الأب محفوض: سرّ الفصح
"هذا هو السّلام المفرح الذي يتبادله المسيحيّون الأرثوذكسيّون يوم الفصح وهو الإيمان الأساسيّ المشترك لكلّ المسيحيّين.
كان هذا هتاف النّصر الأوّل، هتافًا فاهت به الكنيسة يوم مولدها "فليعلم يقينًا، آل اسرائيل أجمع، أنّ يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم، قد أقامه اللّه وجعله ربًّا ومسيحًا"، فالكنيسة تبدأ بحدوث واقع وإعلان واقع تحيا به منذ ألفي سنة.
غالبًا ما نعيش القيامة على أنّها مكافأة تعطى لنا أن نحصل عليها مقابل أعمالنا الصّالحة لذا يرفض الإنسان الموت لأنّه لا يقبل الحدود، والموت يشكِّل في نظره الحدّ النّهائيّ. الإنسان يرفض الموت لأنّه لا يليق بما فيه الكفاية بحبّ اللّه، فهو في بحث مستمرّ عن الضّمانات التي تكفل له الحبّ والخلاص.
وهنا تقدِّم قيامة المسيح حلًّا لقضيّة الخلاص كما تعرضه لكلّ منّا. فالقيامة هي أساس رجائنا الذي تحدّد غايته. لقد قام يسوع باعتباره باكورة الرّاقدين. هذا ما يعزّز انظارنا. القيامة في اليوم الأخير. أكثر من ذلك إنَّ يسوع هو شخصيًّا "القيامة والحياة، من آمن به وإن مات فسيحيا"، وهو ما يزيد يقيننا ثباتًا بأنّنا نشترك منذ الآن في سرّ الحياة الجديدة التي يجعل المسيح الوصول إليها ممكنًا بالنّسبة إلينا، عن طريق أسرار الكنيسة.
أوَّل من تحدّث عن القيامة انطلاقًا من خبرته، القدّيس بولس الرّسول. عاشر الرّسول القيامة واختبرها على طريق دمشق. وهذا يعني أوَّلا: أنّنا نختبر القيامة هنا من دون أن نلغي القيامة الأخيرة، قيامة الأجساد. عندما يتكلّم بولس الرّسول على القيامة فإنّه يتكلّم عليها على أنّها تحوُّل، ليست القيامة إحياء للجثّة بل القيامة تُحوِّل: بولس من مضطَهِد للمسيح والمسيحيّين إلى رسول المسيح.
إذًا جاز بولس الرّسول هذه الخبرة بصورة تُعاش لمَّا أشرق المسيح نوره الذي كان أشدّ لمعانًا من أشعّة الشّمس الذي أضاء قلبه وذهنه المظلم فنقله من سلطان الظّلمة إلى نوره العجيب. لهذا عرفنا أنَّ هذا النّور الجديد هو في الحقيقة نور الحياة لأنّه يقيم من الموت، موت الخطيئة. وأصبح نور المسيح المجدِّد من مميّزات الخليقة الجديدة كنقلة جديدة في طبيعة الإنسان ليرتقي إلى مستوى عالم الخليقة الجديدة الرّوحانيّة. لذلك فحياة الإنسان الجديدة قد انبثقت من ظلمة قبر المسيح وقامت مع قيامة يسوع المسيح من الأموات في اليوم الثّالث، أيّ تجاوزت الزّمن المحدود.
قيامة يسوع كانت بمثابة الرّدّ العمليّ والبرهان الحسّيّ والواقعيّ على قول المسيح أنا هو نور العالم النّور الذي لا ينطفىء لأنّه نور الخليقة الجديدة. إذًا فالموت لا يسود على الخليقة الجديدة بعد الآن، لأنّ ميراث المسيح انتقل إلينا بالقيامة وانفتحت أعيننا على مجد المسيح عبر الإنجيل.
هكذا اهتمّ بولس الرّسول أن يكون التّعلّم بالقيامة من الأموات أساسًا ثابتًا في تعليمه كنتيجة حتميّة ولازمة لقيامة المسيح من الأموات "فإنْ لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام، وإن لم يكن المسيح قد قام، فباطلة كرازتنا وباطل أيضًا إيمانكم، لأنّه إن كان الموتى لا يقومون فلا يكون المسيح قد قام... ولكن اللّه قد أقام المسيح من بين الأموات وصار باكورة الرّاقدين".
ورغم عذابات بولس الرّسول التي تحمَّلها في سبيل هذا التّعليم، لم يخذل المسيح في قيامته: "لي رجاء باللّه في ما هم أيضًا ينتظرونه أنّه سوف تكون قيامة للأموات والأبرار والأثمة"، يلاَحظ هنا أنّ بولس الرّسول يذكر القيامة قوّة للأبرار والآثمة، إلّا أنّ تشديده هو على قيامة المسيح والتي تستمد قوَّتها من قوّة المسيح نفسها"، اللّه قد أقام الرّبّ وسيقيمنا نحن أيضًا بقوَّته".
ولكنّه يعطي تعليمًا إضافيًّا، إنّ جسد القيامة سيختلف عن جسدنا الأرضيّ الطّبيعيّ موكّدًا أنّ لحمًا ودمًا لا يقدرأن أن يرثا ملكوت اللّه، ولا يرث الفسادُ عدمَ الفساد. إنّ جسد القيامة هو سماويّ أيّ من طبيعة قادرة على أن تعيش في السّماء مع السّماويّين.
وفي ردّ القدّيس ايريناوس على سؤال الهراطقة: "إنَّ اللّحم والدّمّ لا يرثان ملكوت اللّه" فهذا يعني أنّه أن تكون قيامة جسد أو أنّه لا سبيل للنّفس بعد انفصالها عن الجسد أن ترسَل إلى الفردوس وأمَّا إلى الجحيم بحسب ما تستحق. فالقصد من "اللّحم والدّمّ" لا يستطيعان أن يرثا ملكوت اللّه، فهذا لا يعني أنّ الرّسول يُنكِر قيامة الأجساد الحاليّة كما يظن المشكّكون بل ينكِر قيامة الفساد والموت مع الجسد لأنّه بحسب كلمات الرّسول، الواضحة، "لا بدّ لهذا الجسد الفاسد أن يلبس عدم الفساد ولهذا الجسد المائت أن يلبس عدم الموت" (1كورنثوس15-53).
والرّبّ يسوع نفسه ووحده هو الذي سيُحَوِّل جسدنا إلى جسدٍ على صورة جسد مجده، بتلك القدرة التي تمكّنه من أن يُخضِع لنفسه كلّ شيء.
وبحسب تعليم القدّيسَين باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللّاهوتيّ يتّضح أنّ الجسد البشريّ بعد الموت يرجع إلى التّراب، لكن عناصره الأساسيّة الأولى تبقى على الدّوام سالمة غير متغيّرة.
وأمَّا صورة أجساد القيامة واتّحادها من جديد مع أرواحها فيؤكّد القدّيس غريغوريوس اللّاهوتيّ أنّ الغشاء الجسديّ "للنّفس" الذي يتلاشى الآن بالموت يتركّب من جديد من تلك المادّة ولكن ليس كالتّركيب السّابق السّمج الثّقيل بل يكون أخفّ وأشبه بالهواء وعلى غايةٍ من الجمال والحسن.
ونتيجة لهذه التّعاليم ثبَّت آباء المجمع المسكونيّ الخامس الإيمان الأرثوذكسيّ قائلين: "كلّ من يزعم أنّ جسد الرّبّ بعد القيامة كان أثيريًّا، له شكل كرة، وأنّ الأجساد كلّها ستكون على مثال ذلك بعد القيامة، وأنّه بعد أن يكون الرّبّ نفسه قد خلع عنه جسده، وبعد أن يكون كلّ من قام قد خلع عنه جسده فهذه الأجساد كلُّها تصير إلى الفناء فليكن مُبسلاً".
إنَّ موت المسيح رفع عنّا الموت لأنّ مجرّد وجود المسيح فينا "بالمعموديّة والإفخارستيّا" هو عملية فداء ومصالحة حيث تفقد الخطيئة سلطانها المميت وتصبح الخطيئة بمثابة تأديب وتوبيخ تعمل للانتقال من حياة حسب الجسد لحياة الرّوح. إنَّ جسد الخطيئة الذي تركّز فيه الموت والذي تمثّله الآن الذّات البشريّة المنعطفة نحوه قد صُلِب فعلاً مع المسيح ومات أيضًا وتمّ فيه الحكم بالموت على الصّليب، فأصبح لا أثر لوجود اللّعنة فيه بالنّسبة إلى الإنسان الجديد، أيّ أنَّ الإنسان القديم لم يعد له الوجود الفاعل لفقدان سلطانه .
إنّنا لا ننتظر أيَّ حكم بالموت بعدما وَلَدَنا اللّهُ ثانية بقيامة المسيح من الأموات، وأخذنا الخليقة الجديدة بالمسيح وفي المسيح بالمعموديّة والإفخارستيّا. فالمسيح حمل خطايا البشر كلِّهم في جسده على الخشبة ودفع ثمن خلاص كلّ إنسان بدمه، ولكن لن ينتفع من هذا إلّا الذي يأخذ المسيح في نفسه ولنفسه ليستمد منه الحياة الأبديّة. إذا عملنا ذلك يصبح هو حياتنا فهنا ننتفع من حكم الموت الذي جازه عنّا بل فينا أيّ بوجود المسيح فينا من خلال كلمته والمعموديّة والإفخارستيّا التي هي الضّمان المستمرّ لتجديد الخليقة الجديدة.
فإذا قبلنا قيامة المسيح كقوّة فاعلة إيجابيّة، فهذا معناه أنّنا قبلنا الموت أيضًا كفعل له عمله وأثره في حياتنا اليوميّة من جهة جسد الخطيئة "من أجلِك نُمات كلّ النّهار"، أيّ أنّنا نعتبر أنفسنا كلَّ يوم أحياء من بين الأموات مع المسيح. بالإيمان والرّجاء نعيش كلَّ يوم ملء فرح القيامة، فما دمنا قائمين وثابتين مع المسيح فنحن في حال صلح وسلام دائم مع اللّه لهذا ضمن لنا المسيح خلاصنا وحياتنا وقيامتنا إنْ تمسَّكنا به وحفظنا وصاياه وسرنا بنوره "إنّي أنا حيٌ فأنتم ستحيون.
حقًّا المسيح قام."
