء مريم الّتي نلقّبها بأرزة لبنان.

أيّها الإخوة والأخوات الأحبّاء،

هناك ثلاثة أماكن صنعت هويّتنا المارونيّة، وما تزال تشكّل ضميرها الرّوحيّ.

الأوّل هي براد، حيث عاش مار مارون، ومن بعده الدّير والمحابس حيث انطلقت شرارة القداسة، فتجمّع حوله تلاميذ أحبّوا المسيح أكثر من ذواتهم، حتّى ختموا إيمانهم بدم الشّهادة.

والمكان الثّاني هو البرّيّة. فالبرّيّة ليست فراغًا، بل امتلاء بالله. ليست هروبًا من العالم، بل عودةً إلى الله، لكي يعود الإنسان بعد ذلك إلى العالم بقلب جديد. في البرّيّة تعلّم موسى الإصغاء، وفيها استعاد إيليّا رجاءه، وفيها انتصر المسيح على التّجارب، ومنها خرج القدّيسون يحملون نور الإنجيل.

أمّا المكان الثّالث فهو أرزة لبنان، بكافّة معانيها الوطنيّة والرّوحيّة، تلك الأرزة الّتي تحلّق نحو السّماء، فيما جذورها تضرب عميقًا في الأرض، إنّها رمز إرتباطنا بأرض وقضيّة ووطن. وهكذا هي دعوتنا المارونيّة: جذور ثابتة في التّقليد، وأغصان منفتحة على المستقبل على مثال أمّنا مريم العذراء، الحاضرة في كنيسة المسيح لجميع أبنائها.

واليوم نجتمع في هذا المكان الّذي يجمع هذه الرّموز الثّلاثة: روح مار مارون، وصمت البرّيّة، ورسالة أرزة لبنان الخالدة– أيّ حضور أمّنا مريم. ولسنا هنا لنستعيد ذكرى تاريخ مضى، بل لنشهد أنّ الرّوح القدس ما زال يعمل، وما زالت الكنيسة تلد أبناءً يتركون كلّ شيء ليتبعوا المسيح.

وما أجمل أن يتزامن هذا العيد مع نذور رهبانيّة، مؤقّتة ومؤبّدة. فالشّهداء بالأمس بذلوا حياتهم دفعةً واحدة، أمّا الرّاهب فيبذلها كلّ يوم. والشّهيد قدّم دمه مرّةً واحدة، أمّا الرّاهب فيقدّم إرادته، وحرّيّته، وراحته، وأحلامه، كلّ صباح، حبًّا بالمسيح.

ولذلك، فإنّ النّذور الرّهبانيّة ليست أقلّ من الشّهادة، بل هي شكل آخر من أشكالها؛ شهادة صامتة، مستمرّة، لا تقاس بلحظة، بل بعمر كامل يعاش في الأمانة.

أيّها الإخوة الّذين ستنذرون اليوم،

لا تنظروا إلى النّذر كالتزام قانونيّ، بل كقصّة حبّ. فالله لم يدعكم لأنّكم أفضل من غيركم، بل لأنّ محبّته سبقتكم، فاستجبتم لها. وإذا كان النّذر المؤقّت هو بداية المسيرة، فإنّ النّذر المؤبّد، هو إعلان أمام الله والكنيسة: “يا ربّ، لقد اختبرت محبّتك، ولم أعد أريد سواك.”

أيّها الأحبّاء،

إنّ رهبان بيت مارون، خدّام أرزة لبنان، يحملون رسالةً تحتاج إليها الكنيسة اليوم. إنّها ليست دعوة إلى العودة إلى الماضي، بل العودة إلى الينابيع. فكلّ شجرة إذا انفصلت عن جذورها تموت، وكلّ كنيسة إذا نسيت ينابيعها تضعف.

أنتم مدعوّون إلى أن تجمعوا بين أصالة التّراث وحيويّة الحاضر؛ أن تحافظوا على غنى اللّيتورجيا، وعمق الصّلاة، وجمال الحياة المشتركة، وفي الوقت نفسه أن تكونوا قريبين من الإنسان المتألّم، ومن الشّباب الباحث عن معنى، ومن العائلات الّتي تحتاج إلى من يرافقها ويشهد لها بأنّ المسيح حيّ.

واليوم، ونحن نرى مئات المؤمنين قد أتوا من مختلف المناطق، ندرك أنّ شعبنا ما زال عطشانًا إلى الله. قد يختلف النّاس في السّياسة، وقد ينقسمون في الرّأي، لكنّهم يجتمعون عندما يرون القداسة. وهذا هو سرّ الكنيسة: أنّها لا تعيش بالقوّة ولا بالمال، بل بالقدّيسين.

أحبّائي،

لبنان لا يحتاج فقط إلى رجال اقتصاد، ولا إلى رجال سياسة، بل يحتاج أيضًا إلى رجال الله. يحتاج إلى رهبان تكون صلاتهم سندًا للوطن، وصمتهم قوّةً للكنيسة، وقداستهم رجاءً للشّعب.

فكلّ دعوة رهبانيّة جديدة هي إعلان بأنّ المسيح ما زال يدعو، وأنّ الإنجيل ما زال قادرًا أن يجذب القلوب، وأنّ لبنان، رغم جراحه، ما زال أرضًا تنبت قدّيسين.

فلنصلّ اليوم من أجل هذه الرّهبنة الفتيّة، لكي تبقى أمينةً لإنجيل المسيح، ولروح مار مارون، ولتراث آبائنا، ومنفتحةً على حاجات إنسان هذا العصر.

ولنصلّ من أجل إخوتنا الّذين سيعلنون نذورهم، كي تكون حياتهم إنجيلًا يقرأ، وصلاتهم نورًا يهتدى به، ومحبّتهم علامةً لحضور المسيح بين النّاس.

ولتشفع فينا أمّنا مريم، وقدّيسنا مار مارون، وتلاميذه الشّهداء الثّلاثماية والخمسون، حتّى نبقى جميعًا أمناء للمسيح، أمناء لكنيستنا، أمناء للبنان، فنستحقّ أن نسمع يومًا صوته يقول لنا :

“أحسنت، أيّها العبد الصّالح والأمين… ادخل إلى فرح ربّك.” آمين.”