الفاتيكان
12 كانون الثاني 2026, 06:00

البابا: الله لا يعمل في الضّوضاء، لكن ملكوته بدأ ينبت في كلّ مكان

تيلي لوميار/ نورسات
منح البابا لاون الرّابع عشر سرّ العماد لمجموعة من أطفال موظّفي الفاتيكان، خلال قدّاس إلهيّ ترأّسه في كابيلّا سيكستين صباح الأحد بمناسبة عيد ميلاد الرّبّ.

خلال القدّاس، ألقى البابا عظة تحدّث فيها عن الرّبّ الّذي دخل التّاريخ وقابل حياة كلّ واحد بقلب منفتح ومتواضع، وقال بحسب إعلام الكرسيّ الرّسوليّ: 

"أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء،

وصف لنا الإنجيل (راجع متّى 2، 1–12) فرح المجوس الكبير جدًّا عندما رأوا النّجم من جديد (راجع الآية 10)، ووصف أيضًا الاضطراب الّذي أصاب هيرودس وأورشليم كلّها الّذين بحثوا في الكتب (راجع الآية 3). في كلّ مرّة يرِد الكلام على ظهور الله، لا يخفي الكتاب المقدّس هذا النّوع من المواقف المتناقضة: فرح واضطراب، ومقاومة وطاعة، وخوف ورغبة. نحتفل اليوم بعيد ظهور الرّبّ يسوع، ونحن نعلَم أنّ لا شيء يبقى على ما هو إذا حضر هو. هذا هو بداية الرّجاء. الله يُظهر نفسه، ولا شيء يمكن أن يبقى بعد ذلك ساكنًا. يتوقّف نوع من الطّمأنينة، تلك الّتي تدفع الكئيبين إلى أن يردّدوا: "لَيسَ تَحتَ الشَّمسِ شَيءٌ جَديد" (الجامعة 1، 9). ويبدأ أمرٌ جديد يتوقّف عليه الحاضر والمستقبل، كما أعلن النّبيّ: "قومي استنيري فإِنَّ نورَكِ قد وافى، ومَجدَ الرَّبِّ قد أَشرَقَ علَيكِ" (أشعيا 60، 1).

من المدهش أنّ أورشليم، المدينة الّتي شهدت بدايات جديدة كثيرة، هي الّتي اضطربت. والّذين يدرسون الكتب المقدّسة فيها ويعتقدون أنّ لديهم جميع الأجوبة، يبدو أنّهم فقدوا القدرة على طرح الأسئلة على أنفسهم وتغذية الرّغبات. بل إنّ المدينة خافت من الّذين جاءوا إليها من بعيد، يدفعهم الرّجاء، وشعرت بالتّهديد ممّا كان ينبغي أن يُعطيها فرحًا كبيرًا. ردّة الفعل في المدينة تستنطقنا نحن أيضًا، ككنيسة.

شهد الباب المقدّس في هذه البازيليكا، الّذي كان آخر الأبواب الّتي أُغلقت اليوم، تدفّقًا لا يُحصى من الرّجال والنّساء، حُجّاجَ رجاء، في مسيرة نحو المدينة المفتوحة أبوابها دائمًا، أورشليم الجديدة (راجع رؤيا 21، 25). من كانوا، وما الّذي كان يحرّكهم ويدفعهم؟ إنّ البحث الرّوحيّ لمعاصرينا، وهو أغنى بكثير ممّا قد نستطيع إدراكه، يجعلنا نتساءل بشكلٍ جادّ في ختام سنة اليوبيل. عَبَرَ الملايين منهم عتبة الكنيسة. ماذا وجدوا؟ أيّ قلوب، وأيّ اهتمام، وأيّ تجاوب؟ نعم، المجوس ما زالوا موجودين. إنّهم أشخاص يقبلون تحدّي المخاطرة، كلٌّ في رحلته الخاصّة، والّذين يشعرون بالحاجة إلى الانطلاق والبحث، في عالمٍ مضطرب مثل عالمنا، عالم رافضٍ وخطِر من نواحٍ كثيرة.

قال القدماء ”الإنسان مسافر“ (Homo viator). حياتنا مسيرة. والإنجيل يدعو الكنيسة إلى ألّا تخاف من هذه الدّيناميكيّة، بل تثمِّنها وتوجّهها نحو الله ال  ذي يبعثها فينا. إنّه إله قد يربكنا، لأنّه لا يبقى ثابتًا بين أيدينا مثل أصنام الفضّة والذّهب: بل هو حيّ ومانح الحياة، مثل ذلك الطّفل الّذي وجدته مريم بين ذراعيها وسجد له المجوس. الأماكن المقدّسة، مثل الكاتدرائيّات والكنائس البازيليكا والمزارات الّتي صارت مقاصد حجّ في اليوبيل، يجب عليها أن تنشر عطر الحياة، وأن تترك انطباعًا لا يُمحى بأنّ عالمًا آخر قد بدأ.

لنسأل أنفسنا: هل توجد حياة في كنيستنا؟ وهل يوجد مكان للّذي وُلِد؟ وهل نحبّ ونبشّر بإله يضعنا في مسيرة من جديد؟

في رواية الإنجيل، خاف هيرودس على عرشه، واضطرب ممّا شعر أنّه خارج سيطرته. حاول أن يستغلّ رغبة المجوس، وسعى إلى تحويل بحثهم لمصلحته. كان مستعدًّا لأن يكذب، ومستعدًّا لكلّ شيء، لأنّ الخوف يعمي البصيرة. أمّا فرح الإنجيل فيحرّر: يجعلنا حذرين، نعم، ولكن أيضًا جريئين، ومتنبّهين وخلاّقين، ويقترح علينا طرقًا متنوعة غير الّتي سلكناها من قبل.

حمل المجوس إلى أورشليم سؤالًا بسيطًا لكنّه جوهريّ: "أَينَ الَّذي وُلِد" (متّى 2، 2). من المهمّ أنّ الّذي يدخل باب الكنيسة يجب أن ينتبه أنّ المسيح وُلِد فيها الآن، وفيها تلتقي جماعة ظهر فيها الرّجاء، وفيها قصّة حياة تنبض دائمًا. جاء اليوبيل ليذكِّرنا أنّه يمكن أن نبتدئ من جديد، بل ما زلنا في البداية، وأن الله يريدنا أن ننمو فيما بيننا، ويريد أن يكون الله- معنا. الله يطرح السّؤال في ما هو النّظام القائم: له أحلام يلهمها اليوم أيضًا إلى أنبيائه، وهو مصمّم أن يفتدينا من العبوديّات القديمة والجديدة. ويستخدم لذلك الشّباب والكبار، الفقراء والأغنياء، الرّجال والنّساء، القدّيسين والخطأة في أعمال رحمته، وفي عجائب عدله. الله لا يعمل في الضّوضاء، لكن ملكوته بدأ ينبت في كلّ مكان.

كم من ظهورٍ إلهيّ أعطي لنا أو هو على وشك أن يُعطى! لكن ينبغي حمايته من نوايا هيرودس، ومن مخاوف تتحوّل بسهولة إلى عدوان. "فمُنذُ أَيَّامِ يُوحنَّا المَعْمَدانِ إِلى اليَومِ مَلَكوتُ السَّمواتِ يُؤخَذُ بِالجِهاد، والمُجاهِدونَ يَختَطِفونَه" (متّى 11، 12). عبارة يسوع الغامضة هذه، الواردة في إنجيل متّى، لا بدّ من أن تدفعنا إلى التّفكير في الصّراعات العديدة الّتي بها يستطيع البشر أن يقاوموا، بل يوقفوا الجديد الّذي أعدّه الله للجميع. أن نحبّ السّلام ونبحث عنه يعني أن نحمي ما هو مقدّس، ولهذا بالتّحديد هو وليد جديد: صغير، ورقيق، وضعيف مثل طفل. من حولنا، يحاول اقتصاد منحرف أن يستخرج الرّبح من كلّ شيء. نرى ذلك: السّوق تحوّل إلى تجارة حتّى عطش الإنسان إلى البحث والسّفر والبدء من جديد. لنسأل أنفسنا: هل علّمنا اليوبيل أن نهرب من هذا النّوع من ”الفعاليّة في الإنتاج“ الّذي يحوّل كلّ شيء إلى مُنتَج، والإنسان إلى مستهلك؟ بعد هذه السّنة، هل سنكون أكثر قدرة على أن نرى في الزّائر حاجًّا، وفي الغريب باحثًا، وفي البعيد قريبًا، وفي المختلف عنّا رفيق درب؟

الطّريقة الّتي التقى بها يسوع بالجميع، وسمح للجميع بأن يقتربوا منه، تعلّمنا أن نقدّر سرّ القلوب الّذي هو وحده يعرف أن يقرأه. معه نتعلّم أن نميّز علامات الأزمنة (راجع المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، الدّستور الرّعائي، فرح ورجاء، 4). لا أحد يستطيع أن يبيعنا ذلك. الطّفل الّذي سجد له المجوس هو خير لا يُثمَّن ولا يُقاس. إنّه ظهور المجّانيّة. هو لا ينتظرنا في ”المواقع“ المرموقة، بل في الوقائع المتواضعة. "وأَنتِ يا بَيتَ لَحمُ، أَرضَ يَهوذا، لَسْتِ أَصغَرَ وِلاياتِ يَهوذا" (متّى 2، 6). كم مدينة، وكم جماعة مؤمنين هم بحاجة إلى أن يسمعوا من يقول لهم: ”لست الأخير“. نعم، لا يزال الرّبّ يسوع يفاجئنا! إنّه يجعلنا نجده. طرُقه ليست طرُقنا، وأصحاب العنف لا يستطيعون أن يهيمنوا عليها، ولا حتّى قِوى العالم يمكنها أن تعرقلها. من هنا جاء فرح المجوس الكبير، الّذين تركوا وراءهم القصر والهيكل، وانطلقوا نحو بيت لحم: إذّاك رأوا النّجم من جديد!

لذلك، أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، حسنٌ أن نصير حجّاج رجاء. وحسنٌ أن نواصل ذلك معًا! أمانة الله ستدهشنا مرّة أخرى. إن لم نحَوِّل كنائسنا إلى مجرّد آثار، وإن صارت جماعاتنا بيوتًا، وإن قاومنا متّحدين إغراءات الأقوياء، إذّاك سنكون أجيال الفجر. سيّدتنا مريم العذراء، نجمة الصّبح، ستسير دائمًا أمامنا! وفي ابنها يسوع سنتأمّل ونخدم إنسانيّة رائعة، لم تتغيّر بهذيان السّلطة المطلقة، بل بالله الّذي صار بشرًا حبًّا لنا."