7 أغسطس 2026
لبنان

عوده في عيد التّجلّي: المسيح فيدعونا إلى الصّعود معه إلى الجبل أيّ إلى الارتفاع فوق ضجيج العالم

في صباح عيد التّجلّي، احتفل متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس الياس عوده بالقدّاس الإلهيّ، في كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس في وسط بيروت.

وبعد الإنجيل المقدّس، كانت لعوده عظة تأمّل فيها بهذا العيد، وقال:

“أحبّائي، تأخذنا الكنيسة اليوم إلى جبل ثابور، حيث صعد الرّبّ يسوع مع تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنّا، وتجلّى قدّامهم، فأضاء وجهه كالشّمس وصارت ثيابه بيضاء كالنّور (مت 17: 2). لم يكن التّجلّي تغييرًا في المسيح، بل كان كشفًا لما هو عليه منذ الأزل. فالإبن المتجسّد أزاح، للحظات، حجاب الجسد، لكي يرى التّلاميذ مجده الإلهيّ، ويتهيّأوا لقبول صليب المعلّم دون أن يتزعزع إيمانهم.

نور ثابور ليس نورًا مخلوقًا، بل هو مجد الله نفسه، ذلك المجد الّذي أشرق قديمًا على جبل سيناء عندما كلّم الله موسى، حتّى إنّ وجه موسى كان يلمع بعد نزوله من الجبل (خر 34: 29-35). لكنّ ما كان في العهد القديم ظلًّا ورمزًا، صار في المسيح حقيقةً كاملةً. موسى لم يكن مصدر النّور، لكنّ النّور الإلهيّ انعكس عليه، أمّا المسيح فهو “نور من نور”، وإشراقه هو إشراق لاهوته المتّحد بناسوته بلا انفصال.

يظهر مع الرّبّ يسوع موسى وإيليّا، ممثّلين للشّريعة والأنبياء، ليشهدا أنّ جميع النّبوءات والوعود قد تمّت فيه. الكتاب المقدّس كلّه يقود إلى المسيح، ومن دونه تبقى صفحاته غير مكتملة المعنى. لذلك يأتي صوت الآب من السّحابة قائلًا: “هذا هو إبني الحبيب الّذي به سررت، له فاسمعوا” (مت 17: 5). إنّها دعوة لكلّ جيل، لا إلى سماع المسيح وحسب، بل إلى طاعته والسّير وراءه.

يرى الآباء القدّيسون في التّجلّي إعلانًا لدعوة الإنسان إلى الإشتراك في مجد الله. يقول القدّيس أثناسيوس الكبير: “صار الله إنسانًا لكي يصير الإنسان شريكًا في الحياة الإلهيّة”، ويشرح القدّيس غريغوريوس بالاماس أن التّلاميذ لم يروا جوهر الله الّذي لا يدرك، بل عاينوا نوره غير المخلوق، النّور الّذي يعطى للقدّيسين بالنّعمة. فالتّجلّي ليس حادثةً تاريخيّةً فقط، بل هو كشف لما يستطيع الإنسان أن يصير إليه إذا عاش في التّوبة والصّلاة والإتّحاد بالمسيح.

إنّها رسالة العيد إلى إنسان اليوم الّذي يعيش في عالم يفيض بالأضواء لكنّه يفتقر إلى النّور. شاشات تملأ أعيننا، وأخبار تربك أفكارنا، وأحداث تثقل قلوبنا، وسرعة تسرق منّا القدرة على التّأمّل والصّلاة. كثيرون يبحثون عن النّجاح أو الشّهرة أو المال والمجد، لكنّهم يعيشون في ظلمة القلق والخوف. أمّا المسيح فيدعونا إلى الصّعود معه إلى الجبل، أيّ إلى الارتفاع فوق ضجيج العالم، لنكتشف أنّ النّور الحقيقيّ لا يأتي من الخارج، بل من الشّركة معه.

الصّعود إلى الجبل ليس هروبًا من العالم، بل هو استعداد للعودة إليه بقلب متجدّد. التّلاميذ لم يبقوا على جبل ثابور، بل نزلوا مع المسيح إلى حيث ينتظرهم الصّليب، ثمّ القيامة. نحن أيضًا لا تعفينا الصّلاة من مسؤوليّاتنا، لكنّها تمنحنا القوّة لنعيشها بمحبّة وصبر وتواضع ورجاء.

يذكّرنا التّجلّي بأنّ كل إنسان مدعوّ إلى أن يعكس نور المسيح في بيته وعمله ومجتمعه. عندما نغفر ونخدم ونحبّ ونتمسّك بالحقّ ونشهد للخير، يصبح وجه المسيح مرئيًّا فينا. القداسة ليست إمتيازًا لقلّة، بل هي دعوة كل معمّد، لأنّ الله “دعانا بالمجد والفضيلة” (2بط 1: 3).

نصلّي في هذا العيد كي ينقّي الرّبّ عيون قلوبنا لكي نرى نوره، وكي يبدّل ظلمة خطايانا إلى إشراق نعمته، فنحمل من جبل التّجلّي نورًا يرافقنا في دروب الحياة، حتّى نبلغ إلى ذلك المجد الأبديّ حيث “لا يحتاجون إلى سراج ولا إلى نور شمس، لأنّ الرّبّ الإله ينير عليهم” (رؤ 22: 5)، آمين”ف.