الأب كرم: نورٌ من نور
"ما أقسى الفراق حين يأتي بلا استئذان، فتغيب وتترك فينا يتمًا روحيًا على أرضٍ تتلاطمها أمواج الخطيئة. مضيتَ حاملًا صليبك، سائرًا بثبات نحو النور الذي لا يغرب، كأنك تعرف أن الرحيل ليس نهاية، بل عبور.
في صباح الجمعة العظيمة أسلمتَ الروح بوداعة القديسين، وفي سبت النور كان وداعك، وكأن حياتك كلّها كانت مسيرةً نحو هذا النور الذي أحببتَه وعشتَه قلبًا وقالبًا.
لقاؤنا الأخير ما زال حيًّا: حديثٌ بسيط، عفوي، على سجيّة الأيام. غادرتُك شاكرًا، على أمل لقاءٍ قريب، لكن مشيئة السماء سبقتنا، فاختطفك الموت محرِّرًا إياك من أثقال الزائل، ومن بهرجةٍ لم تغرِك يومًا.
عشتَ بتواضع العشّار، تهمس بصمتك صلاة التوبة، وتهرب من المديح كما يهرب الناس من اللوم. كنت تردّد: "لستُ شيئًا، كلّ نجاح هو للرب". ولم تكن كلماتك إلا صدىً لحقيقةٍ سكنت كيانك.
في صمتك توجيهٌ، وفي هدوئك حكمة. لم تكن تحتاج إلى كثير كلام، فالعين كانت تنطق، والقرار يولد من عمق التعقّل، فنكتشف لاحقًا كم كنتَ صائب الرؤية، ثابت البصيرة.
أسلمتَ الروح بسلام المسيح الذي أحببت، ولم تحصر نفسك في حدودٍ ضيّقة، بل كنت عابرًا للطوائف، واسع القلب كرسالة الإنجيل. ثلاثون عامًا من المعرفة والتعاون لم تكفِ لاكتشاف عمق إنسانك.
يا أخ نور، غصت في أعماق الملكوت، فلّاحًا أمينًا في حقل الرب، وزرعتَ في أرض الإعلام المسيحي بذارًا حيّة، فصرتَ له أيقونةً ناطقة. ونحن اليوم نحصد من تعبك، ونشهد أن زرعك لم يذهب سدى.
اذهب إلى سكنى الفردوس، سرْ مع الأبرار والقديسين، تنسّك في صومعة السماء، واكتب تأملاتك في رحاب المجد.
ونحن نعاهدك أن نبقى أوفياء للرسالة، نحمل الشعلة التي أوقدتها، ونفتح الأبواب كما علّمتنا لنقل البشارة إلى العالم.
واليوم، في ديار الآب، سترفع صوتك قائلًا:
"قم يا الله واحكم في الأرض"، فقد غلبتَ أهواءها، وسيُكافئك وجه الله بعدله ونوره الذي لا يغرب."
