البابا: الصّوم هو مسيرة منيرة، لنفسح المجال للصّمت والإصغاء
"اليوم، في الأحد الأوّل من زمن الصّوم، يتحدّث إلينا الإنجيل عن يسوع الذي، اذ سار به الرّوح، مضى إلى البرّيّة وجرّبه إبليس. بعد صيام دام أربعين يومًا، شعر يسوع بثقل بشريّته: الجوع على المستوى الجسديّ، وتجارب إبليس على المستوى الأخلاقيّ. لقد اختبر العناء نفسه الذي نمرّ به جميعًا في مسيرتنا، وبمقاومته للشّيطان، أظهر لنا كيف نهزم خداعه ومكايده.
إنّ اللّيتورجيا، من خلال كلمة الحياة هذه، تدعونا للنّظر إلى زمن الصّوم كمسيرة منيرة يمكننا فيها، عبر الصّلاة والصّوم والصّدقة، أن نجدّد تعاوننا مع الرّبّ في تحقيق التّحفة الفريدة لحياتنا. يتعلّق الأمر بالسّماح له بإزالة البقع وشفاء الجروح التي قد تكون الخطيئة قد أحدثتها فيها، وبالالتزام بجعلها تزهر بكلّ جمالها حتّى ملء المحبّة، المصدر الوحيد للسّعادة الحقيقيّة.
إنّها بالتّأكيد، مسيرة متطلّبة، وهناك خطر بأن نصاب بالإحباط، أو أن نسمح بأن تجذبنا طرق إشباع أقلّ جهدًا، مثل الغنى والشّهرة والسّلطة. هذه، التي كانت أيضًا تجارب يسوع، ليست سوى بدائل بائسة للفرح الذي خُلقنا من أجله، وفي النّهاية، تتركنا حتمًا وللأبد في حالة من عدم الرّضا والقلق والفراغ.
لهذا السّبب، علم القديس بولس السّادس أنّ التّوبة، بعيداً عن إفقار إنسانيّتنا، هي تغنيها وتطهّرها وتقوّيها في تقدّمها نحو أفق تكون "نهايته المحبّة والاستسلام للرّبّ". فالتّوبة، بينما تجعلنا ندرك حدودنا، تمنحنا القوّة لتجاوزها ولكي نعيش، بعون الله، شركة تزداد عمقًا معه وفيما بيننا.
في زمن النعمة هذا، لنمارس التّوبة بسخاء، مع الصّلاة وأعمال الرّحمة: لنفسح مجالاً للصّمت؛ ولنُسكت قليلاً أجهزة التّلفاز والرّاديو والهواتف الذّكيّة. لنتأمّل في كلمة الله، ولنتقرّب من الأسرار؛ ولنصغِ إلى صوت الرّوح القدس الذي يخاطبنا في قلوبنا، وليصغِ بعضنا إلى بعض، في العائلات، وفي بيئات العمل، وفي الجماعات. لنكرس وقتًا لمن هم وحدهم، ولاسيّما للمسنّين والفقراء والمرضى.
لنتخلَّ عن الفائض ولنتقاسم ما نوفره مع من يفتقر إلى الضّروريّ. حينئذٍ، وكما يقول القدّيس أوغسطينوس: "إنّ صلاتنا، التي نرفعها بتواضع ومحبّة، في الصّوم والصّدقة، في العفّة والمغفرة، في تقديم الصّالحات وعدم ردّ الإساءة، في الابتعاد عن الشّرّ وفعل الخير"، ستصل إلى السّماء وتمنحنا السّلام.
إلى العذراء مريم، الأم التي تعين دائمًا أبناءها في المحن، نوكل مسيرتنا في زمن الصّوم."
