الأخ نور... "أيقونة نور"
"صباح الجمعة العظيمة انتقل الأخنور إلى الضّفّة الأخرى، وهو من ملأ دنيانا نشاطًا ومؤسّسات ومشاريع، وهو من عاش النّسك في قلب هذا العالم، وكان "ظاهرة فريدة لا تشبه إلّا ذاتها، وعلامة مميّزة من علامات زمننا" كما وصفه صديقه المحامي أنطوان سعدفي رثاء يوم وداعه.
غريب سرّ هذا الرّجل الّذي عاش حياته في كيس من "الجنفيص"- علامة التّقشّف المطلق- وكان عاري القدمين ليل نهار، طعامه قطعة خبز جافّة، مع كوب ماء، يتناوله مرّة كلّ أربع وعشرين ساعة.
وغريب كيف عاش وحيدًا، متجرّدًا، وهو بين النّاس، يستمع إليهم باهتمام وابتسامة، ويخدمهم بكلّ أمانة ومحبّة، ويتابعهم حتّى النّهاية.
الأخ نور، ابن تاجر معروف، حلبيّ الجذور، ووالدة كسروانيّة (هي ابنة أخ المطران يوسف نجم)، تخلّى عن اسمه، ومقتنيات أهله، ليعيش الفقر الحقيقيّ، الإنجيليّ، والبساطة والعفّة، والخفر، وكأنّه راهب خارج الدّير، فهم عمق الإنجيل، وعاش المسيحيّة تخلّيًا عن الذّات في سبيل الآخرين، فترك مدرسة في هذا النّمط من الرّسالة.
وإلى نشاطاته الرّوحيّة والرّياضات الّتي أقامها، والتّأمّلات الّتي كتبها، أسّس الأخ نور جماعة الرّوح القدس للرّسالات، وتجمّع أبناء الكنيسة للمحافظة على الأخلاق، وبيت مريم للصّبايا المنحرفات، وجمعيّة سعادة السّماء للمدمنين، و"فان المحبّة" للمتسوّلين والمقيمين على الأرصفة، يؤمّن لهم وجبة طعام كلّ يوم.
أمّا قمّة إنجازاته فكانت في عالم الإعلام، لإيمانه بدور هذه الوسائل بنقل البشرى السّارّة، وتعزيز التّواصل بين النّاس، وحوار الحضارات والثّقافات. كان أوّلها تأسيس إذاعة صوت المحبّة.
وأذكر شخصيًّا اجتماعات التّأسيس لتلفزيون تيلي لوميارفي أواخر ثمانينيّات القرن الماضي، الّتي كانت تتمّ في مكتبي في جامعة الرّوح القدس الكسليك، حينًا، وفي منزل صديقه المرحوم جورج فرام، أو في مكتب صديقه الآخر المرحومنهاد نوفل، أحيانًا، كما أذكر رعاية الرّاحل الرّئيس شارل حلو الّذي ترأّس أوّل مجلس إدارة للتّلفزيون، وكان فيه المرحومون ميلاد الغزال معوّض، وبعده ابنه الصّديق جورج، وجوزف خوري، وجورج افرام وبعده العزيز نعمت، وفخر الكلّاسي، قبل أن يسلّم الرّسالة إلى ابنه جاك الّذي يترأّس اليوم، بكلّ جدارة وسخاء قلب، مجموعة تيلي لوميار ونورسات وفضائيّاتها.
ومن وجوه تلك الفترة صديقي الدّكتور أنطوان سعد، مدير كاريتاس آنذاك، الّذي تولّى أمانة سرّ مجلس الإدارة، وكان مرجعًا قانونيًّا، وموضع ثقة الكنيسة يوم كان لبعض السّلطات الكنسيّة تحفّظات على "مغامرات" الأخ نور، غير المضمونة النّتائج.
لقد كان الأخ نور مغامرًا إلى حدّ الجنون، وكانت يد الله معه، فبنى، بإمكانات محدودة، ما لم تتمكّن الكنيسة من بنائه، وكان التّلفزيون أوّل محطّة تلفزيونيّة مسيحيّة في العالم، قام بها علمانيّ مجنون، ومعه حفنة من "المجانين"، لأجل كلمته ألقوا شبكتهم، وكان المحصول المبارك الّذي يمجّد الله.
مع الأخ نور، الّذي يبقى حيًّا في ما قدّمه لله وللإنسانيّة، نشكر الله على هذه الأيقونة الّتي يحتاج إليها وطننا المعذّب وعالمنا المجنون، وندعو كي تستمرّ في أرجائنا هذه النّسمة الوديعة الّتي تركها الأخ نور."
